ماذا يحدث في السودان؟ هل من الممكن الاتفاق علي شيء ما في هذا الوطن العجيب؟ خلافاتنا اعيت الوسطاء و الاجاويد و تطاولت في الارض من واشنطن الي الدوحة و يتبادلها المبعوثون من بكين و موسكو و حتي ابوجا و بريتوريا. و لكن و بنظرة عميقة للأمور يمكننا ان نسأل من الذي يصنع الامم القوية المستقرة؟ الاجابة ربما تكون هي انه العقل المدبر الذي يخطط و يضع الاستراتيجيات و يدير شئون الامة. ليس هو العقل المدبر للجريمة كما هو الحال في الثقافة العربية ، اذ ما ان يذكر العقل المدبر الا و تذكر الجريمة معه و كانما التدبير في الاجرام هو الأصل . اذا خاب ذاك العقل خابت الامة و ساء حال  البلاد و العباد. بالتأكيد يرتبط العقل بالوجدان ، لكن من الثابت في التاريخ ان كثير من المذاهب و الاحزاب و الفرق كانت سببا في النزاعات المميتة و أدت الي تدمير امبرطوريات عظيمة و قوضت حضارات مزدهرة فصدقت فيها مقولة " حضارات سادت ثم بادت " .

  

 من اين يمكننا ان نأتي بالعقول ؟ هل نقوم باستزراعها ام استيرادها ام نقيم لها بيئة مناسبة للاستثمار الاجنبي لينتجها لنا الأجانب؟ لن نستطيع بكل تلك الأشياء ان نكون عقول. المجتمعات التي تفقد عقولها بالاهمال و التهميش و التشريد و الإذلال لا مستقبل لها. للاسف الشديد يعتبر السودان من اكثر دول المنطقة (علي الاقل) فقدانا لعقوله اما بالطرد الي الخارج او بالدفن الداخلي او بارسالها الي المخازن و المعاشات المبكرة او غيرها من الاساليب التي لا حدود لها. لم ندرك حتي اليوم اهمية العقول فتوضع المعوقات  و العراقيل امام اكتشافها في المراحل المبكرة من العمر و تطويرها و تنميتها . ساهم السودانيون في نهضة الكثير من البلدان العربية و بقدر اقل الافريقية و انتشروا بعد ذلك في جميع بقاع الارض ، خاصة خلال العقدين الماضيين فاصبحوا يبدعون في المنافي البعيدة. انظروا الي أي موقع نشط من مواقع النت التي يرتادها عددا كبيرا من السودانيين كتابة و ستجدوا الاقلام السودانية تكتب من جميع انحاء الارض و تنتشر في القبل الاربع. تأتي من امريكا و استراليا و من اوربا و من اسيا و كل ذلك نتيجة لسلوك خاطئ في الدولة  السودانية بجميع مؤسساتها الرسمية و الشعبية و المدنية و لخلل ما في عقلها المدبر الذي انتج انظمة غير مقبولة من الاغلبية او غير منتجة و غير بناءة عندما تصل الي الحكم .

  

  علي مر الحقب التاريخية الحديثة  أهمل ذلك العقل الكفاءة و التميز و المهارات و الابداع ، لقد أهمل جودة المناهج و اهمية البحث العلمي و أنكر أعطاء كل ذي حق حقه و العمل علي وضع الشخص المناسب في المكان المناسب و لم يوجد أي فكر تنموي ينهي الفقر و يستثمر الموارد بشكل امثل. افسح ذلك المجال للكسل الذهني و العطالة العقلية فكانت النتيجة خلل رهيب في التدبير العام. العقل مغيب الان و الا لكان في استطاعت السودانيون ان يحلوا مشاكلهم و ان يقدموا نموذجا للعالم في التعايش السلمي و القدرة علي التوافق و توظيف التنوع النادر الثقافي و الفكري و الحضاري الذي انعم الله به علي السودان في ما ينفع الناس و يبقي في الارض بدلا من تحويله الي نقمة.

   ما هو السبب الذي يجعل دول مثل تشيلي تخرج من محنة انقلاب بينوتشه و ان تتعافي؟ بعد الجراح العميقة التي سببها الانقلاب. و ما هو السبب الذي يجعل من الهند اكبر ديمقراطية في العالم؟ ان تكون دولة مستقرة بالمقاييس النسبية للاستقرار مع تنوعها الكبير و اتساع مساحتها و ثقلها السكاني الذي فاق المليار شخص؟ و كيف تمكنت الفسيفساء اللبنانية التغلب علي خلافاتها التاريخية و تجاوز ماسي الحرب الأهلية؟ و كيف تمكن الموريتانيون من الاتفاق علي حل لازمتهم الاخيرة ؟ ما هي العلة التي يعاني منها السودان؟  اننا نحتاج لفحص العقل المدبر في الدولة و الاحزاب و الجماعات السياسية و الاجتماعية المكونة لمجتمعنا لمعرفة مكمن المرض و ايجاد العلاج قبل ان نصاب بخبل جماعي تام.    لابد لنا من البحث عن إمكانية إيجاد عقل مدبر يتم استخدامه في اتخاذ القرارات المصيرية و ان يكون عقلا منظما بنظرة ثاقبة ، لديه القدرة علي تحمل الاخر و ان يكون ملتزما و جادا في اداء مهامه ، مدركا لمصالحه العامة الجامعة و ان يتمتع بالقدرة علي الاستمرار و الاستدامة ، ذلك العقل بالطبع ليس عقلا فرديا و انما عقل جمعي يتكون و يعمل عبر مؤسسات. بدون ذلك العقل السودان ضائع ضائع ما بين التهديد و التهديد المضاد و بين الخلافات التي تنتج و تعيد انتاج الخلافات و بين الانشطارات المتوالية في الاحزاب و الجماعات و الحركات و اتساع النزاعات و ثقافة اخذ الحق بالقوة . الأمل موجود و يحتاج الي تحديد الاهداف المشتركة لجميع السودانيين و البحث عن كيفية تحقيقها في وطن يمكن لخيره ان يعم علي الجميع. و علي علماء الاجتماع و السيكولوجي ان ينشطوا في البحث عن حلول بدلا عن الاعتصام بالصمت و التفرج.