(لا أعرف من يفدي حالياً حرية الصحافة بيده ولسانه وجيبه مثل الأستاذ عثمان ميرغني. بل وبجسده الذي حفر عليه خصوم الحرية جراحاً دامية. وزاد هذا من استنكاري لما يفتأ يكتبه من تهوين للاستقلال، واستهتاراً بثورة أكتوبر 1964، وملاطفة لنظام عصابة 17 نوفمبر 1958 (كما وصفناها في أدبنا الشيوعي خلال ست سنوات من ظلمها الحاكم) حتى بلغت به الاستهانة مبلغ طلب الإذن للاحتفال بميلادها أسوة باحتفالنا بثورة أكتوبر. وميلاد العصابة الوخيم على الوطن ما قال عنه الشاعر الشيوعي النقابي شاكر مرسال:
ولدت سفاحاً فما أنت حر" في قول فواجه مصيرك أو فانتحر
استغربت لقابض على جمر الحرية مثل عثمان يعمى عن قابضين سبقوها لجمرها. إنني لأشعر بانقباض عظيم أن يمحق عثمان بركة بذلي وبذل جيلي بنرفزة لا تليق بأحد أعمدة السلطة الرابعة. وأمام عثمان سكتان: فإما أن لبذله الصحافي السخي للحرية نسباً معلوماً في الماضي يطال أشواق من سبقوه لها وفدائهم لها وإما أنه مجرد وإما أنه مجرد حالة انتحارية عدمية. وأسوق هنا حديثاً جديدا عن محن حرية الراي في ظل نظام الفريق عبود للتذكرة)

لأستاذنا عبد الخالق محجوب دفاع أمام محكمة عسكرية لنظام عبود (1958-1964) سارت به ركبان الشباب اليساري في الستينات. وفيه استرجع سيرته الذاتية وكيف تعلق بالماركسية. ومن آيات بلاغة دفاعه تجسيره الشقة المظنونة بين الشيوعية والتقاليد السودانية وما اتصل منها بالصراحة والفروسية. فقال إن هناك من يتشدقون بالأخلاق السودانية وكيف أن الشيوعية نقيض لها. وزاد بأن هذا قول عجب لأنه أتى ممن افتقروا إلى الشهامة والرجولة والاستعمار يطأ البلاد بينما تصدى له الرجال من ذوي الفكر الشيوعي. وقال إننا نفهم التقاليد السودانية مرتكزة في حب الحرية والكرامة والصراحة والشهامة، وفوق ذلك، قولة الحق. وهي مما قد لا يقوي البعض على قولها إذا قامت في البلاد دولة بوليسية. ففي ظلها تصبح قولة الحق في محنة. وأضاف بأنه قد رأى في ظل نظام عبود كيف انصرف بعض الناس عن الصدع بالحق. وضرب لذلك مثلاً بصحفي عارض المعونة الأمريكية بضراوة وما أن قبلتها الحكومة العسكرية في 1958 حتى أصبح يكتب عن جوانبها الإنسانية. وقال إنه تألم له وهو يكتب غير ما يعتقد. وزاد بأنه يعرف ما يعانيه الصحفي الذي أُكره إلى غير ما يعتقد. وتمثل بقول الشاعر:
لا افتخار إلا لمن لا يضام مدرك أو محارب لا ينام
واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تَضْوي به الأجسام
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحرام
واختتم قوله بأن مضمون الأبيات هو الخلق السوداني المنحدر إلينا من تراث العرب وقد ضمته أرض أفريقيا وغذته. وقد لمست عن قرب شغف أستاذنا بالفروسية الثقافية يوم اقتطفت كلمة للشيخ حمد النحلان في مقال لي. قال النحلان مؤرقاً بالتزامه المتعب بالصراحة: "وآ مغصتي النصيحة قطعت مصاريني." وطرب أستاذنا لها ورددها عليّ مسامعنا حين التقينا.
وكانت محنة هذا الصحفي، الذي أشار له أستاذنا، مع الحق فاشية على عهد عبود. فقد روى الأستاذ أحمد علي بقادي عن وخذ الضمير الذي كان يحسه أستاذ الجيل حسن نجيلة وهو يكتب "يوميات الرأي العام" يشيد مكرهاً بحكم عبود. قال بقادي إن نجيلة كان كل ما أشاد في يوميات الجريدة بشئ أو موقف لنظام عبود قال للمحررين:" العنوني يا أبنائي فقد كتبت اليوم ما لا أؤمن به." وقال بقادي إنهم كانوا يضحكون ويقولون: “نحن نعلم موقفك يا عم حسن ولكن من أين للقراء أن يعلموا."
لم يخف نظام عبود سوء ظنه بالصحف. فقد اجتمع عبود برؤساء تحرير الصحف في مساء اليوم الثاني للانقلاب، 18 نوفمبر 1958، وأطلعهم على ما لا ينبغي الخوض فيه. وكانت المحرمات من الكثرة والخطر بحيث يستحيل معها ممارسة المهنة في حد ذاتها. وقد رأينا في كلمتنا الماضية كيف جاء الأستاذ عبد الله رجب، رئيس تحرير الصراحة، حسيراً بعد أن سمع من عبود قولاً ثقيلاً. قال عبد الله لمحرريه يعلن نهاية الصحافة السودانية كما عرفها في ظل الوضع الجديد: "إن مهمتنا ستكون صعبة للغاية وإن الصحافة سواء كانت الصراحة أو غيرها لن تستطيع ممارسة عملها في جو غير ديمقراطي."
واتبع النظام خطتين لإلغاء مهنة الصحافة برغم صدور الصحف بما فيها الصحف الحزبية. والأخيرة إلى حين قريب جداً. فقد درج النظام على تبليغ الصحف بما لا ينبغي أن تخوض فيه كلما عن له ذلك. وقد بدأ هذه السنة منذ اجتماعه الأول بالصحفيين. فقد طلب عبود من الصحفيين في ذلك الاجتماع بوجه ناشف: "لا تكتبوا أي شئ ضد سياسة الحكومة ولا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ولا تعلقوا على هذه الأعمال بشيء. لا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف. لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى." ثم لم يكف النظام من تزويد الصحف بصورة راتبة بما لا تجوز الكتابة فيه مثل الكف عن إبداء الرأي في أي نزاع عالمي، أو نشر البرقيات المؤيدة لنظام جيزنجا الذي خلف لوممبا بعد اغتياله في الكنغو، أو الكتابة عن السيد مصطفي كيشو ولجنة نادي الهلال وأزمة نادي الهلال. وشغلت هذه المحظورات 4 صفحات من كتاب "ثورة شعب" الذي أصدره الحزب الشيوعي عن ثورة أكتوبر 1964 وحوى وثائق مكابدته معارضة نظام عصابة 17 نوفمبر. وقد استعان الأستاذ بشير محمد سعيد بالمتنبئ، الذي لن تعدمه متى تناوشتك مسائل الدهر العصية، لتصوير هذه البطالة المقنعة التي ألجأهم نظام عبود لها حين جعل المهنة مستحيلة. فقد كتب بمناسبة عودة جريدته، الأيام، من فترة توقيف أمني هذه الأبيات من المتنبي:

يقول لي الطبيب أكلت شئياً وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه إني جواد أضر بجسمه طول الجمام
تعود أن يغير على السرايا ويدخل من قتام في قتام
فأمسك لا يطال له فيرعى ولا هو في العليق ولا اللجام
ولا هو في العليق ولا اللجام. رحم الله المتنبي وبشيراً.
ومن الجهة الأخرى أبطل نظام عبود إغارة أقلام الصحفيين بالحق "من قتام في قتام" بحد القانون. فقد تعجب الأستاذ فتح الرحمن محجوب من تعسف تعديل نظام عبود في 1959 لقانون الصحافة الاستعماري لسنة 1930 (تعديل 1948). فقد أسقط بالطبع تمثيل اتحاد الصحافيين (الذي لم يكن مسموحاً به) من مجلس الصحافة واستبدله ب "صحافي يعينه وزير الداخلية". وجرد التعديل مجلس الصحافة نفسه من التوصية بإصدار الصحف للسكرتير الإداري، وجعل الإذن في يد وزير الداخلية (سكرتير إداري دولة الاستقلال) يمنحه "بموجب أي شروط ويسحبه عند الإخلال بتلك الشروط". وهذه الرخصة في أن يعز وزير آدمي من يشاء ويذل من يشاء مأخوذة نصاً وروحاً من قانون 1930 قبل تعديله في 1948. فقد جعل ذلك القانون الاستعماري الإذن برخصة إصدار الصحف في يد السكرتير الإداري يحرمها بدون تعيين السبب، ويمنحها بالشروط التي يقررها، ويسحبها متي أخلت الصحيفة بأي من تلك الشروط. يعز من يشاء ويذل من يشاء. وهكذا عاد نظام عبود بقانون الصحافة إلى مربع قانون 1930 الذي جري تعديله ليعطي مجلس الصحافة، وكثرته من موظفي الدولة، حق التوصية بمنح ترخيص الصحف. وقد جرد نظام عبود مجلس الصحافة حتى من فتات القوة هذا برغم أن المجلس كله أصبح في يد السلطة بتعيين وزير الداخلية لممثل الصحفيين.
وخضعت الصحف لأنواع من العنف الفج من قبل النظام. فتعطيل الصحف كان عشوائياً. فقد أغلقت "الصراحة الجديدة"، والحكومة شريك فيها، عام 1961 مزاجياً. فقد روى اللواء طلعت فريد، وزير الاستعلامات للأستاذ محمود أبو العزائم، رئيس تحريرها نفسه، ملابسات هذا التعطيل. فقد قيل إن الفريق عبود جاء هائجاً يلعن الصراحة الجديدة وأمر بإغلاقها. فقال له طلعت إن هناك من هو أسوأ منها. فقال له الفريق:"تقصد الصحافة؟". قال طلعت:"نعم" قال الفريق: " أغلقوها أيضاً". كما اتضح للأستاذ حعفر حامد البشير، محرر الصراحة، أن اللواء البحاري، وزير الداخلية، كان يناقشه في خبر أزعج الحكومة من نص مفرغ بواسطة الأمن من شريط لمحادثة مسجلة كان الصحفي قد أجراها مع الفريق عبود نفسه. ولم يوقر النظام أياً من أعراف الصحافة. فقد قال أبو العزائم إنه نشر خبراً عن العمال وطلب اللواء احمد عبد الوهاب، وزير الداخلية، معرفة مصدره. وتمسك أبو العزائم بشرف المهنة. ولكن السيد أبارو مدير الأمن نصحه بمراعاة فروق الزمن. فقال له: "النظام العسكري لا يعرف جملتك التقليدية وهي عدم إفشاء اسم المصدر لأن ذلك ضد أخلاقيات المهنة. فإن تعليمات وزير الداخلية هي من هو المصدر أو الحراسة والمحاكمة الفورية ثم السجن". ومن سخرية القدر أن اللواء نفسه هو من طلب من جعفر البشير في 1954 أن يكتب مقالات في الصحف لتنبيه الحكومة الوطنية الجديدة آنذاك ألا تسكرها السلطة اللنج فتعميها عن متاعب الجيش وضباطه. وقد فعل جعفر على ضوء نقاط أعدها اللواء احمد. وكافأت الحكومة الضباط بعد نشر المقالات. وهذا جزاء الصحف ممن ذاق حلوها!
ولعل أكثر ما امض الصحف هو استباحة السفارات الغربية لحرماتها يريد سائر ملحقيها تزيين صورة بلادهم فيها غصباً. فقد قال بقادي إن تعليقاته في السياسة الخارجية بالرأي العام (مثل غزو كوبا، وجهاد قبرص ضد بريطانيا، والنزاع الصيني الهندي، ووقائع الحركة المعادية للاستعمار البريطاني في شرق ووسط أفريقيا، وثورة اليمن ضد بريطانيا) لم تكن تلقى قبول الملحقين بتلك السفارات. وكان السيد العتباني، رئيس التحرير، يعدم بعضها كما نبه بقادي ألا يثير مشاكل هو في غني عنها والسفارتين البريطانية والأمريكية ساهرتين. وقد شجع أولئك الملاحق على هذا الوقاحة على الرأي الوطني والمهني تواطؤ نظام عبود وضغطه على الصحف ألا يصدر عنها ما يجرح سياسة البلدين العظميين. وتلقت الرأي العام إنذارها الأول من وزارة الإعلام عن طريق وزارة الخارجية لشكوى من الملحق الإعلامي الأمريكي (مستر ستس) من تغطية الجريدة لأخبار غزوة خليج الخنازير التي دبرتها السي أي آى الأمريكية على كوبا. وانزعج السيد العتباني جداً للإنذار. وعاتب بقادي وكظم غيظه على استباحة الملحقين لحرم داره. غير أن العتباني غضب أخيراً على الملحقين الصحفيين الأمريكي والبريطاني اللذين كانا يزوران الرأي العام مرات عديدة في لأسبوع لشرح مواقف حكومتيهما. وكان ذلك مما احتمله عتباني في البداية ثم ضاق به بعد ذلك. وقد كره العتباني بالذات صلف الملحق الأمريكي في محاولته التأثير على ما تكتبه الصحيفة. وقال بقادي إن السفارتين أغرقتاه بالدعوات لحفلات خاصة وعامة. وقد اعترف الملحق مستر ستس لبقادي في نقاش معه مرة عن سوء أدبه لأنه يشكو الصحف على الحكومة وهو من بلد يؤمن بحرية التعبير.
من هو الصحفي الذي رثى أستاذنا لحاله الفكري والمهني يمجد المعونة الأمريكية في ظل نظام عبود القاهر لجوانب إنسانية فيها غابت عنه وهو الذي شجبها في عهد الديمقراطية؟ هل هو من صحفييّ الصراحة التي هادنت نظام عبود وقبلت منه ما لم تقبل في عهد الديمقراطية؟
ولا افتخار إلا لمن لا يضام

الصورة للأستاذ المرحوم حسن نجيلة صاحب "ملامح من المجتمع السوداني" (جزءان) من أول و أمتع ما كتب عن حياة طلائع الخريجيين وسياستهم. وعمل صحفياً بالرأي العام، صديق محررها العتباني، صحفياً بعد تقاعده للمعاش.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.