لولاية ألباما الأمريكية، التي انتزع فيها الحزب الديمقراطي مقعداً بمجلس الشيوخ من غريمه الحزب الجمهوري قبل أسابع، سمعة سياسية بالغة السوء. فهي عندهم موئل عصبية الجنوب الأمريكي بعرقها الأبيض، والأنقلو سكسوني، وعقديتها البروتستانتية. وهي العصبية التي اشتهرت ب"واسب" من الحروف الأولى لكلمات "أبيض" و"أنقلو سكسوني" و"جنوبي" و"بروتستانت" في الإنجليزية. وذاعت عن الولاية طرفة من فرط غلواء عصبيتها تقول إن شيخاً أفريقي أمريكي صحا يوماً فقال لزوجته: "لقد حلمت بالمسيح في نومي وأمرني أن أذهب إلى ألباما أدعو الناس ليهيئوا أنفسهم لمقدمه". فقالت له زوجته: "وهل قال إنه سيأتي معك إلى ألباما؟" قال الزوج: "لا. قال إنه سيتركني في مدينة ممفيس بولاية تنيسي ويعود أدراجه".

يرجع صيت ألباما السياسي القبيح إلى عام 1963 الذي كانت فيه الولاية مسرحاً لحملة الحقوق المدنية السوداء بقيادة القس مارتن لوثر كنق. فتمسكت الولاية دون غيرها بالعزل بين البيض والسود بقوة. وهو عزل قانوني موروث من القرن التاسع عشر. فقد قضى القانون أن الفصل بين البيض والسود لا ينتقص من سواسية المواطنين والقسط بينهم التي كفلها التعديل الرابع عشر من الدستور الأمريكي. وسوغ العنصريون ذلك العزل لأنفسهم بحجة أن الخدمات، متى تكافأت، صح أن يتعاطاها المواطنون كل حيث شاء ومع من يشاء. ولم يصمد ذلك المنطق طويلاً بعد أن قضت بفساده المحكمة الأمريكية العليا في قضية اشتهرت ب"بروان ضد لجنة التعليم" في 1954. وهكذا بدأ طي تلك الصفحة من عنصرية الجنوب ألأمريكي.

ولم يرغب عنصريو ألباما في طي الصفحة وواصلوا عزل الأعراق عن بعضها. ووقفوا يمنعون تطبيق دمج السود والبيض في المدراس. فأطلقوا كلاب الشرطة على تظاهرات السود التي طالبت بذلك. وحملت أنباء المساء والصحف فظاظات الشرطة وكلابهم مما رسخ من صورة ألباما كموئل للشر العرقي. فمن ألباما صدرت العبارة التي ما تزال تصم الآذان: "التفرقة العنصرية اليوم، التفرقة العنصرية غداً، التفرقة العنصرية إلى الأبد". وهي العبارة التي أطلقها جورج والاس (1991-1998)، حاكم ولاية ألباما، وهو يقف بنفسه، مُعَززاً بالحرس الوطني التابع للولاية، أمام باب جامعة ألباما ليمنع طالبين أسودين من دخول الجامعة. وسرعان ما أصدر الرئيس كنيدي قراره بتتبيع الحرس الوطني للحكومة الفدرالية ليأمره بإبعاد الحاكم من حرم الجامعة. وجاء قائد الحرس للحاكم وقال بأدب: "سيدي إنه لمن واجبي المحزن أن أطلب منك التنحي جانباً بأمر من رئيس الولايات المتحدة". ففعل.

وكان أكثر ما حفر صورة ألباما كبؤرة للاستعلاء العرقي الفج مصرع أربع طفلات إثر تفجير جماعة الكو كلوكس كلان لكنيسة للسود في 15 سبتمبر1963. وأذاع ذكرها للتاريخ المخرج الأسود سبايك لي في فلمه "أربع بنات صغار". وسنعود لمأساة الكنيسة هذه لاحقاً خلال عرضنا لسيرة دوق جونز (63 سنة) الذي فاز عن الحزب الديمقراطي بمقعد مجلس الشيوخ على منافسه الجمهوري القاضي روي مور. وهو فوز نادر. فلم يدخل الكونغرس شيخ ديمقراطي من ألباما منذ 1992. وحتى من دخله في ذلك العام، الشيخ رتشارد شلبي، سرعان ما تحول للحزب الجمهوري في 1994.

سيظلم الليبراليون جونز لو ظنوا أنهم حققوا هذا الفوز بحملتهم الشعواء ضد مور ببينة حيثيات انفضاح علاقات له قديمة مع فتيات منهن قاصر. فمضغت المنابر الليبرالية روايات لنساء عن تبذل مور معهن. وقرنوا في لعنهم فسوق مور بمباركة الرئيس ترمب، الذي اعترف هو نفسه بمباذله مع النساء على شريط متداول، لترشيحه عن الحزب الجمهوري. فاصطادوا عصفورين جمهوريين بحجر واحد. وبدا من كم الخطاب الليبرالي ونوعيته أن فوز جونز على مور وترمب معاً مجرد أمثولة أخلاقية بسيطة انتصر فيها الخلق القويم.

وهكذا لم يحالف التوفيق الليبراليون في عرض حقيقة نصرهم في ألباما. فلم يكن صراع جونز ومور وليد هذه المنافسة على مجلس الشيوخ التي صدف أن بَانَ فُسق الجمهوري فيها قبيل الانتخابات بأسابيع. فالصراع بين هذين الرجلين بالذات صراع تاريخي حول شروط التآخي الوطني في ألباما وسائر الولايات المتحدة. وجسد كلاهما تراجيدية الصراع في أدق دقائقه. وكان صراعاً مانوياً جداً حول عقل ألباما وفؤادها وسياساتها استثمرا فيه عمراً مهنياً وسياسياً وأخلاقياً. والمانوية مفهوم عائد للقطب الديني الفارسي ماني الذي كان يرى دوران الدنيا بين قطبي النور-الخير والظلام-الشر إلى ما لا نهاية. وكان مور قطب الظلام في هذا الصراع بينما كان جونز قطب النور. فلم تكن مباذل مور سوى رأس جبل الجليد الطافح من خطاياه العنصرية الوخيمة. ولم يكن نصر جونز سوى قلادة على وسامته السياسية والمهنية كما سنرى.

تقمص مور كل شرور عصبية الواسب وزيادة. فهو يلغي الآخر الأسود والمسلم والمثلي والمرأة بجرة قلم امتيازه العرقي والثقافي. وبلغ من وقاحة استهانته بالآخر قوله إن آخر عهد أمريكا بالعظمة يوم كانت الأسر صميمة في التراحم برغم وجود الرقيق في أوساطنا. وظن مور بالإسلام أنه دين مزيف. واستنكر انتخاب النائب المسلم كيث أليسون لمجلس النواب عن ولاية مينيسوتا. وقال إن إسلامه مانع له من دخول الكونغرس متى حلف القسم على المصحف. واسترجع خصومات قديمة لأمريكا. فقال إننا لم نكن لنأذن لنازي في 1943 أن يحلف على "كفاحي"، مؤلف أدولف هتلر، كما لم نكن لنأذن لشيوعي في الخمسينات ليحلف على "البيان الشيوعي".

وليُمَكِن لشرعة إلغاء الاخر طالب مور بالتخلص من كل التعديلات الدستورية العاقبة للتعديل الدستوري العاشر. وهي في جملتها 17 تعديلاً أرخى بعضها بجناح القسط على السود والمرأة وكل آخر امريكي. فمنها التعديلات التي ألغت الرق (التعديل الثالث عشر، 1865)، والتي أضفت المواطنة على الرقيق المحرر بعد الحرب الأهلية (التعديل الرابع عشر، 1868)، والتي جعلت حق التصويت متاحاً بلا مانع من عرق أو ملكية مال أو غيره (التعديل الخامس عشر، 1870)، والتي أعطت النساء حق التصويت لأول مرة (التعديل التاسع عشر، 1920)، والتي شرعت للحقوق المدنية بعد الحملة التي قادها القس مارتن لوثر كنج للغاية (التعديل الرابع والعشرون، 1964).

ويقف دوق جونز في إقليم النور على نقيض مور تماماً. فهو الذي تعقب كنائب عام لشمال ألباما من تبقى من المتهمين في مقتل طفلات الكنيسة السود. ونجح في إيداعهم السجن في 2000 و2002 بعد نحو أربعين عاماً من الجريمة. ووصف الجريمة بأنها الأعظم تسوئة لسمعة ألباما في القرن العشرين. وقال عن جريمة شهدها طفلاً في العاشرة، ولازم جلسات محاكمها الأولى طالباً للقانون في عشريناته، وعاقب فَعَلتَها وهو كهل في آخر أربعيناته، قال: "لقد تأخرت العدالة ولكن من المؤكد أنه لم يحرم منها أحد".

نشأ جونز في ضواحي بيرمنغهام في أسرة عمالية في صناعة صهر الحديد. وكانت بيرمنغهام مدينتين في قوله سوداء وبيضاء ولا معابر بينهما. فليس في ذاكرته صدى للجريمة التي وقعت وهو ابن عشر سنوات. ولكن هذه العزلة عن السود انتهت حين دخل المدرسة الثانوية الصغرى. فتداخل التلاميذ السود والبيض في المدراس بفضل إنهاء النظام التعليمي الذي يعتزل البيض فيه السود كما تقدم.

ويذكر جونز أنه كان يترك مدرج كلية القانون التي التحق بها ليكون في مدرج المحكمة التي انعقدت في 1977 لمحاكمة واحد من المتهمين بتفجير الكنيسة. ووقف على بدائع المدعي العام، وليام بكسلي، وملكاته وشجاعته يمضي بالقضية في وجه تهديدات الكو كلوكس كلان. وصار له قدوة. ورأى، والعود أخضر، سحر الادعاء العام، وبلاغته في الحق، وقدرته على وضع بصمة غراء على العالم من حولنا. وأكثر ما خرج به من المحاكمة سعة القانون لتغيير الحال إلى الأحسن. وعاد بعد عشرين عاماً ليدعي في نفس قاعة المحكمة على متهمين بنفس الجريمة تأخر مثولهم أمام القانون.

مما يذكر جونز أنه كان على صداقة مع والد أحد البنات الذي مَثّل بيرمنغهام في مجلس الولاية النيابي، جمعته به شواغل سياسية مشتركة. وكان حلاقاً. وكان يحتفظ في دكانته بكل ما تركت بنته من أشياء. وأبرز ما في تلك الأشياء قطعة صغيرة من الحجر من نفايات التفجير التقطها من وجه بنته الميت. وقال الوالد إنه أراد لهذا الجسم الحجري أن يظل يذكر الناس بطفلة ماتت لأن الكراهية ضربت بروجها طويلاً فوق سماء ألباما وأرضها. وقال جونز إنه كان للجريمة زلزالها الذي أيقظ فؤاد أمريكا من سبات، مضيفا: "لم يعد الأمر أمر ثقافة كما تصورنا دائماً. الأمر في حقيقته أمر كراهية". وما أن فرغ جونز من المحاكمة حتى رأى بيرمنغهام مدينة مستحقة وثقت لسوءتها وأحيت ذكرى شهيدات الكراهية في 1963 بمتحف للحقوق المدنية. وهذا بعض الحجر الذي احتفظ به والد الطفلة الشهيدة. فما ينقش على الحجر لا يريم.

لقد أفسد الليبراليون هذه السردية عن صراع ألباما من فرط مضغهم لمباذل مور حتى بدا كمن سيقسط من فرط ثقل خطاياه وحدها. وكأنه لم يحتج ليسقط إلا لديمقراطي منافس من أي طرف. وبذلك أخلوا جونز من كل وسامة خاصة به استثمر فيها عمراً كما رأينا وشوقاً. ولكن النساء السود في ألباما، أمهات الشهيدات، اللائي روعن الساحة الانتخابية بحشدهن العظيم لنصرة جونز، ذكرن له وقفته يجفف عنهن دمع المآقي ويرطب حرقة الحشا.

من الجزيرة نت

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.