عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

     ما من سياسي سوداني ، أضاف لقاموس السياسة من جديد التعبير وغريبه ، مثلما فعل السيد الصادق المهدي ، رئيس حزب الأمة ، وامام الأنصار الحالي  ؛ فمنذ عهد ( السندكالية ) في ستينيات القرن الماضي – والتي اتخذ منها رسام الكاريكاتير المشهور، المرحوم  عز الدين عثمان مادة لرسوماته لسنوات لاحقة – وحتى تعبير ( السودان العريض ) الذي خرج به علينا الامام الصادق المهدي ، الاسبوع الماضي ، عقب توقيعه مذكرة تفاهم  مع الحركة الشعبية في عاصمة الجنوب مدينة جوبا ، أدخل الرجل للقاموس السياسي السوداني آلاف الكلمات ومئات التعبيرات المميزة !!

     في عهد التعددية الثالثة ( 1985-1989 م ) كانت لرئيس الوزراء ، الصادق المهدي ، جملة من التعبيرات التي سار بها الركبان ، ومن أشهرها قوله  في حوار له مع مجلة ( الأشقاء )  تعليقا على ما أثارته سياسة وزيره للتجارة ، الدكتور محمد يوسف أبو حريرة ، عن الحزب الاتحادي  ، والذي كان أول من سمح باستيراد الخراف الاسترالية للسودان ، أن الدكتور أبوحريرة : ( كمن وجد شطة في الجو فعطس ) !!

   وحينما وقع غريمه السياسي ، وحليفه في الحكومة الائتلافية حينها ، مولانا محمد عثمان الميرغني ، زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي ، اتفاقية مع الحركة الشعبية في نوفمبر 1988م ، والتي عرفت في تاريخ السياسة السودانية باتفاقية الميرغني – قرنق ، وأثار ذلك ضجة اعلامية ومعارضة داخلية ، لما تضمنته من حديث عن تجميد قوانين الشريعة الاسلامية ( قوانين سبتمبر ) لأجل غير مسمى ؛ وجد رئيس الوزراء – حينها – نفسه في موقف محرج ، فلا هو يريد أن يبصم على ما فعله منافسه السياسي ، ولا هو يود أن يرفضه ، فأعمل نظره وعصف ذهنه وخرج علينا بمقولته المشهورة أنه يقبل ( الاتفاقية بتوضيحاتها ) !!

   وفي عهد ( الانقاذ ) ، الذي قضى المهدي ما انقضى منه معارضا ، أضاف الرجل الى القاموس الكثير ، فمنذ أيامه الأولى ، اعتبر المهدي أنه  يمثل الشرعية الدستورية القائمة على التفويض الشعبي ، بينما يمثل الحكام الجدد شرعية الأمر الواقع الثورية ، وذلك وفق ما احتوت المذكرة التي عثر عليها في معيته حينما داهمته أجهزة الأمن في أحد بيوت حي العمارات في الخرطوم  ، مرورا باختياره الاسم المستعار ( تهتدون ) لعملية خروجه متخفيا من السودان في أواخر العام 1996م ، قبيل الهجوم اليوغندي –الأثيوبي – الاريتري ، المتزامن على شرق السودان وجنوبه ، والى حين عودته في عملية ( تكسبون ) التي أعقبت اتفاقية جيبوتي مع المؤتمر الوطني في 1999م ، والتي قال عنها الصادق أنهم ( ذهبوا ليصطادوا فأرا فاصطادوا فيلا )  ثم ما تضمنته مؤلفاته المتعددة ، ورسائله الى زعماء العالم كالراحلة بناظير بوتو ، والمقيم باراك أوباما ، لكن الذي رسخ أكثر من غيره ، وتداوله الناس ، هو ما استعاره الامام الابن ، لمناسبة توقيع اتفاق التراضي الوطني ، من مقولة جده الامام المهدي : ( من فش غبينتو خرب مدينتو ) !!

    الذي نريد الوقوف عنده اليوم ، هو قول السيد الصادق  ان ( السودان الجديد ) الذي تدعو له الحركة الشعبية ، هو ذاته ( السودان العريض ) الذي يؤمن به ويسعى لارساء دعائمه ، وليس هو ( سودان التمديد ) الذي يقيمه المؤتمر الوطني ، أو كما قال الامام (!!) ولعمري فان هذا لا يشبه شيئا كشبهه  لما درج عليه سياسيون وتنفيذيون ( من عندنا ) من أهل  الحكم الحالي  من تصريحات خارج نطاق المهام الموكولة اليهم ، كحديث وزير سابق للزراعة ، نشرته الصحف قبل أيام من أن ( الغرب باعنا أسلحة فاسدة ) مع ضرورة اعادة التذكير بأن الوزير السابق يتحدث عن أسلحة وليس عن أسمدة !!

   تصريحات وتعبيرات الامام الصادق ، عقب عودته من جوبا ،  اعادت الى  ذهني جوانب من الحيثيات التي قامت عليها حرب الجنوب في دورتها الأخيرة ( 1983- 2005م ) وما تضمنه البيان التأسيسي للحركة الذي أعلن  في السادس عشر من مايو 1983م ، والذي أدخل لقاموس الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب تعبيرات جديدة ، نام مؤسسو الحركة عن شواردها ، وسهر المحللون جراء البحث عن معانيها واختصموا ؛ وذلك من على شاكلة الحركة الشعبية ( لتحرير السودان ) ومقولة ( السودان الجديد ) !!

   من من تريد الحركة أن تحرر السودان (؟)  سؤال لم تطرح له الحركة نفسها اجابة واضحة حتى الآن ، على الرغم من أنها أصبحت شريكا في حكم ( السودان القديم ) الذي يذهب البعض الي القول أن الحركة تريد أن تحرره من قديمه هذا في سياق سعيها لاقامة سودان جديد ، معتبرة أن مقولة ( من نسى قديمه تاه ) من المقولات والحكم الشعبية المندثرة  ، أو أن الحركة نفسها تاهت وهي تجهد نفسها في مقاربة بين شعارات الثورة ومنطق السياسة والدولة .

   ان ( توهان ) الحركة الشعبية ، وهي تمارس السلطة ، لم تعد تستعصي رؤيته على أي شاهد عيان ؛ فقيادة الحركة التي ظلت تقود الحرب على أساس أنها حركة وحدوية ، وتقول أنها خاضت معاركها الأولى ضد الانفصاليين الجنوبيين من أمثال وليم شول وصمويل قاي توت ، يصعب عليها اليوم أن تتحدث عن الوحدة – التي خاضت من أجلها الحرب كما تقول – الا مقرونة بكلمة ( جاذبة )  !!

       كما أن من شواهد توهان الحركة التي ظلت - حتى الآن - تقدم نفسها لجمهور الشعب السوداني عامة ، ولأهل الجنوب خاصة ، بأنها نصيرة المظلومين وحامية حمى المهمشين ، والداعية الأمين لنظام مترع بالعدالة والحرية والشفافية والنماء ، هو أنها تقدم اليوم نموذجا مغايرا في الحكم ؛  واذا كنا يمكن أن نجد عذرا للحركة في أن شريكها في حكم الشمال ، المؤتمر الوطني ، حال بينها وبين تجسيد رؤاها هذه على أرض الواقع ، حسدا من عند نفسه ، فانه من العسير أن نجد منطقا يدعونا لأن نبرر الوضع الذي عليه جنوب السودان اليوم ، وللحركة فيه الحكم المطلق  !!

     بعض الداعمين لاتفاقيات نيفاشا ، من القوى الغربية ، كانوا يعتقدون أنه بمضى العامين الأولين  من الفترة الانتقالية ، فان الجنوب من السودان سيصبح مثل هونج كونج من الصين ، فكل ما يفتقده مواطنو ( الوطن الأم ) من نعمة الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي ، واتساع دائرة الحريات السياسية والمدنية  ، وحتى ( الأشياء الصغيرة ) التي حرم النظام الاسلامي مواطنيه منها في الشمال ،  سيجدونها في الجنوب ؛ لكن من أسف أن جوبا أضحت أشبه بمكب للنفايات لا يقصدها الا تجار السلع الفاسدة منتهية الصلاحية ، وأضحت تهم الاستبداد والفساد والقمع وحتى التصفية الجسدية للمعارضين ، تتطاول يوما بعد يوم أمام الحاكمين ، في ظل توتر أمني وسياسي يكاد يشعل حربا أهلية داخل الجنوب نفسه  !!

  وتبخرت أحلام الجنوبيين والشماليين معا ، وأصبح جنوب السودان هو ( الترلة ) التي كل ما أضيفت حمولتها من احصائيات الأمراض الخطرة كالايدز أو احصائيات الاستقرار الأمني أو التطور السياسي أو مدى الشفافية ومحاربة الفساد ، الى الحمولة الأصلية ، تراجع ترتيب السودان في قوائم التصنيف الدولي  ، بدلا من أن يكون الجنوب هو ( رأس ) القاطرة التي تجر وراءها باقي الوطن كما أراد له البعض !!

   حديث السياسيين من أهل الشمال والجنوب ، وتوصيفاتهم لأوضاع أوطانهم ورعاياهم ، المعتمد على دغدغة المشاعر ومداعبة الأحلام ، كالحديث عن السودان الجديد أو العريض ، يصبح بلا جدوى اذا لم يقترن ببرامج عملية مقنعة ، على أساسها يفوض الناخب هذا الحزب أو ذاك لمقاعد السلطة ، ويحاسبه اذا لم يف بما وعد ، وهو أمر ظلت السياسة عندنا تفتقده منذ ما قبل الاستقلال ( انتخابات 1953م ) وحتى يومنا هذا ، فقد ظلت التعبئة السياسية والتفويض الشعبي يقومان على عامل القبيلة والجهة ، مقرونا بعامل المال والجاه ، لا على عامل البرامج السياسية والاجتماعية ، والرؤية للكيفية التي تدار بها الدولة  لتجلب للناس المنفعة والمصلحة وتدرأ عنهم المفسدة ، وما لم يتبع السياسيون مقولاتهم الهلامية  بالأفعال الموجبة ، فان نظرة رجل الشارع لرجل السياسة لن تتغير من كونه شخص يبحث عن مصلحته هو لا مصلحة من يتصدى لقيادتهم أو لتمثيلهم ، حتى ولو ألحق السياسيون لمقولاتهم تلك التوضيحات اللازمة !!

  وأخشى ما يخشاه المرء هو أن يظل الغموض يكتنف الشعارات التي ترفعها قوى سياسية ذات تأثير ووزن في الساحة كحزب الأمة والحركة الشعبية ، وأن تفشل هذه الأحزاب – كما فشلت من قبل – في ترجمة تلك الشعارات الى برامج انتخابية وخطط  للتنمية والنهوض واضحة المعالم ، فنقبل على الانتخابات القادمة ، ونحن نؤسس لفوضى جديدة وعريضة بدلا من سودان جديد أو سودان عريض !!

 

 عن  صحيفة :  (الصحافة )