أنهت الهيئة المركزية لحزب الأمة القومي اجتماعاتها, و هي تؤسس إلي مرحلة جديدة للديمقراطية, داخل هذا المؤسسة السياسية العريقة, و يعتبر الاجتماع مرحلة تاريخية و مفصلية بين عهدين, بدأت معلم المرحلة الجديدة تبرز و تؤسس لمنهج ديمقراطي جديد, ربما يعيد الحزب إلي عهد الأب الروحي للتنظيم السيد عبد الرحمن المهدي, الذي كان بالفعل بعيد النظرة السياسية, عندما جعل هناك مسافة بين الحزب و كيان الأنصار, و بين الحزب و بيت المهدي, و قبل أن يدار الحزب من خلال النخب السياسية و مجموعة المثقفين, لكي يزحف بالحزب من تمثيل الطبقة الإقطاعية إلي الطبقة الوسطي, و لكن لم يكتمل مشروع الرجل, و جاء السيد الصادق خريج مدرسة الغرب و من دعاة ديمقراطية وستمنستر, و حاول في صراعه مع عمه أن يسير في الخط الذي كان قد وضع ركائزه السيد عبد الرحمن, و اندفعت مجموعات من الطبقة الوسطى إلي حزب الأمة جناح السيد الصادق, الذي بدأ يؤسس إلي حزب جديد تقوم دعائمه علي الطبقة الوسطي, و أن يجعل هناك مسافة بين الكيان و المؤسسة السياسية, و لكن بعد اغتيال الأمام الهادي المهدي تراجعت خطي السيد الصادق, و اعتقد أن الفرصة جاءته لكي يمسك بزمام الاثنين معا, و لكن ثقافة الكيان غلبت علي ثقافة المؤسسة الديمقراطية, و إذا رجعنا إلي أول حديث صحفي مع السيد الصادق بعد الانتفاضة, تحدث عن أنهم كحزب زاحفون علي منطقة الوسط, و أن حزبهم سوف يتمدد في هذه المنطقة. و معروف منطقة الوسط ليست منطقة جغرافية, أو مكان يتمناه المرء, أنما المنطقة لها قيمها و ثقافتها, فهي منطقة لا تقبل أن تدار بثقافتين, أنما هي ثقافة واحدة, و لكن السيد الصادق أراد أن يحملها تناقضات الثقافتين لكي يتحكم في السيطرة عليها, و لكنه نسي أن التطور الاجتماعي الطبيعي حتما سوف يغلب ثقافة علي الأخرى.
أن اجتماع الهيئة المركزية لحزب الأمة, استطاعت الأغلبية فيه أن تؤسس إلي منهج جديد في العمل السياسي, و هذا المنهج سوف تكون له انعكاساته علي مستويات مختلفة و علي طريقة إدارة الحزب و علي تحالفاته و علي عملية التصالح داخل حزب الأمة, بل أبعد من ذلك ليس بالضرورة أن يكون علي قمة الحزب واحدا من بيت المهدي, و إذا لم يقرأها السيد الصادق قراءة جيدة, حتما سوف تفقد أجيال بيت المهدي السيطرة علي الحزب, باعتبار أن الأغلبية التي في الهيئة المركزية بالفعل تريد أن تؤسس إلي حزب جديد, برؤى جديدة, تأهل الحزب للزحف علي منطقة  الوسط ,علي أن يتبني كل قيم و أطروحات تلك الطبقة,فهي استطاعت أن تضع قاعدة قوية لعملية التحول الديمقراطي داخل الحزب,  و قد ظهر ذلك في ثلاثة إجراءات ربما تكون هي الأولي في تاريخ حزب الأمة.
الإجراء الأول – في كلمة السيد الصادق المهدي التي ألقاها في المؤتمر, كانت هناك تذكية غير مباشرة للأمين العام الفريق صديق عندما  مدح السيد الصادق الأمين العام و عدد مناقبه,  و هذا من رئيس الحزب كان يعتبر من الإشارات القديمة للقاعدة و المؤتمرين لكي  يبقي الرجل في موقعه, و لكن الأغلبية تمردت علي خطاب السيد الصادق, و أسقطت تقرير الأمين العام, و بالتالي سقط الأمين العام مع كل منهجه, إن كان في التقارب مع حزب المؤتمر الوطني, أو في عدم رضاها علي كل المجموعات الخارجة علي الحزب, و في وصفه إلي المذكرة التي رفعت من قبل عدد من شباب و طلاب حزب الأمة و وصفهم أنهم ليس بأعضاء في الحزب, و بسقوط التقرير تكون كل إستراتيجية الرجل و ما تحمل من مضامين و إشارات سياسية قد سقطت تماما, و يجب البحث عن رؤى جديدة تعبر عن الواقع الجديد.
القضية الثانية – اختيار الدكتور إبراهيم الأمين أمينا عاما للحزب, و معروف الدكتور إبراهيم يمثل نخبة مثقفة لها رؤيتها في الكثير من القضايا, ربما تتفق أو تختلف مع السيد الصادق, و لكن لها رأي خاص يساعد علي عملية تعدد الآراء داخل المؤسسة, بل يساعد علي إنتاج الفكر من مصادر مختلفة و متنوعة داخل التنظيم, و هذه كفيلة في أن توسع مواعين الديمقراطية في الحزب, كما أن توسيع مواعين الديمقراطية سوف يؤسس لقاعدة قوية لإنتاج الثقافة الديمقراطية داخل المؤسسة, الأمر الذي يفتح باب الاجتهادات الفكرية و يضعف عملية الاحتكار, و في ذات الوقت يؤدي إلي توزيع الاختصاصات و عدم مركزية العمل, و أيضا الدكتور إبراهيم رجل ذو علاقة طيبة مع جميع تيارات الحزب, أن كانت داخل المؤسسة أو التي فارقت سربها, و وجود الدكتور سوف يجعله يفتح باب الحوار الداخلي, بهدف عودة الكثير من الطيور التي هجرت سربها الأصلي دون أن تكون هناك شروط تعجيزية, و هذه أيضا كفيلة أن تجعل هناك حركا سياسيا قويا داخل الحزب يرمي بظلاله علي الساحة السياسية كلها. و أخيرا أن اختيار أمين عام للحزب, يعني إعادة النظر في جميع سياسات الحزب الماضية, و الاتجاه لتبني خط جديد يخدم الإستراتيجية الجديدة, التي وضعتها الهيئة المركزية للحزب و هي تعد نقلة نوعية في سياسة حزب الأمة.
القضية الثالثة- انسحاب الدكتور مريم المهدي, بعد أن تم ترشيحها لكي تصبح أمينا عاما للحزب, و اعتقد أن عملية انسحاب الدكتورة فيه أيضا بعد نظر سياسي, رغم أنني لا اتفق مع رؤية الدكتور مريم التي نشرتها في كل المواقع الصحفية الكترونية  و بعض الصحف في الخرطوم ,أنها انسحبت من المنافسة لكي تجعل عملية الوفاق تكتمل, باعتبار ليس داخل الحزب الواحد حديث حول الوفاق, لآن الوفاق دائما يتم عندما تكون هناك قوي سياسية متباينة البرامج السياسية و مختلفة المدارس الفكرية, فيتم الوفاق علي الحد الأدنى, أي يتم تنازل من الجميع  للوصول لوفاق, أما داخل الحزب الواحد فكل عضويته متفقة علي البرنامج السياسي و علي المرجعية الفكرية, و بالتالي الذي يتم هو تنافس طبيعي بين عضوية الحزب, لكيفية تحقيق أهداف الحزب, و ربما تكون هناك طريقتين لتحقيق أهداف الحزب و يحسم داخل الحزب ديمقراطيا عبر الاقتراع. و قد درجت العادة دائما,عندما يتم ترشيح أحد الأشخاص من بيت المهدي ينسحب الآخرون و يفوز بالتذكية و بالتالي لم يحدث تنافس مثل هذا إلا تاريخيا, في الصراع بين السيد الصادق المهدي و عمه الإمام الهادي المهدي عندما ترشح محمد داؤود الخليفة ضد الصادق و فاز عليه في دائرة كوستي الجبلين, و لكنها كانت مبلوعة باعتبار إن الصراع كان في بيت المهدي و كان السيد الصادق يمثل رؤى جديد تفاعلت معها كثير من القطاعات المثقفة و كانت تدعم هذا الخط, و بالتالي كانت الدكتور مريم لم تريد أن تدخل بيت الأمام في هذه الإشكالية, و انعكاساتها في المستقبل خاصة هي تري أن الخط الذي تقف معه, أو أن الهيئة المركزية لم تستجيب إلي إشارات الإمام حول الأمين العام الفريق صديق, و ربما نظرة الدكتور مريم تحسبا لمستقبل علاقة بيت المهدي مع الحزب, رغم أنني كنت أعتقد إذا كانت الدكتورة دخلت هذه المنافسة غير المحسوبة نتائجها, ربما كانت تكون هي نفسها قد شيدت أحدي أعمدة المؤسسة الديمقراطية الجديدة, التي بدأت تتخلق من خلال التيارات الجديدة داخل حزب الأمة, و اعتقد تتفق معي الدكتور مريم أن ترسيخ قيم الديمقراطية داخل المؤسسات السياسية و نشر ثقافتها تأتي من تطبيقها, و الانسحاب و عدم التنافس لا يخلق ثقافة و لآن قبول نتيجة الاقتراع من قبل الطرفين هو الذي يرسخ الديمقراطية و لكن عدم إجراء الاقتراع يضعف الممارسة الديمقراطية. 
القضية المهمة و التي يجب أن لا نغفلها هي المذكرة, التي كان قد رفعها عدد من الطلاب و شباب حزب الأمة, و هي كانت قد طالبت بتنحي السيد الصادق المهدي, و مع احترامنا للسيد الصادق, و لكن المذكرات نفسها تعتبر أحد فروع الأدب السياسي في الديمقراطية, و المذكرة نفسها كان لها صدها الداخلي في تحديد اتجاهات المنهج الجديد, و مثل هؤلاء الشباب و الطلاب إذا خالفوا لوائح الحزب كان من السيد الأمين العام السابق أن يوجههم, بدلا من أن يعمل عليهم آلة التصنيف السياسي و يخرج أغلبيتهم من ملة الحزب. أعتقد أن السيد الصادق المهدي هو أحد منابع الديمقراطية السودانية, التي لم يكتمل بنيانها بعد, و سوف لن تزعجه مثل هذه التمارين السياسية في الديمقراطية, و لكن بالفعل الواقع الاجتماعي المتحول في السودان, يحتاج منه لقراءة جديدة بمنهج جديد, و أن القاطرة التي تحمل المضامين الديمقراطية, و التي انطلقت في اجتماع الهيئة المركزية لحزب الأمة لن تتوقف, و لا اعتقد من مصلحة الأجيال الجديدة أن تتوقف هذه القاطرة, بل هي تحتاج منهم لدعمها, بالاجتهادات الفكرية و نسال الله لهم التوفيق.

zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]