أقرب إلى القلب: المَوْتُ تحتَ عَجَـلاتِ شــاحِنةٍ أجنبيّة  .. جمَـال مُحمّـد إبراهيْــم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)       في أبريل من عام 1963م، توافقت معظم دول العالم المنضوية تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة، على اتفاقية مُفصّلة تضبط العلاقات القنصلية بين الدول، صيغت في العاصمة النمسوية فيينا. لقد نصّت تلك الاتفاقية على وظائف القنصليات في البلدان الأجنبية، وهي مفصّلة في المادة السادسة،  ومن بين فقراتها أورد لك ثلاثاً منها هيَ: (ز) حماية مصالح الدولة الموفِدة ورعاياها - أفراداً كانوا أو هيئات في الدولة الموفد إليها، وفي حدود ما يقضي به القانون الدولي.  (ح) حماية مصالح القُصّر وناقصي الأهلية  من رعايا الدولة الموفِدة في حدود قوانين ولوائح الدولة الموفد إليها وخصوصاً في حالة ما ينبغي إقامة الوصاية أو الحجر عليهم.. (ط) تمثيل رعايا الدولة الموفدة، أو اتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمثيلهم المناسب أمام المحاكم والسلطات الأخرى في الدولة الموفد إليها لطلب اتخاذ الإجراءات المؤقتة- طبقاً لقوانين ولوائح هذه الدولة – لصيانة حقوق ومصالح هؤلاء الرعايا، في حالة عدم استطاعتهم بسبب غيابهم أو لأيّ سبب آخر- الدفاع في الوقت المناسب عن حقوقهم ومصالحهم، وذلك مع مراعاة التقاليد والإجراءات المتبعة  في الدولة الموفد إليها.      أفصحتْ الفقرة الأخيرة بصريح العبارة، عن حقّ الرعايا على ممثليات بلدانهم ، في حمايتهم والدفاع عن مصالحهم في البلدان الأجنبية. .     (2)       يموت "محمد أحمد" المواطن السوداني ، الهارب من جحيم بلده،  تحت عجلات شاحنة أوروبية ثقيلة، في الطريق الرابط بين ميناء "دوفر" والعاصمة البريطانية "لندن"، ويُعلن الإعلام البريطاني أنّ القتيل "سوداني الجنسية"، ثم لا نسمع كلمة رسمية  من أولي الأمر في  السودان، أو من سفارة بلاده في لندن. . ! في النص الذي وضعت لك خطوطاً تحته من نصوص تلك الاتفاقية الدولية ، تكون لمكتب التمثيل القنصلي السوداني في العاصمة البريطانية، مسئولية  تتصل بحماية رعاياها، وحفظ مصالحهم ، وذلك بالطبع بعد التأكد من تبعيتهم وانتمائهم للسودان.       يموت "محمد أحمد" المواطن السوداني في هجير السودان، أو يهلك مدهوساً  تحت  عجلات شاحنة أوروبية ، فلا يأبه أحدٌ ، بل ولا يسأل أحدٌ في السودان،وكأنّ "عدم شرعية" لجوئه إلى بلد أجنبي،  تمثل مبرّراً لتجاهل  حيثيات موته برمتها. .!       يموت "محمد أحمد" في مغامرة لجوء فاشلة، فيتلطف بالتعليق رئيس وزراء بريطانيا،  ليقول إن بلاده لن تكون مأوى لمثل هؤلاء المشرّدين  الهاربين من أوطانهم بطرق غير شرعية. . ! ثم لا نسمع  من يُحدّث في الخرطوم عن الحادثة. لا نسمع من يعزّي في المواطن السوداني ، لا من  مؤسسات بلاده التي ينبغي لها أن تعلم مَن دخل  ومَن تسلل ومَن عبر أراضيها، بجواز سفرٍ أو من غير جواز سفر.لم نسمع من المؤسسة المسئولة عن السودانيين بالخارج، رأياً حول الموضوع. لم نسمع من قنصلية السودان في لندن ما يفيد باهتمامها بالموضوع، وإن كنت أتوقع متفائلاً، أن يتم ذلك بأعجل إجراءٍ ممكن، مع السلطات البريطانية المعنية في العاصمة البريطانية. .   (3)      كلا. . لم نسمع ما يفيد بأيٍّ إجراءٍ يخرج من بين فضاءات التوقع إلى أرض الواقع، دعك عن  التعزية أو التعاطف أو الاهتمام. لكن.. أليس من حقّ أسرة "محمد أحمد" السوداني الذي دهسته الشاحنة، أن تعلم ما مصير جثمانه، ومَن المسئول عن دمه المُهدر . . أم يُحسب مات انتحاراً تحت عجلات تلك الشاحنة. . ؟       ثمّة فرق بين مسىئول يحدّث عن حرص بلاده على "نظافتها" من المهاجرين غير الشرعيين، ومسئولين آخرين في بلادنا، يعيروننا آذاناً صماء، فكأن لا صلة  لهم بـ "محمد أحمد" السوداني، الذي لا شك غادر بلاده السودان وهو يحمل جنسيتها ووثائقها الثبوتية، وربّما حمل رقمه الوطني مخفياً في جيبه أيضاً. ولكن حين تدهسه شاحنة في أراضٍ أجنبية، يصبح نكرة لا يعرف أحدٌ عنه شيئا. يصير محضَ سوداني بلا إسم ولا عائلة ولا حتى صديق. حدثونا أن من رافقه في رحلة الهرب قد اختفى من مسرح الدهس. هو في آخر اليوم، مغامر فرّ بجلده  من جحيم حقيقي أو توهّمه في بلاده،  فلاذ إلى بلاد أجنبية، ليحسب من "البدون" ، مُعلقاً بين سماءٍ وأرض، بلا هوية، وهو ميت تحت عجلات شاحنة أجنبية .         غير أن الفضائيات كلها- وإن لم تذكر له إسماً- حدّثتْ عن جنسيته السودانية، فكيف تنتظر قنصليات السودان هناك ولا تستفسر سلطات بريطانيا أو فرنسا، عن ملابسات الحادث : كيف غادر ذلك المواطن السوداني فرنسا..؟ وكيف تسلل..؟ ثم كيف لقي حتفه تحت عجلات شاحنة مسافرة بين بلدين..؟ أجل.. دهست تلك الشاحنة سودانياً في أراضيها، ماذا أنتم فاعلون بالجثة..؟ ألا يملك أولياء الدم – أشخاصاً أو حكومات- لساناً له أن يطالب سلطات بريطانيا وفرنسا بالتحقيق على الأقل، إن كان في النبأ المؤسف ما يحمل السلطات السودانية على الشك حول هويته وجنسيته. . ؟   (4)        حتى لو كان مجرماً، أو قد ارتكب جناية وهرب، فإن من واجب بلاده أن تلاحقه، بل أن تحرِّض من يرصد وجوده  خارج بلاده، وأن يبلّغ عنه. لكن أن يموت تحت عجلات شاحنة أجنبية، وفي بلاد أجنبية ، فليس أقل من المطالبة ممّن قتله أن يسلم جثته لأولياء دمه وتمثلهم في ذلك قنصلية السودان في لندن، ولن يكون مقبولاًأن يلزم أولياءُ دمه الصمت التآمري، في لامبالاة تستدرّ الأسى والخجل. ليس للضحية من وليّ دم  وهو في بلاد أجنبية، إلا ولاية سفارة بلاده وقنصليتها على دمه، بحكم الاتفاقيات الدولية الملزمة. .       أما ما ورد على لسان رئيس وزراء بريطانيا حول الموضوع، فإنه جاء من زاوية إرضاء ناخبيه ومواطني بلده عموماً، ليبدي حرصه على  حماية أراضي بلاده من تغوّلات المهاجرين غير الشرعيين. تلك نظرة ضيقة لا تعين على فهم ظاهرة تتصاعد يوماً بعد يوم خطورة تداعياتها، إذ كل ذي بصيرة يدرك أن الحل  لا يكمن في اللجوء لخيارات أمنية، فيها إغلاق الحدود بالأسلاك الشائكة، أو إحكام الضبطلتأمين الشاحنات العابرة بين البلدان. مثل تلك الحلول قد تدفعنا للاعتقاد أن ثمّة جهات رسمية  قد يبلغ بها الغلو  فتجيز للشاحنات في أوربا دهس طالبي اللجوء بغير حساب . . !   (5)        يتحمّل المجتمع الدولي مسئولية كبرى، إن باتَ العالم منقسماً بين أغنياء هنا وفقراء هناك. أناس ينعمون باستقرارٍ وأمانٍ في جانب، وآخرون تتهدّدهم النزاعات والحروبات في جانبٍ آخر من الكرة الأرضية. إنّ ظاهرة "قوارب الموت" العابرة للبحار، لن توقفها الإجراءات الأمنية، لا ولن تحدّ منها الأسلاك الشائكة ولا جولات خفر السواحل التفتيشية. إن القمع لن يكون حلاً معتمداً، فيما نحن نحيا في عالم  يتجه إلى تفاهمٍ إنساني  فاعل بين الثقافات، وإلى تشاركٍ عادل في الموارد، وإلى تعاونٍ مُنصف لاقتسام الثروات. إنّ ملف الهجرات ، وموجات النزوح  القاري المتفاقمة، والتي تتجاوز القوانين الوضعية في البلدان،  لهو من الملفات التي آن الأوان لكي تعالج  في منصّات الحوار بين الأمم .      دمُ أيّ إنسانٍ في بلده- أو في بلادٍ أجنبية- هو دمٌ غالٍ ، لا يقبل أحدٌباسترخاصه. ذلك التزام أخلاقي وإنساني تفرضه الفطرة السويّة، قبل أن يكون التزاماً تفرضه الإتفاقيات الدولية. . .   الخرطوم - أول أغسطس 2015

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.