عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



دستور السُّودان القادم (الدائم).. لكن أي دستور نريد؟

فبينما ظلَّ رجال الأحزاب في جدال مريب عن "الجمهوريَّة الإسلاميَّة" جاء العقيد حينئذٍ جعفر محمد نميري على رأس انقلاب عسكري في 25 أيار (مايو) 1969م ليقوِّض العمليَّة الديمقراطيَّة برمتها، ويحسم هذا العبث السياسي، ويجهض مسودة دستور السُّودان للعام 1968م ذي التوجه الإسلامي الواضح.
مهما يكن من شيء، ففي العام 1973م تبنى نظام مايو دستوراً جديداً لحكم السُّودان.  فبرغم من أنَّ هذا الدستور قد فُصِّل على مقاس الحزب الوحيد الحاكم (الاتحاد الاشتراكي السُّوداني)، إلا أنَّه حمل – فيما حمل – مواداً ذات مدلولات هامة.  فبغض الطرف عن المواد التي تكرِّس دكتاتوريَّة حكم الفرد، وتحتضن الشعارات "المايويَّة" من اشتراكيَّة وقوى الشعب العاملة، وميثاق العمل الوطني وهلمجرَّاً، فإنَّ هذا الدستور احتوى على فقرات إيجابيَّة، وبخاصة في الفصل الخاص بمبادئ المجتمع السُّوداني.  ففي هذه المبادئ العامة والاجتماعيَّة أورد الدستور في مادته الخامسة عشر أنَّ الأسرة هي أساس المجتمع، الذي ينبني على المسؤوليَّة التبادليَّة، والتي تسترشد بالدِّين والأخلاق والمواطنة، وينبغي على الدولة حمايتها من عوامل الوهن والانحلال.  أما في المادة السادسة عشر (أ) و(ه) فقد اعتبر ذلكم الدستور الدِّين الإسلامي والمسيحي والأديان السماويَّة وكريم المعتقدات الروحيَّة من أديان أهل السُّودان، ويستوجب على الدولة محاولة التَّعبير عن قيم السماويَّة منها، وعدم الإساءة إلى كريم المعتقدات منها، أو حملها محل الاستفزاز والاستهتار.  وكذلك يجب على الدولة ألا تعامل معتنقي الأديان وكريم المعتقدات الروحيَّة بالتمييز السلبي، وعليهم أن يتمتَّعوا بالحقوق والحريَّات المكفولة لهم كمواطنين في هذ الدستور.  وعلى الدولة ألا تفرض قيوداً على المواطنين أو المجتمعات على أساس العقيدة الدِّينيَّة.  إنَّ سوء استخدام الأديان وكريم المعتقدات الروحيَّة في سبيل الاستغلال السياسي لممنوع، وأي فعل قُصِد منه، أو من المحتمل، أن ينمِّي الشعور بالكراهيَّة والعداوة والبغضاء وسط المجتمعات الدِّينيَّة يكون مخالفاً لهذا الدستور، ويُعاقب عليه وفق القانون. 
وفي نفس الفصل، وفي المادة الحادية والعشرين، أشار الدستور إلى أنَّ "على الدولة أن تقوم برعاية المناطق الريفيَّة بالسُّودان، وأن تنمِّيها اقتصاديَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً، وبالأخص على الدولة محاربة المجاعة والعطش والأوبئة والأمراض المستوطنة، وأن تعمل نحو اسقرار (العرب) الرحل."  وتُقرأ المادة الرابعة والعشرين على النحو التالي: "على الدولة أن توفِّر نظام الضمان الاجتماعي ضد الكوراث، والمرض، واليتامى، والكهول، والبطالة والعوامل الأخرى التي تسبِّب الإعاقة."  والمادة السادسة والعشرين والسابعة والعشرين تتحدَّث عن رعاية الشباب وحماية الأطفال ضد الاستغلال والإهمال الجسدي والروحي، وكذلك على الدولة رعاية الأمومة والطفولة، وذلك بواسطة تشريعات تُسن لهذا الغرض.  ففي دولة الهند – على سبيل المثال – صدر قانون حماية الطفل ضد الجرائم الجنسيَّة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012م لمساعدة الأطفال الضحايا في الإدلاء بأقوالهم في المحكمة.  فلعلَّ واحداً من الأسباب التي جعلت جناة جرائم الجنس ضد الأطفال يهربون من العدالة هو أنَّ الأطفال الضحايا لا يستطيعون الصمود وتحمل مواجهة نظام العدالة الجنائيَّة، وانهيارهم أمام موجة من أسئلة محام الدفاع.  عليه، جاء هذا القانون ليحقِّق إنجازين: أولاً، جعل عدم الإبلاغ عن الجرائم الجنسيَّة ضد الأطفال جريمة يعاقب عليها القانون؛ ثانياً، إنَّها قامت بتعريف عدة أفعال جنسيَّة كجرائم جنائيَّة، والتي لم تكن موجودة أصلاً في أي قانون جنائي من قبل .  وكذلك فإنَّ أحد الملامح الرئيسة لهذا القانون الجديد لهو إنشاء محاكم، وسبل وإجراءات ملائمة للطفل، علاوة على أن تقوم امرأة من الشرطة بتسجيل أقوال الطفل الضحية.  ولكي يتم التعاون بين كل الوكالات والشركاء في أمر تطبيق هذا القانون، عقدت وزارة المرأة وتنمية الطفل مؤتمراً في نيودلهي في نهاية تموز (يوليو) 2013م للتنسيق بين الشرطة والسلطات الأخرى المختصة، كالهيئة القضائيَّة والموظفين الآخرين في أقسام الحكومة المختلفة.  وأكَّدت وزيرة المرأة وتنمية الطفل كريشنا تيراث ضرورة إدخال هذا القانون في المناهج الدراسيَّة، حتى يتسنَّى للأطفال تعلُّم موادها.  وينبغي كذلك تدريب الشرطة بواسطة ناشطين في حقوق الطفل والخبراء الطبيين، لأنَّ للشرطة دور فعَّال في التعامل مع الأطفال أثناء تسجيل أقوالهم على الأجهزة الصوتيَّة والتصويريَّة.  وأخيراً يجب على القائمين بأمر هذا القانون تعميمها على نطاق واسع، وبلغات مختلفة إلى كل الجهات المعنيَّة بالأمر، وبخاصة القضاء والشرطة والمنظَّمات الراعية لحقوق الطفل، وأولياء أمور الأطفال.
أيَّاً كان من أمر الهند وقانونها الجديد، ففي دستور السُّودان للعام 1973م تُقرأ المادة التاسعة والعشرين كما يلي: "ينبغي أن يكون محو الأميَّة وترقية تعليم الكبار واجباً وطنيَّاً، وعلى المسؤولين والشَّعب حشد طاقاتهما نحو تحقيقهما."  مهما يكن من شيء، فإنَّ عهد "مايو" الأول قد شهد انتعاشاً في فصول محو الأميَّة، وكان الكبار في القرى نساءاً ورجالاً أشدَّ ما كانوا إليها شوقاً، وأعظم ما كانوا بها ابتهاجاً، إلا أنَّ هذا النشاط سرعان ما تلاشي وأمسى نسياً منسيَّاً.  فلا مريَّة في أنَّ هناك رابطة وثقى بين نتائج التعليم الضعيف (المتدني) للأفراد والوسائل الاجتماعيَّة غير الفعَّالة – فعلى سبيل المثال: البطالة طويل المدى، الاعتماد على إعانات الدولة، النتائج الصحيَّة الضعيفة، ارتفاع معدَّل الجريمة، العنف المنزلي والفقر.  هذه هي التكاليف غير المباشرة من جراء عدم الاستثمار في التعليم، وفي المدى البعيد يسبِّب دماراً حقيقيَّاً للاقتصاد والمجتمع.  والتعليم قد ينقذ المرء من ربقة العبوديَّة كما فعل بأحد الأفارقة في القرن الثامن عشر من الميلاد.  ففي العام 1731م اختطف أيوبا سليمان ديالو، الذي كان قد وُلد في إقليم سينيقامبيا في غرب إفريقيا في أسرة أئمة وتجار، واقتيد إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة ليعمل في مزارع التبغ مع غيره من الأرقاء الآخرين.  ولكن بمعاونة محام بروتستانتي، الذي انبهر بغزارة علمه ونسكه وتفقهه في الإسلام، انتهى به المقام في إنكلترا، وشرع يخالط طبقات المجتمع العليا، الذين اشتروا حريَّته، ومن ثمَّ استطاع أن يعود إلى مسقط رأسه في إفريقيا.  واللوحة الزيتيَّة، التي رسمها وليم هور العام 1733م عن ديالو، تمثِّل أثراً فنيَّاً في غاية التعبير.  ففي هذه اللوحة، المستودعة في متحف الدوحة الشرقي في بريطانيا، يبدو ديالو مرتدياً زيَّه القومي، ومعلِّقاً على عنقه نسخة من المصحف الذي كتبه من ذاكرته.
على أيٍّ، وكحال كثرٍ من دساتير السُّودان – المؤقتة أو المعدلة أو الدائمة – نجد في الدستور إيَّاه مواداً في غاية الإيجابيَّة، ولكن العبرة في الممارسة والتطبيق، أو كما تقول الأفرنج في مقاطعة يوركشير البريطانيَّة: "إنَّ طعم "البودِنْغ" لفي تناوله" (The taste of pudding is in the eating).  إذ أنَّه قلَّما التزم القائمون بأمر القوانين وتصريف دولاب الدولة بإيلاء هذا الشأن غاية الأهميَّة كما تتطلَّبه المسؤوليَّة الرسميَّة، والقيم الأخلاقيَّة، والقسم الذي يؤدونه في سبيل تسيير أمور الدولة على النحو المنصوص عليه في الدستور والقانون.  حتى حينما كان هذا الدستور قيد التطبيق وجدنا ممارسات غير قانونيَّة بسبب الاختلاف الدِّيني أو العرقي أو الجهوي، ولم ينعم الفقراء والمعوزون من أهل السُّودان بالضمان الاجتماعي الذي فصَّله الدستور أيَّما التفصيل، ولم تهتم الدولة بأطفال الشوارع الذين كانوا – وما يزالون – يجوبون الشوارع في المدن بحثاً عما يمكن أن يُؤكل في القمامة حول المطاعم والمقاهي، أو يستنشقون البنزين ليوقف شهيَّتهم عن الطعام الذي لا يكاد يجدونه إلا بشق النَّفس.  أما موت الأطفال في المهد ومعاناة الأمهات، وبخاصة في الأرياف، فحدِّث ولا حرج.  فقد طال الإهمال التنموي الريف السُّوداني حتى تفاقم وأصبح واحداً من أسباب الحروب الأهليَّة في السُّودان.  والدول التي تمارس العدالة الاجتماعيَّة وتهتم بتنمية القطاع الزراعي والحيواني تقوم بتعويض الزرَّاع والرعاة عند فقدانهم لمحاصيلهم، أو قطعانهم بسبب الآفات الزراعيَّة (الجراد)، وسوء الموسم الزراعي (الجفاف)، والأمراض (مرض جنون البقر في بريطانيا في التسعينيَّات، ووباء اللسان الأزرق الذي يصيب الضأن، وكذلك وباء القدم والفم)، وكساد المحاصيل في الأسواق المحليَّة والعالميَّة.  بالطبع، لم يحدث هذا في سودان نميري في جفاف مستهل الثمانينيَّات، وكانت المجاعة الشهيرة في شرق وغرب السُّودان، ونزوح كثر من السكان إلى ضواحي مدن العاصمة بحثاً عن المطاعم والمشارب، وباتوا يُنعتون ب"سكان السكن العشوائي"، وأخذوا يعانون في أكثر ما تكون المعاناة من غياب مريع في الخدمات الاجتماعيَّة (الصحيَّة والتعليميَّة والقانونيَّة).  فليس من الأمور الصعبة توجيه الثروات القوميَّة وتوظيفها في تحسين الأحوال الصحيَّة من خلال رسم سياسة صحيَّة شاملة على غرار ما هو حاصل في البلدان الأوربيَّة، ولا تستحيل سياسة بناء المجتمعات التعليميَّة على مختلف مستوياتها لحل معضلة تزايد حجم الأميَّة، كما بالإمكان توجيه مشاريع التَّنمية نحو المناطق والأرياف بما يوفِّر مشاريع عمل تؤدِّي في نهاية الأمر إلى بقاء المواطن في أرضه ومنع هجرته إلى المدن و"ترييفها".
وفي السياق المرير هذا يمكن ملاحظة أنَّ أكثر القضايا التي يروح فيها أهل الهامش السُّوداني ضحايا الأحكام القضائيَّة، وبخاصة في العاصمة، هي ما تتعلَّق بالجنايات والأحوال الشخصيَّة من ميراث وزواج وطلاق وكفالة الأطفال وغيرها.  فلا ريب في أنَّ التعدد الثقافي في السُّودان يضفي بأعباء قانونيَّة وعرفيَّة إضافيَّة إلى النظام القضائي، مما يستوجب أخذه في الاعتبار.  فقد تولَّى الدكتور هنود أبيه كُدوف الدِّفاع عن موكلين له في عدة قضايا كاد المتَّهمون – الذين كان الهلع قد ملأ نفوسهم واستأثر بقلوبهم – أن يروحوا فيها سدى، حيث لم تُؤخذ الأعراف الثقافيَّة والتقاليد الاجتماعيَّة في الاعتبار.(87)  ولعلَّ الدكتور كُدوف قد استفاد من دراسته القانونيَّة ما بعد الجامعة بلندن في القانون العرفي والميراث لقبيل الأما (النيمانج) بجبال النُّوبة.
ولعلَّنا نجد أنَّ الاهتمام كل الاهتمام بقضايا الرِّيف قد أصبح الشغل الشاغل لكل الدول، وذلك في سبيل إعلاء قيم العدالة والمساواة والتنمية المتوازية.  إذ ألهم هذا الاهتمام كابتن فريق "الكريكيت" القومي الإنكليزي – ديفيد قاور – بأن يوجِّه انتقاداً مقذعاً لقاطني المدن الذين – كما زعم – يجهلون قضايا الرِّيف، والذي قال عنهم إنَّه لينبغي اختبارهم في الشؤون الرِّيفيَّة قبل السماح لهم بحق الاقتراع.  ويصر قاور على أنَّه يجب أن يكون هناك تعليم إجباري لسكان المدن عما يحدث في الرِّيف، مؤكِّداً أنَّه من الحسن حقاً لأهل الحاضرة والبادرة – حينما يكونوا في سنوات الدراسة المدرسيَّة – أن يتعلَّموا كثيراً عن بعضهم بعضاً.  كما يجب أن يكون هناك امتحان، وفي حال رسوبهم مرتين، ينبغي أن يُنزع عنهم حق الاقتراع.  فما لم يفهموا المشكلات موضوع الصِّراع، فإنَّهم غير مؤهلين للإدلاء بأصواتهم في أيَّة عمليَّة انتخابيَّة.  وفي هجومه اللاذع على الساسة الذين لديهم حساسيَّة ضد الأعشاب، فقد قال عنهم قاور: "إنَّهم ليصدرون قرارات غير محبَّبة عن شؤون الرِّيف.  فالاقتصاد الرِّيفي يساهم في حل مشكل البطالة، وسكان الرِّيف يتضجَّرون أيَّما التضجُّر حينما يقرِّر قاطنو المدن في الشؤون التي تمس حيواتهم، وبخاصة أنَّ الأخير يحبون شوارع الأسفلت، ولهم حساسيَّة مفرطة ضد الحشائش، ولا يفهمون كثيراً أو قليلاً عن قضايا الأول في شيء."
وعودة إلى دستور العام 1973م، فقد تشكَّل بموجب هذا الدستور – أو دعا إلى تشكيل – مفوضيَّة الخدمة المدنيَّة.  إذن، ما هي العلة في تفشي الظلم الاجتماعي والمحسوبيَّة والصداقاتيَّة في السُّودان وقتذاك ومن بعد؟  برغم من وجود قوانين العمل، والنقابات المهنيَّة، والقضاء والمفوضيَّة إيَّاها نجد أنَّ جهل الناس بحقوقهم المدنيَّة (الإنسانيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة) والقانونيَّة والمهنيَّة، وذلك بحكم الأميَّة المتفشية تارة، وعدم مقدرة المعوزين على نفقات المحامين تارة أخرى، والعنصريَّة تارة ثالثة، وسيادة المحسوبيَّة والفساد تارة رابعة جعل – وسيظل يجعل – من القوانين والروادع مجرَّد مداد على ورق.  فمن الأجدر دوماً – في حال إصدار قوانين جديدة – على جهاز الدولة أن تنشرها على نطاق واسع في "الغازيتة" (الصحيفة الرسميَّة) والصحف السيارة الأخرى، وينبغي أن يتم تشاور شعبي على نطاق واسع لكافة الفئات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والسياسيَّة، فضلاً عن تنوير العامة والخاصة بموادها وأحكامها والعواقب المترتبة على المساس بها قبل اعتمادها من قبل السلطة التنفيذيَّة كقوانين وتطبيقها على الناس، حتى لا يكون هناك عذر لمن أنذر، ويستوجب أن يتم ذلك ليس باللغة العربيَّة فحسب، بل بكل اللغات التي يتكلَّم بها أهل السُّودان، ونعني هنا اللغات القوميَّة المختلفة التي ينعتها بعض الغلاة السُّودانيين استهتاراً واحتقاراً ب"الرطانات"، وقد جادلنا في هذا الأمر ما وسعنا الجدال.  ومن هنا يمكن أن نفهم لِمَ يصطرع أمازيغ ليبيا، بالإضافة إلى "تينيناي" أو "أمازيغ الصحراء" وهم "قبائل التبو والطوارق"، بمنحهم حقوقهم الثقافيَّة والعرقيَّة، وبخاصة قضيَّة اللغة، في دستور ليبيا المرتقب.  وحين بلغ بهم الغضب الشعبي مبلغاً لا يمكن تجاوزه أغلق المحتجُّون من أمازيغ ليبيا في مدينة نالوت في جبل نفوسة الغربي خطاً للبترول يمر عبر المدينة، ويغذِّي مجمع مليتة النفطي بالغاز، ثمَّ اعتدوا على البرلمان الليبي في آب (أغسطس) 2013م، وهم يحملون شعارات كُتب عليها "ترسيم لغتي هو أدنى حق لي في وطني."
ولم نكد نبرح مجال اللغة حتى نذكر أنَّ جمهوريَّة جنوب إفريقيا أكثر بلدان العالم تعدُّديَّة في اللغات الرسميَّة، أي لغات الحكومة والمحاكم والإدارة، والتي تبلغ في مجملها 11 لغة.  وهذه اللغات هي: أفريكانس (أو اللغة الإفريقيَّة أو الأفريكانيَّة أو الأفريقانيَّة)، الإنكليزيَّة، ندبيلي، تكوسا، زولو، سيبيدي، سوتو الجنوبيَّة، تسوانا، سواتي، فيندا وتسونغا.  والهند العريقة شهيرة بتعدُّديتها اللغويَّة البالغ تعدادها أكثر من 850 لغة حيَّة – أي ما يفوق أربع مرات عدد اللغات الأوربيَّة.  ومع ذلك فقدت الهند 250 لغة في الخمسين سنة الماضية.  وقامت السلطات الهنديَّة بوضع قواعد النحو ومعاجم ل400 لغة، وتسمح المحاكم الهنديَّة باستخدام 22 لغة، وذلك بالقياس إلى منظَّمة "اليونسكو"، التي تسمح باستعمال 5 لغات فقط للمداولات.  وفي المدن الحضريَّة الهنديَّة مثل دلهي، كولكتا، حيدرأباد وشيناي يتحدَّث الناس بأكثر من 300 لغة.  علاوة على ذلك، فهناك 18 لغة معترفة بها في الدستور الهندي، ولكن كل لغة تُعتبر رسميَّة في منطقة بعينها.  أما اللغة الرسميَّة في جميع أرجاء البلاد فهي الهنديَّة، وتأتي الإنكليزيَّة في المقام الثاني.  كذلك تعتبر بابوا غينيا الجديدة واحدة من أكثر أقطار العالم في التعدُّديَّة الثقافيَّة، وهي مهوى لعدة لغات.  فبينما هي تعتمد ثلاث لغات كلغات رسميَّة (الإنكليزيَّة وتوك بيسين وهيري موتو) نجد أنَّ هناك 841 لغة في الإحصاء الكلي، برغم من أنَّ ليس هناك ممن يتحدَّث ب11 لغة من هذه اللغات.(88)  إذن ماذا عنينا بهذا كله؟  لا ريب في أنَّ الإقرار بهذه التعدُّديَّة اللغويَّة والثقافيَّة، ودسترتها، والتعبير بها في الدوائر الرسميَّة والأوساط الاجتماعيَّة يساعد على ترميم الوحدة الوطنيَّة، ويقوِّي الاعتزاز بالذات، ويعزِّز الاعتداد بالنَّفس، ويعالج إشكالات الهُويَّة على المستويات الفرديَّة والجمعيَّة والإقليميَّة، ثمَّ إنَّه ليعصمنا من شرور حروب الهُويَّة.  إذ أنَّ النِّزاعات الناشئة من صراعات الهُويَّة هي أكثر الحروب فتكاً بالآدمين وإطالة في الأمد.
على أيَّة حال، فمن المعلوم "أنَّ الدستور والقوانين هما عقد اجتماعي بين الناس، وتوافق بينهم حول قيم معيَّنة يتراضون عليها، ويلزمون بها أنفسهم (...) ويأتي هذا في إطار تباين الناس في المفاهيم والرغبات، ولكن حينما يتم التوافق والتموضع على الدستور لا بد من تنازل كل طرف عن مواقفه ورغباته إلى حد معيّن (لكيما) يتم الاتفاق عليه."(89)  وهذه الرغبة العامة هي التي تنادى بها روسو في العقد الاجتماعي.  وهذا النمط من الدستور هو الذي فيه يرى كل شخص أو كيان ثقافي أو اجتماعي أو ديني نفسه.  فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أنَّه في العام 1953م شرع المؤتمر الوطني الإفريقي في كتابة "ميثاق الحريَّة" ليكون ممثلاً حقيقيَّاً للشعب حتى يسع الجميع، ودعا كل مواطني جمهوريَّة جنوب إفريقيا إلى الابتعاث بمقترحاتهم في سبيل كتابة مسودة ميثاق للفترة ما بعد زوال نظام الفصل العنصري المعروف ب"أبارتهيد".  لذلك طلب المؤتمر الوطني الإفريقي – فيما طلب – مشاركة المؤتمر الهندي الجنوب الإفريقي، مؤتمر الملوَّنين، مؤتمر جنوب إفريقيا للنقابات المهنيَّة، ومؤتمر الديمقراطيين.  بناءاً على ذلك، جاء في السطر الأول من الميثاق "الشَّعب سيحكم" (The people shall govern).(90) 
فلا مُراء في أنَّ بعض الناس لا يستقر على حال، وبعض الحكام تتقلَّبهم الأهواء النفسيَّة، والمزاج العاطفي، وتضفي هذه الطبائع على قراراتهم السياسيَّة.  فنميري الذي بدأ حكمه في بادئ الأمر بالشعارات الاشتراكيَّة انقلب على عقبيه في نهاية الأمر، وصار إسلامويَّاً برَّاقاً ينشر كتباً إسلاميَّة، ويأمر بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة – أو يُخيَّل إليه إنَّه ليفعل ذلك – في صورة أساء إلى الإسلام وأهان أهل السُّودان معاً في مسرحيَّة ملهاة،(91) مما أعطى القضاة حريَّة مطلقة في الاجتهاد في الأحكام دون التقيُّد بأحكام الإثبات، وخلط القوانين الوضعيَّة بالدِّينيَّة، واستحضار الإجراءات الأمنيَّة التعسفيَّة لتصفية خصوم الرئيس السِّياسيين، وإذلال طبقات الشعب الدنيا.  ومع ذلك، أمسى قضاة السلطان يدافعون عن أحكامهم بغير حق في قوانين أجمع السُّودانيُّون على تسميتها "قوانين سبتمبر" باسم الشهر الذي صدرت فيه، وهو أيلول (سبتمبر) 1983م، وقد كتبها رجلان وامرأة هم: النيَّل عبد القادر أبو قرون وعوض الجيد محمد أحمد وبدريَّة سليمان، واستعان المؤتمر الوطني بخبرات الأخيرة القانونيَّة لتمسي رئيسة اللجنة التشريعيَّة في المجلس الوطني (البرلمان) في حكومة "الإنقاذ الوطني".  فلم يستقر النظام "المايوي" على مبدأ الشريعة، بل رسم على غلافها مظهراً تسلطيَّاً أشبه ما يكون بمظهر الملوك القياصرة والسلاطين الأكاسرة؛ ولم يحافظ على سيادة القوانين الوضعيَّة، لأنَّها ستعتمد على أسس دستوريَّة محصَّنة، لكن الذي حدث – كما رأينا وارتأينا – هو هدم مبدأ القوانين الوضعيَّة، وجعل القوانين البديلة مطيَّة لحاكم متغلِّب استطاع أن يملك أمر نفسه ومن ثمَّ اتَّخذ هذه الشريعة له نظاماً.
وفوق ذلك أحدث قضاة نميري في "العدالة النَّاجزة" – ونحن نضعها هنا بين معكوفتين لشيء في أنفسنا – جريمة ما أنزل الله بها من سلطان، وأسموها "الشروع في الزنا".  فرداعة قوانين الشريعة الإسلاميَّة وقسوتها يصعب معها إصلاح الخطأ إذا أصدر القاضي حكماً مخالفاً للجريمة، أو كان المتهم بريئاً أصلاً، وبخاصة أنَّ هؤلاء القضاة الإسلامويين في عهد نميري قد مُنحوا صلاحيات واسعة للاجتهاد في الحكم والاستعانة بالمذاهب والملل الدِّينيَّة المختلفة كل الاختلاف كما شهدنا في عدة محاكم، ودوَّنها القاضي المكاشفي طه الكباشي في تأليف أصدره من بعد.(92)  ومن هنا كانت المناهضة ضد تطبيق العقوبات الإسلاميَّة، وانطلق أولئك وهؤلاء من الافتراض أنَّ المتهم قد يكون بريئاً.  فعلى سبيل المثال قضت المحكمة العليا في جزر المالديف بجلد فتاة قاصرة تبلغ من العمر 15 عاماً مائة جلدة بحجة أنَّها مارست الجنس قبل الزَّواج.  إذ اعتقلتها السلطات المالديفيَّة في حزيران (يونيو) 2012م بعد العثور على جثة طفل وضعته المتهمة ودُفن خارج منزلها في جزيرة "فيدهو"، وحكم عليها في شباط (فبراير) 2013م في محكمة الأحداث، بالإضافة إلى 8 أشهر تحت الاعتقال المنزلي.  فقد جاء اعترافها، وهي تعاني من الاختلال العقلاني الذي أنتجته الكآبة والضغوط ما بعد الحادثة، ولكن المتهم التَّهيم، أو الفاعل الفعيل، في هذه الجناية هو بعل أمها، والذي اغتصبها وحمل منها دون رضاها.  وفي نهاية الأمر أُدين الرَّجل بالقتل والإساءة الجنسيَّة، وأُدينت والدة الفتاة باختباء الجريمة.  والحقيقة الفادحة أنَّ 90% من حالات الإدانة بالزنا العام 2011م في جزر المالديف كانت من النِّساء، مما يعني أنَّ نسبة 10% فقط كانت تمثِّل الرِّجال.  فإذا جاءت إدانة النِّساء لأنَّهن اعترفن، أو حملن سفاهة، ووضعن أطفالهن، ورفضن الإفصاح عن هُويَّة الرِّجال الذين جامعوهن، فهذا يعني أنَّ الرِّجال يهربون من العدالة لعدم وجود الشهود العدول كما أشارت إلى ذلك الشريعة الإسلاميَّة، حيث وضعت الشريعة أشراطاً صعبة لإثبات وقوع الزنا كما هو معلوم عند الفقهاء.
ذلك عهد بلى وانجلى.  فبعد أن أزِفتِ الآزفة وخرجت جماهير الشَّعب السُّوداني من كل حدب وصوب تصرُّ على رحيل نميري، غادر  النِّظام "المايوي" في نيسان (أبريل) 1985م تاركاً خلفه ركاماً وإرثاً ثقيلين للفساد والاستبداد، وباتت البلاد تمر بمرحلة مخاض عسيرة بما فيها من آلام وآمال، "وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"، وكان البحث عن الدستور من أولويات المرحلة الجديدة في ذينك الهيط والميط.
وفي مقال للبروفيسور محمد إبراهيم خليل بعنوان "الدِّين والدولة في الدساتير السُّودانيَّة" في صحيفة "حريَّات" الإلكترونيَّة كتب هذا القانوني الضليع قائلاً: "عند استعادة الديمقراطيَّة العام 1985 كان المتوقع أن يعمل المجلس العسكري الانتقالي (...) بالدستور الانتقالي للعام 1964م الذي كان آخر دستور ارتضاه النظام الديمقراطي.  ولكن المجلس الانتقالي قام بإصدار دستور انتقالي في سنة 1985م تضمن نصوصاً ممعناً في الخلافيَّة، يهمنا في هذا الصدد المادة الرابعة التي تنص: "الشريعة الإسلاميَّة والعرف مصدران للتشريع؛ و الأحوال الشخصيَّة لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم."  ويستطرد البروفيسور خليل – وهو من أبرز الرموز والمرجعيَّات القانونيَّة والدستوريَّة على مستوى السُّودان، كما أنَّه هو الذي قام بوضع دستور "أرض الصومال" العام 1995م، وهو رئيس آخر جمعيَّة تأسيسيَّة قبل مجيء "الإنقاذ" العام 1989م، ثمَّ إنَّه لهو الذي أشرف على عمليَّة الاستفتاء التي انتهت نتيجتها بانفصال الجنوب – قائلاً: "النَّص أن تكون الشريعة الإسلاميَّة مصدراً للتشريع أمر اعترض عليه الجنوبيُّون أعضاء لجنة الدستور العام 1957م و1968م، ولم تتمكن الجمعيَّة التأسيسيَّة في فترات النظام الديمقراطي من إجازته، فكيف جاز للمجلس العسكري الانتقالي أن يصطنع صلاحيات لا تؤهله لها طبيعة تكوينه، ولم تضفها عليه القوى الأساسيَّة التي فجَّرت ثورة نيسان (أبريل) 1985م وكلَّفته بتسيير شؤون الحكومة أثناء السنة الانتقاليَّة؟"
بسبب انشغالها بالخلافات الحزبيَّة وقضايا أخرى لم تتمكَّن حكومة السيِّد الصَّادق المهدي من اتخاذ أي إجراء يرمي إلى إعداد مسودة الدستور الدائم للسُّودان حتى أطاح بحكومته العميد يومذاك عمر حسن أحمد البشير على رأس انقلاب عسكري كانت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة وراءه، وعمل النِّظام الجديد – فيما بدا – بالدستور السُّودان الانتقالي للعام 1985م حتى العام 1998م.  حتى قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م فلم يستطع الصَّادق المهدي إلغاءها، وهو الذي كان قد عارضها منذ الإعلان عنها في عهد حكومة الرئيس نميري العام 1983م، ودخل السجن بسبب معارضته إيَّاها، وظلَّ يردِّد في الحملة الانتخابيَّة بعدئذٍ بأنَّ هذه القوانين لا تساوي الحبر الذي كُتِب بها، ثم إنَّه هو الذي كان يردِّد القول دوماً بأنَّه كان على المجلس العسكري الانتقالي إلغائها انطلاقاً من "الشرعيَّة الثوريَّة"، وبخاصة "إنَّهم كانوا يجتمعون في غرفة واحدة"ّ!


للحديث بقيَّة،،،،