zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
بعد مرحلة قيادة الأربعينات: هل يستطيع الحزب الشيوعي السوداني الخروج من حالة التناقض التي يعيشها بين التطلع للديمقراطية و الأمل في الثورة منذ تأسيسه في أواسط الأربعينات؟
قال السيد يوسف حسين الناطق الرسمي باسم الحزب في تصريحات صحفية قال ( أن انعقاد اللجنة المركزية, هو اجتماع دوري يتم مرتين في السنة, حسب اللائحة, و هو لم ينظر في قضية اختيار سكرتير عام للحزب, و لكنه أردف أن الحزب بمؤسساته المعنية سينظر في الأمر, و يعلن ما توصل إيه, و لسنا في عجلة من أمرنا, نحن حزب مؤسس, و سيتحدد الاختيار ببراح, و إرادة الحزب هي التي ستنفذ) إذن قضية اختيار السكرتير العام الجديد للحزب فيها خلاف, حسب إشارات السيد حسين, باعتبار إذا كان لا يوجد خلاف, كانت اللجنة المركزية  اختارت السكرتير الجديد في اجتماعها ,من خلال التصويت المباشر, و معروف أن هناك تيارات داخل الحزب, تحمل رؤى مختلفة, و هي التي أجلت عملية الاختيار, و هي فرصة للخط المحافظ لكي يقنع القاعدة بضرورة أن تبقي القيادة في جيل الأربعينيات, و هؤلاء وحدهم من خلال سلطتهم قادرين علي الاتصال بكل العضوية, التي سوف تشارك في الاختيار,أما الديمقراطيون في الحزب لا يستطيعون الاتصال بالعضوية إلا الذين هم فقط في خلاياهم.
و المتابع لتاريخ الحزب الشيوعي و صراعاته الداخلية, منذ التأسيس, يجد أن العناصر التي ساهمت في تكوين الحزب في منتصف الأربعينات, هي التي تقبض علي زمامه, و تحدد وجهته, و هي التي تستطيع أن تحدد من هو سكرتيره العام القادم. و إذا سمح لنا الرفاق, أن نبدأ تاريخ الحزب بعد مرحلة الاستقلال, ليس تغيبا لمرحلة التأسيس, و لكن نقول مرحلة ما قبل الاستقلال, كانت مرحلة مسخرة من أجل النضال ضد الاستعمار, و بناء التنظيم و  ترتيب نفسه, لمرحلة ما بعد الاستقلال, و منذ الاستقلال و حتى اليوم تغيرت نظم سياسية في السودان ديمقراطية و عسكرية, و تغيرت قيادات علي الساحة السياسية, و ظل الحزب الشيوعي يبشر ببرنامج الثورة الديمقراطية الوطنية, و الحزب الشيوعي الذي يرفع رايات الديمقراطية, هو نفسه يعاني من داء عضال يحجب عنه قيم الديمقراطية داخله, و دلالة علي ذلك, نجد أكثر من ستة عقود, أي أكثر من ستين عاما, كان هناك سكرتيران عامان للحزب الشيوعي, السيد عبد الخالق محجوب الذي مكث في القيادة لأكثر من عقدين, ثم غيبه الموت, و جاء السيد محمد إبراهيم نقد الذي مكث أكثر من أربع عقود, و أيضا غيبه الموت, متجاوزا بذلك عتاد الماركسيين في البلد الأم للماركسية الاتحاد السوفيتي السابق, و الذين تبؤ مقعد السكرتير العام في حزبهم " لينين, ستالين, خرتشوف, برجنيف, غرباتشوف, و يلسين و غيرهم" و حتى  السكرتير العام في السودان تجاوز أنور خوجة في البانيا. وبقاء السكرتير العام كل تلك السنين في قمة الحزب, و لم نسمع  كانت هناك أصوات تنادي بالديمقراطية داخل التنظيم, و التغيير داخل الحزب, بل الذين يحاولون تبني مثل هذه الشعارات داخل الحزب, سرعان ما يغادرونه. 
يقول الدكتور الشفيع خضر, في الحوار الذي كانت قد أجرته معه جريدة " الأهرام اليوم"  قبل اللقاء الصحفي الأخير, و مع ذات الصحيفة, حول بقاء السيد محمد إبراهيم نقد 41 عاما في منصب الأمين العام للحزب, يقول ( في الأصل السكرتير العام يتم انتخابه في مؤتمر, ويعاد انتخابه في مؤتمر, و الأستاذ نقد انتخب سنة 1971 بعد إعدام الشهيد عبد الخالق محجوب السكرتير العام السابق, و منذ ذلك الحين لم يعقد مؤتمر بخلاف المؤتمر الخامس. و يضيف قائلا الدكتور الشفيع أنا اعتقد أن هنالك أعضاء بخلاف نقد ظلوا في اللجنة المركزية منذ المؤتمر الرابع عام 1967 بمن فيهم الأستاذ نقد نفسه ) و يعلل الدكتور الشفيع سبب عدم عقد المؤتمرات و يقول ( لأنه في ظروف العمل السري قيام المؤتمرات يكون صعبا, كما حدث للحزب حيث كان مطاردا, و تعرض لمحاولات تصفية أمنية, و بالتالي كان يجب أن يتم تصعيد أعضاء للجنة المركزية) هذا تبرير غير واقعي, فإذا كان الحزب الشيوعي استطاع أن يعقد مؤتمر استثنائي عام 1971 في ظل الحرب الأمنية الموجهة ضده, و في ظل الانشقاق الطولي للجنته المركزية و مكتبه السياسي, لا اعتقد أن الحزب كان غير قادر لعقد مؤتمر في تلك الفترة,  ثم جاءت ثلاثة سنوات من الديمقراطية من 1985 إلي 1989 و لكن القيادة لم تكن راغبة في المؤتمر, و كانت فترة كافية لقيام المؤتمر, و كانت قيادة الأربعينات التي تقبض علي زمام الحزب تعتقد أن أية تجديد في الحزب سوف يؤثر علي منهج الحزب السائدة منذ عبد الخالق محجوب, و يفكك القبضة الاستالينية, لذلك تعللت بأن الظروف غير مؤتية.
أصبح منصب السكرتير العام في الحزب الشيوعي, مثل المعبد المقدس, الذي يجب علي القاعدة تقديسه, و عدم المساس به, أن كان بالنقد أو حتى بالتوجيه, باعتبار أن السكرتير العام هو الرجل السيوبر, و هو الجهة الوحيدة المناط بها تقديم الأطروحات و الاجتهادات الفكرية, و علي الآخرين ترويجها, و تقديم فروض الطاعة و الولاء, و هذه الثقافة السائدة في الحزب الشيوعي, تخلق حالة من التوجس عند الآخرين, في قضية الديمقراطية فكيف حزب يقبل بقاء شخص في منصب قرابة نصف قرن, أن تثق الجماهير إذا وصل الحزب إلي السلطة, لن يطبق نفس السياسة السائدة في الحزب, و تحول قمة الدولة إلي منطقة مقدسة, يمكث فيها زعيم الحزب حتى الممات, كما حدث في العديد من الدول التي حكمتها الأحزاب الشيوعية.  
و بقاء الأفراد في القيادة لفترات طويلة ليس ذلك بقاء فرد فقط, أنما بقاء منهج و عقلية واحدة, مهما كانت قدرتها الفكرية و التنظيمية تخلق حالة من الضمور في التنظيم, و الفكر أيضا, و عقلية السيد نقد كانت امتداد لعقلية السكرتير الأسبق عبد الخالق محجوب, دون أن يحدث أية تطور في الفكر و التنظيم, بال أن التنظيم قد تراجع دوره الفكري و السياسي, حيث فقد أهم قاعدتين كان يعتمد عليهما الحزب وسط الجماهير, دوره في العمل النقابي, و أيضا في العمل الطلابي, و هذا يرجع ليس للتحديات التي يواجهها الحزب,  من ممارسات النظم الديكتاتورية, و لكن هناك أيضا أسبابا تنظيمية تخص الحزب الشيوعي نفسه, الذي فقد أهم خاصية هي خاصية التنافس السياسي داخل التنظيم, من الناحية الفكرية و التنظيمية, و رغم أن الحزب الشيوعي السوداني كان يعتبر من أكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة, إلا أن إنتاجه الفكري شحيحا, مقارنة بأحزاب شيوعية أخري, مثل الحزب اللبناني, حيث استطاع الحزب اللبناني, و رغم قلة عضويته, إلا أنه استطاع أن يقدم عشرات المفكرين, الذين قدموا مئات العناوين في الفكر الماركسي و الثقافة السياسية, منهم مهدي عامل و جورج طرابشي و حسين مروة و محسن الحسن و غيرهم, من المفكرين, في الوقت الذي لم يقدم الحزب الشيوعي إلا اجتهادات عبد الخالق محجوب و محمد إبراهيم نقد, و هذا يوضح أن بقاء القيادة في القمة لفترات طويلة, تكلس مخرجات الفكر, فهل يستطيع الحزب الشيوعي أن يخرج من شرنقة الأربعينيات لرحاب القرن الحادي و العشرين؟ و هل عضويته تملك فعلا أدوات التجديد و التحديث؟ أم أن ثقافة الرفاق في الحرية و الديمقراطية موجهة فقط خارج أسوار التنظيم, و بالتالي لا يملكون حق النضال الداخلي, من أجل أن يتلاءم تنظيمهم مع شعارات الحرية و الديمقراطية التي يرفعونها, و لكن بحالة الحزب الحالية سوف لن تكون تجربتهم أفضل من تجربة الإنقاذ الحالية و لكن الاختلاف فقط أنها برؤية ماركسية.
يقول الدكتور الشفيع خضر في  اللقاء الصحفي الأخير مع جريدة الأهرام اليوم ( الحزب الشيوعي لم يتخل عن المنهج الماركسي, و هو باستمرار يسعي إلي تطوير أطروحاته الفكرية, و من ضمنها أطروحة الماركسية, لآن الماركسية في داخلها تتحدث عن التطور, و هو أحد المبادئ الرئيسية لها, و بالتالي لا يوجد ثبات و لا يوجد تمسك بحقيقة مطلقة) لا اعتقد أن هناك حزبا شيوعيا لا يتبني المنهج الماركس, و لكن هل الماركسية هي المرجعية الوحيدة للحزب الشيوعي السوداني, أم هي أحد المرجعيات؟ و في مناظرة كان قد أجراه "المركز السوداني للثقافة و الإعلام"  في أواخر التسعينات, بين الخاتم عدلان و الدكتور الشفيع خضر, قال الدكتور خضر إن الحزب الشيوعي يعتبر الماركسية أحد مرجعياته, كما الليبرالية تعد ركنا أساسيا لمرجعيته, و الآن يؤكد ذلك الدكتور بقوله أن الحزب يقوم بتطوير أطروحاته الفكرية, و من ضمنها الماركسية, و هذا يؤكد أن الماركسية ليست هي المرجعية الوحيدة, و السيد نقد نفسه أشار لذلك في حواره مع مجلة "النهج " حيث قال ( الصراع الخاص بالديمقراطية الليبرالية في السودان جزء من الصراع الاجتماعي جزء من صراع الثورة, القوي الشعبية تناضل لاستعادة الحريات كيما تبني تحالفاتها) إذن الماركسية أحدي المرجعيات مع مرجعيات أخري,و هذا التنوع في الفكر يوسع دائرة الحوار الداخلي في الحزب,و الذي بدوره يوسع مواعين الحرية و الديمقراطية الأمر الذي يؤدي إلي تطوير الحزب و منهجه الديمقراطي, فإذا كانت الماركسية هي أحد مرجعيات الحزب الشيوعي, كما هناك مرجعيات أخري, يبقي السؤال لماذا الاستماتة في الحفاظ علي اسم الحزب الشيوعي الذي لا يعبر عن المنهج الفكري الجديد للحزب؟
و اعتقد أن الشفيع خضر يعتبر أحد دعاة الانفتاح و التحديث في الحزب الشيوعي, من خلال أطروحاته الفكرية التي تفضحه, و التي تبعده تماما عن الخط الاستاليني الذي يقبض علي مفاصل الحزب, قرابة السبعة عقود, دون أن يحدث أية تطور حقيقي في فكر الحزب, أو أن يفتح قنوات الاجتهاد لعضويته, و رغم أن المنهج النقدي يشكل عمودا فقريا للماركسية, و لكن أسقطه الحزب الشيوعي من ممارساته الداخلية, و أحجم الرفاق عن نقد منهج عبد الخالق, الذي لم يستطيع الحزب الفكاك منه, رغم غياب صاحبه لأكثر من أربعين عاما, لآن العقلية التي خلفته سارت علي ذات المنهج, كما أن الأجيال الجديدة استهلكت طاقاتها في قضايا تنفيذية, ليست لها علاقة بالفكر, لذلك كانوا يرفعون شعارات دون الوعي بحالة التحولات التي تجري في العالم, فكانوا يستهلكون في صراعات سياسية بأدوات قديمة و عتيقة, فغدو مثل القوي الرجعية و الطائفية التي ينتقدونها,  رغم أنهم يمارسون ذات سلوكها و حتى تحالفاتهم لم تخرج من دائرتها.
اعتقد أن هناك العشرات, بل الآلاف من المفكرين و المثقفين, في الحزب الشيوعي السوداني, القادرين علي عملية الإنتاج الفكري, و الثقافي, إذا استطاع الحزب أن يوسع مواعين الحرية داخله, و يتبني هذا الإنتاج و يخرجه للناس, في شكل مطبوعات دورية, و لكن ذلك ضد المرجعية الاستالينة المسيطرة علي الحزب. و رغم أن الدكتور الشفيع خضر يتبني التغيير و التجديد, و الذي يتلاءم مع أطروحات الحرية و الديمقراطية, و لكنه يظل الدكتور يتخف وراء أصبعه,  فالمعارك الفكرية لا تقبل الممارسات التكتيكية, أنما الوضوح في الفكرة و البرنامج, هو الطريق لتحقيق الأهداف, و الحزب الشيوعي يحتاج لعملية التغيير, لكي يخلق الثقة مع الجماهير, و تتناسق أطروحاته الفكرية الداعية للحرية و الديمقراطية, مع الممارسة أن كانت داخل الحزب أو خارجه, فهل يعقل أن أصدق حزبا يدعو إلي الحرية و الديمقراطية, تمكث قيادته في مواقعها حتى الممات, و اصدق أن هذا الحزب جاد في أطروحاته الفكرية و شعارات الحرية و الديمقراطية التي يرفعها. فهل الدكتور خضر يستطيع أن يحمل راية التغيير و التجديد و يسير بها كما حمل يوجين مصباحه في وسط النهار بحثا عن الحقيقة؟ أم أنه سوف يتواري وراء أطروحات ماركسية أورثوذكسي, بهدف التكتيك كسبا للمجموعة الاستالينية المحافظة, الأيام هي التي تكشف ذلك, و نسال الله التوفيق للخط الديمقراطي.