(عاد الأستاذ عثمان ميرغني، صاحب جريدة "التيار" ورئيس تحريرها، إلى التهوين من استقلالنا في عمود أخير له بعنوان "تاريخنا المفترى عليه". فقال في آخره "وأكرر ما كتبته هنا كثيراً . . . الاستقلال الحقيقي الذي يجب أن يحتفل به باعتباره (اليوم الوطني) للسودان هو فتح الخرطوم في 26 يناير 1885. ويظلُّ ما حدث في الفاتح من يناير 1956 هو ذكرى رحيل جيشي الحكم الثنائي."

وما كرره عثمان كثيراً عبر عقدين من الزمان هو أن استقلالنا كان منحة تعطف بها علينا الإنجليز مثل ما تعطفوا علينا بالسكة الحديد والجزيرة والخدمة المدنية والحادات والحادات. فالذي أخرج الإنجليز من بلدنا هو من ديمقراطية الإنجليز استمعوا قول متظاهرين منهم يطالبون بتصفية المستعمرات وأتبعوا أحسنه: وكان استقلالنا. ويلغي عثمان هذا الحركة الوطنية بجرة قلم "تيارية" شعواء.

كرر عثمان تبخيس الحركة الوطنية مراراً كما قال. وكررت نصحه مراراً منذ 2005 ألا يفتري على تاريخ الحركة الوطنية طالما لم يحسن إليه بالاطلاع عليه في مظانه. واستثنى عثمان المهدية بجرة قمل "تيارية". وربما سمع كما سمعنا جميعاً من عد المهدية باطلاً وقبض ريح بعد قراءة منعمة للأشياخ اوهرولدر وسلاطين والعشرة الكرام قرة عيننا وعين تاريخنا. فلم يخرجها بعض الجيل العاقب من التاريخ فحسب بل من الملة. ورأوا في فتح الخرطوم، الذي هو عنوان الوطنية السودانية الفرد في نظر عثمان، هولاكية داعشية أنقذنا كتشنر "فاتح السودان وناشر العمران" من ويلاتها. فبأي آلاء ربكما تكذبان.

وكررت القول لعثمان إلا يكتب في التاريخ بنزق وحراق الروح. وليتوقى يوماً يروح فيه جهاد قلمه المرموق، الذي هو موضع حفاوتنا دائماً، أدراج الرياح لمفتر على التاريخ مثله. فإلى المقالات في الرد على استهانة عثمان بتاريخ الحركة الوطنية وما بعدها:

أريد في الذكرى الواحد والاربعين لثورة أكتوبر 1964 (2005) أن التمس من الكاتب المميز الأستاذ عثمان ميرغني أن يكف عن "قلة أدب وطنية" له معتادة يبخس بها هذه الثورة كلما أطلت علينا ذكراها. وكلمة قلة أدب النابية ليست من عندي. فقد دعا عثمان نفسه إلى نشوء "جيل من الكفرة" بالمعلوم من تاريخنا لأنه مجرد أفيون ورطنا في ثوابت كاذبة مثل ثورة أكتوبر وحجب عنا سوءة سياسينا. وقال إنه يريد لهذا التنقيح أن يكون صريحاً ولا مانع عنده أن يتم " بكل "قلة أدب وطني". وقد أرادها مجازاً بالطبع. وقد سمعنا من تنقيح عثمان لتاريخنا الوطني ما يصك الأذن ويؤذي الخاطر. وأكثر ما كدرني كمعلم تاريخ أن هذه الدعوة الجذرية لرمي الأحجار على زجاج تاريخنا المظلل أو (كما قال) لم تقم على درس كائناً ما كان لهذا التاريخ. فهي دعوة فكرية جرئية لرمي أكثر تاريخنا في سلة المهملات من إنسان حظه من هذا التاريخ بخيس جداً. فللاجتهاد في التاريخ، بقلة أدب أو بغيرها، شروط مثل الاجتهاد في الدين. وما سمعته من تاريخ عن عثمان هو تلاقيط ملتبسة بغيظ مشروع عما آلت إليه بلادنا تحت ما يسميه ب"الساسة". وقيل في الدين أنه لا رأى لحاقن.

فأكتوبر عند عثمان ليست بشيء. فمن رأي عثمان أن أكتوبر هي أفدح عملية تضليل سياسي تعرض لها شعب السودان دفعه فيها الساسة للإطاحة بأفضل نظام حكم مر بالبلد. وهو يستعجب لمن يقول إن عبود انتزع السلطة بانقلاب عسكري. بالعكس. فقد ذهب إليه الساسة في نزوة صراعهم السياسي في القيادة العامة ورجوه وبكوا له وقالوا له: " من أجل الوطن خذ السلطة". فلم يكن عبود سياسياً ولا طالباً للسلطة. ولما دانت له البلاد بكى الساسة كالنساء على ملك لم يحافظوا عليه كالرجال. وعلى عثمان أن "خليك مع الزمن" في لغته. ثم اضاف أن الساسة خدعوا الشعب المسكين في ليلة فاطاح بعبود ثم عاد يبكي عليه ويندب: ضيعناك وضعنا وراك: يا عبود." ويال له من ضياع لم يخرج من تيهه السودان حتى اليوم. وهذه شغب وددت لو تطهر عثمان منه.

وإمعاناً في تجريح أكتوبر طلب عثمان أن يؤذن له بالاحتفال بذكرى تولي عبود الحكم في 17 نوفمبر اسوة بذكري اكتوبر. وقد احتفل بها بالفعل في 17 نوفمبر 2003 في مناسبة مرور 54 عاماً عليها. وكرر في كلمته عقيدته أن عبود "وصحبه الميامين" (كما كانت تؤذي أسماعنا لسنوات ست من عهدهم) قادة عسكريين محترفين استجابوا لطلب رسمي من رئيس الحكومة باستلام الحكم لإصلاح الملعب السياسي المائل ثم أعادوا الحكم في رابعة النهار كما استلموه اختياراً وطوعاً عند ظهور أول بادرة طلب شعبي بذلك. وهذا دليل عثمان على انتفاء صفة الانقلاب العسكري أو المؤامرة أو انتهاك الدستور عن هؤلاء الرجال الغر الميامين. وأعاد القول إن ثورة أكتوبر هي ثمرة تضليل سياسي. وقد بدأت بها مهزلة عبثية سياسية أضاعت البلاد وأغرقتها في الوحل إلي يومنا الراهن. وطالب الشعب بأن يكفر عن خطئه الذي قابل به إحسان حكومة عبود. وطالب بإطلاق اسمه على إحدى الشوارع بمثابة اعتذار شعبي كبير. وعند عثمان أن زيطتنا لأكتوبر هي من باب "التاريخ أفيون الشعوب".

والاستقلال نفسه ليس عند عثمان بشيء. وسمى عيد الاستقلال في 2003 ب "عيد الاستذلال". فهو على الرأي أنه لو لم يأتنا كتشنر بالسكة حديد فمن كان سيأتينا بها. والحركة الوطنية عنده لم تقع أصلاً. فالذي أخرج الاستعمار من السودان هو المظاهرات التي سيرها الانجليز في شوارع لندن يطلبون من حكومتهم التخلص من مستعمراتهم كالسودان التي اصبحت عبئاً ثقيلاً وهم يعانون ويلات اقتصاد ما بعد الحرب العالمية الثانية. فلو لم ينهض الانجليز المتظاهرون بأمرنا لبقي فينا الاستعمار خالداً أبدا. فقد عاشوا بيننا 58 عاماً لم تقلق مضجعهم مظاهرات شعبية جماهيرية، فلم تخرج مظاهرة حرقت علمهم، ولم يتعقبهم فدائيون من الأحزاب، ولا تخاصم الساسة خصاماً جعلت الإنجليز يشعرون بعذاب الضمير. وعاد يكرر في كلمة اخرى أمر خيبتنا في حرق علم المستعمرين. فقد قال إنه برغم فخرنا بثورتين هما أكتوبر وابريل خلال الحكم الوطني إلا أن التاريخ لم يشهد مظاهرة واحدة خرجت لتحرق العلم البريطاني، أو تعترض على جور الحريات في كنف الاستعمار. ولذا بقي بيننا هانئاً لم تزعجه حتى مذكرة الخريجين لأنها طالبت بزيادة رواتبهم. ولذا كان استقلالنا هو مجرد خروج للإنجليز تلقاء أنفسهم. فورث الساسة الإنجليز بلا نضال أو دماء أو عذابات المطاردة.

كنت رتبت بيان ما غمض من التاريخ علي عثمان. واكتشفت أنني قد أضطر إلى كتابة مؤلف آخر مما هو متاح في السوق مثل كتابات المرحوم محمد عمر بشير، أو الدكتور مدثر عبد الرحيم، أو المرحوم حسن نجيلة، أو الدكتور القدال وهلمجرا. وكنت بدأت أصلاً سلسلة مقالات بمجلة "أوراق جديدة" احتل انقلاب عبود فيها مركز الدائرة. وقد راجعت في هذه الكتابات العقيدة الشائعة أن الانقلاب كان "تسيماً وتسلماً". وهي عقيدة أفرغت الجيش من كل شبق، أو سبق سياسي. فيمكن للقاريء أن يطلب تلك المقالات في موقعها.

ولكن يكفي هنا أن عثمان نفسه يراجع قلة أدبه حيال تاريخ الحركة الوطنية بمشقة وعتو. فلربما نبهه أحدهم إلى أن هناك ثورة اسمها ثورة 1924 لما قال إن الإنجليز عاشوا بيننا في تبات ونبات. فعاد في كلمة اخرى يقول إن الإنجليز لم تزعجهم منا سوى حوادث قليلة طارئة مثل ثورة 1924. وربما كان من بين تلك الحوادث القليلة الطارئة الهبات العيسوية (الدكتور حسن احمد إبراهيم) وانتفاضات ود حبوبة والسحيني والنوبة ) كمال عثمان صالح) والنوير (دوقلاس جونسون) والدينكا (لازريس ماووت) حركة مؤتمر الخريجيين والحركة النقابية (سعد الدين فوزي ترجمة جادين) وحركة المزارعين (البوني وصديق البادي )، والصحافة (محجوب محمد صالح) والجهاد ضد الجمعية التشريعية في 1948 وشهداء مثل قرشي الطيب. ويحار المرء كم يراكم المرء من اطنان النضال الوطنى حتى يبلغ بها نصاب عثمان لإقلاق راحة المستعمر وطرده بولده وعدده. وإمعاناً في تتفيه كل خاطرة وطنية قال إنه من هواننا على أنفسنا في ظل الانجليز أننا لم نجرؤ حتى على التغني بوطنيتنا إلا رمزاً في إنشودة "عازة في هواك". والمضطر يا عثمان يركب الصعب أو الرمز. ومع كل هذا الازراء بالاستقلال نجد عثمان في 2002 يطلب من السلطات أن نجود احتفالنا بالاستقلال بمسابقات للشباب في مختلف ضروب الإبداع. وطالب ان يكون حفلنا "بعيد الاستذلال" هذا فرصة لإكتشاف الذات والتنقيب في النفس عن القيم الجميلة". هل رائعة خليل فرح "عازة" مما تأذن لنا بالتنقيب عنه كشفاً للجمال فينا. . . والفداء، يا عثمان؟

من سوء طالع منهج عثمان أنه يؤسس مصداقية قلة أدبه في وجه وطنيتنا على فرضيات سهلة الدحض لأنها من من باب إما وقعت أو لم تقع. فمن وقائع خيبتنا الوطنية في زعم عثمان أننا لم نقو على تسيير مظاهرة تحرق العلم البريطاني. ولا أدرى سبب اختيار عثمان لهذه المفردة في التظاهر والوطنية دون سواها كعلامة فارقة. وسيطيب لي (في قول عبود المشهور) أن يفيدنا عثمان في المسألة. أما المفاجأة التى ربما لم يتوقعها عثمان أنه بالفعل خرج سودانيون في مظاهرة وحرقوا العلم السوداني. وكان ذلك بمدينة الفاشر عام 1952. وكنت قرأت عن هذه المظاهرة مراراً عند كل احتفال بذكري الاستقلال في صبانا. ولما رتبت الرد على عثمان لم أجد بين كتبي ما أقوى به حجتي. فأتصلت بصديقي القديم صديق محمد البشير (المرحوم) صاحب مكتبة الجماهير بالفاشر وسكرتير الحزب الشيوعي لسنوات بدارفور. فلم أعثر عليه. وضربت للإنسان المميز عبد الله آدم خاطر استفتيه خبر علم الإنجليز. وفؤجئت بقوله إنه كتب عن حرق العلم الانجليزي بجريدة الصحافة في صباح نفس يوم اتصالي فيه. والقلوب شواهد. وتأملت مع خاطر حرائق دارفور القائمة على قدم وساق على ضوء حادثة الحريق القديم.

لقد سبقني الباحث المحقق الدكتور عبد الله حمدنا الله إلى طلب الهدنة من أمثال عثمان ممن جردوا سيوفهم للاجهاز علي ذكرى ثورة أكتوبر فينا. فقال إن منطقهم "يحاكم الثورة بنتائجها لا بأسبابها وبما تلاها من أحداث لا بما سبقها وننتهي بأن نحمل أنبل ثوراتنا طيش الساسة ونذهب بها إلى مزبلة التاريخ". وأضاف أن هذا منطق يغتال أروع ما في التاريخ من نزعة نحو الحرية والقبول بمنطق التضحية من أجلها." وقال: "كفانا جلداً للذات ورفقاً بنا من طيش الساسة وتحامل المثقفين". لله دره.

عثمان قلم له رشاقة في طلب الحرية. وقد أرقتني متاعبه حين تكأكأت عليه نيابة الجرائم الموجهة تكيد له بعد تحقيقات دامغة له حول مؤسسة السكر وغيرها. وكتبت مرتين أدافع عنه كشوق بليغ للحرية. ولكن عثمان يعتقد أن به وحده، جل حلاله، بدأ نازع الحرية وربما به انتهي. وهنا مربط الفرس. فنازع الحرية فينا وطيد وثيق. ولو ألح عثمان على أنه يبني على غير أساس لكان مثل من يقال فيه إنه يعيد اختراع العجلة. وأعود في كلمة قادمة إلى تلمذة عثمان كصحافي على يد المرحوم محمد سعيد معروف في قاهرة الثمانينات من قرن هلك لبيان دقيق لنازع الحرية وكيف ابتذله عبود وأصحابه الغر الميامين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.