أقرب إلى القلب: 

خواطر عن الأمكنة. . .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

        لتكن جولتنا الثالثة هذه المرّة مع د.حيدر، في تطوافه على الأمكنة التي شكلت  أوجهاً عديدة لتجربته. .

      لقد احتلت الأمكنة عند حيدر حيّزاً كبيراً، في تجربته الحياتية، فكان طبيعياً أن تحتل ذات الحيز، وبما يماثل كبرها في كتاب سيرته الذاتية. المكان يبدأ من قريته "الدويمات" ، مروراً بمدن  وقرى سودانية، ثم مدن  في أوروبا وفي العالم العربي.. وقفت على مكان أعرفه وأنتمي إليه وهي مدينة "أم درمان" ، ولفت انتباهي ما كتب من انطباعات وخواطر عن  مدينة "أم درمان". برغم أن د.حيدر ليس "أم درمانياً"، عميق الانتماء لتلك المدينة ، لكن جاءت ملاحظاته  قوية  ومركزة ودقيقة. لربما جاء في سياق حكاياته عن "أم درمان"، إشارات لما يمكن تصنيفه كنوع من التطرق للمسكوت عنه.

      جرأة قلم حيدر، ستثير بلا شك نفراً من المتزمتين ، المجبولين على  دفن الجسوم -وليس  الرؤوس وحدها- في التراب، فلا يطيقون ذلك الوضوح الشفيف، ولا تلك المصارحة الحارقة. يكتب حيدر عن مقاهي مدينة "أم درمان" في سنوات الستينات والسبعينات، من حقبة "الحرب الباردة"، التي لوّنت لوحة العالم والإقليم الذي كنا جزءا منه.  يقدم حيدر شهادته، بلا مواربة ولا تردّد ولا لجلجة.  إن كانت بصيرته "السوسيولوجية" قد دلته علـى مواطن الخلل في مكوّنات بعض المــدن الحضرية ، فـ"أم درمان" هي الأنموذج الصارخ للمدينة التي شكلها الإنسان السوداني ، تصاهراً وتفاعلاً واجتماعاً، بين إثنيات وطوائف اجتماعية عديدة ومتنوعة، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين...

(2)

         لكن دعنا ندخل مع حيدر إلى "أم درمان"، وإلى "الخرطوم" و"الخرطوم بحري"، لنسمع منه ما  لا يطيق كثيرون سماعه أو الحديث عنه. لأضرب لك مثلا يقرّب الصورة. في مدرستي الوسطى القديمة في "أم درمان" الستينات تلك، أتذكر كيف استشاط غضباً أستاذنا الطاهر خالد ، معلم اللغة العربية ومادة الدين، حين بلغ أذنيه تهامسنا في حصته عن مقاهي العاصمة ، وما حدثني  صديق لي عن مقهى "شناكة". أرغى وأزبد معلمنا، واستعجبَ كيف نأتي على ذكر مقهى بهذا الإسم "الشنيع"، ووبّخنا أشدّ التوبيخ وأعنفه.

      في سنوات الستينات من القرن الماضي،  شاعت أسوأ سمعة عن  مثل هذه المقاهي وما يشابهها في "أم درمان" ومدينة "الخرطوم بحري"، مثلاً.. ويحدّثك د.حيدر في جانب آخر، عن شيوع المثلية في مجتمع  تباعدت فيه فرص اختلاط الإناث بالذكور. شاعت الأغاني "الدكاكينية"، تعبر عن مثلية مستترة، وما كنت أريد لحيدر أن يشير إلى مطرب بعينه ساهم في شبابه، في شيوع تلك الأغاني السرية. ويعجب د.حيدر من جنوح المجتمع للتغطية على مثل هذه الممارسات، التي كان طبيعياً أن تزدهر في مجتمع يفصل بين الرجال والنساء ،وكأنّ جداراً عازلاً يقوم بين الجنسين. ويكتب حيدر بسخرية، عن كيف  يبدي بعض من عاصروا تلك العهود، الفخر بـ"المثل" و"الأخلاق" السودانية السامية، فيما الواقع حافل بـ"جيتوهات" المثلية، وبمروّجي "البنقو" المختبئين وراء نوافذهم مثل "حسنين" و"أب دربين" وغيرهما ، وعشرات القوادين المعروفين، يديرون مواخير ومجالس لأقدم مهنة في التاريخ، في الأزقة المظلمة في العاصمة التي وصفناها بالعاصمة الوطنية..

(3)

       يحدثك د.حيدر عن  شيء يشابه النفاق الاجتماعي ، فيما تنتشر بيوت الله و"زوايا"  الصالحين في الأسواق، وليس بعيداً عن حانات شرب الخمور، أو بيوت الرذيلة وراء دور السينما ، حتى بعد منع بيع أوشراء أواستهلاك الخمور في السودان. تحتل "الخرطوم" العاصمةمؤخراً، المرتبة الأولى بين عواصم المنطقة  في  شيوع الخمور، وأكثرها  رداءة تلك التي يصنعها خمّارون همّهم جني الربح، ولا همّ لهم ولا اهتمام، بصحة من يسقونهم تلك السموم. فـقـدَ بصره صديقٌ لي ، حين جئت بعد غياب أسأل عنه ، وجدته قد لقي نحبه بسبب خمرٍمسموم.

      العبرة هنا، هي في كون قوانين المنع، لن تكفي وحدها لإزالة  عادات اجتماعية شاعت بقدرٍ واسعٍ، فذلك في رؤية الدارسين المتابعين،  يتصل بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها ذلك المجتمع . . هو استنتاج يتطلب تدارساً وبحثاً معمّقاً ، حتى نقف على صدقيته، فتستقيم أحوال الناس، إذا استقام معاشهم وحيواتهم. . .

(4)

      لكنك ترى الأمكنة الأجنبية في ناحية أخرى،  لا تُبعد حيدر عن حياضه، بل تزيده حضوراً ، أعمق من حضوره في "الدويمات"، أو في حي "الوابورات" أو في "معهد المعلمين" بـمدينة "أم درمان". إن حضوره الأكاديمي والفكري في "فرانكفورت" وفي "إيسن" في ألمانيا،  وتجواله بعد ذلك، بين جامعات عربية في  ليبيا وفي قطر، وطنته آخر الأمر في السودان، وقيّدت رؤيته الوجودية والسياسية إلى معاقله التي استسقى منها شراب وطنيته ومحبته للأرض منذ نعومة أفكاره ، لا أظافره فحسب. فكان طبيعيا أن تنحصر اهتماماته بروافع الوعي، وبتنقية المدركات الاجتماعية، ليكون حيدر أحد  مؤسسي المناشط البعيدة عن السلطة الرسمية ، وأكثرها التصاقاً بمكوّنات المجتمع المدني، القريبة من قيَم "الدويمات" ، قيم "الإشلاق"، قيم الأسرة الممتدة الدافئة...

(5)

       الذي لاحظته في سيرة  "أزمنة الرّيح والقلق والحرية"، أن الأمكنة الأجنبية وإن تركت أثرها في تكوينه الفكري ، فقد شكّلت عند حيدر، حضوراً  لم يبرح سطح الوجـدان ، ولم يتغلغل إلى عمقه، فيقيده إلى مهاجره  ويبقيه أسيرا.  لعلّ مردّ ذلك، هو تشبعه  بوجدان لم تغادره  قيم الأسرة الممتدّة، وأثرها الايجابي الطاغي ، ذلك الذي أثرى فهم حيدر بمكوّنات أسرته الصغيرة والكبيرة، فارتقى إحساسه قوياً بالوطن الأوسع.

      هذا التباين بين أمكنة الوطن وأمكنة الآخر المختلف، بين مكان الفطرة والمكان المكتسب ، أحيا عند حيدر إحساسه القوي  بأمكنة النشأة  الأولى .  فإنك إن أمعنت في تجربته، سترى "الدويمات" تطلّ عليك من نوافذ "إيسن". سترى "أم درمان" والوابورات" والخرطوم تلاتة" ، تهب نســائمها عليه في طرقات "الدوحة" ومنعطفات "أبو ظبي". تتراءى عنده حميمية "الإشلاق" الذي عاشه صبياً  كمثل فردوس تتشهاه النفس، فيما هو مستغرق في "بنغازي" أوفي "الرباط" . . ثمّة فرق بين الكتابة على الرمل، والحفر على الحجر.

      آخر اليوم ، عاد حيدر ليحفر مزيداً من الإبداع في حجَر الوطن. .  

الخرطوم – 24 أغسطس 2015