يا "لَلْخِتْيَارِ" فِى البَرْزَخِ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتْ!
جَلْسَةُ سَمَرٍ مَعَ "العَدُوِّ الاسْرَائِيلِىِّ" فِى "الصَالوُنِ الفِلِسطِينى"!
بقلم/ كمال الجزولى

(صفحة من مفكرة شخصيَّة قديمة تحمل تاريخ العاشر من سبتمبر عام 1987م. أعادنى إليها مرأى عرفات يخرج للشمس ، لأول مرة ، شاحباً ، منهكاً ، من عرينه الذى ظلَّ رابضاً فيه زهاء الثلاث سنوات ، وهو يرسل ، برغم الألم الممض ، قبلاته المرحة من على سلم الطائرة إلى شعبه الذى يبصره بالكاد من خلف هالة كثيفة من الدمع الهتون .. ودعوات ملايين القلوب والحناجر تشق عنان السماء له بالشفاء).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ "هل وصل محمود درويش أو أحمد عبد الرحمن" ؟
كان ذلك أول سؤال وجهته للاخوة ممثلى منظمة التحرير الفلسطينيَّة لدى استقبالهم لى برفقة اثنين من موظفى الأمم المتحدة بمطار جنيف ، والتى كنت قد وصلتها فى تلك الساعة المتأخرة من الليل ، على طائرة الخطوط السويسريَّة الفاخرة ، للمشاركة باسم اتحاد الكتاب السودانيين فى مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمنظمات غير الحكوميَّة NGOs حول القضيَّة الفلسطينيَّة ، بقصر الأمم ـ Palais des Nations ، خلال الفترة من 7 الى 9 سبتمبر 1987م.
كان يهمنى جداً أن التقى على هامش المؤتمر بأحد الرجلين لنحسم ، وفق اتفاق سابق ، أمر بعض المسائل المعلقة بيننا وبين الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، تطويراً لبروتوكول تفاهم مشترك كنا وقعناه معهم ، الشاعر الياس فتح الرحمن وشخصى ، بمقرِّهم فى قرطاج مطلع تلك السنة. وكان لحدب أبى عمار الشخصى ، وثقته غير المحدودة فى النفوذ المدنى لاتحادنا ، على أيام الديموقراطيَّة الثالثة ، القدح المعلى فى بلورة تلك المسائل ، وعلى رأسها مشروع (جامعة القدس بالخرطوم). وعند استقباله لنا فى الجزائر ، بمناسبة تلبيتنا الدعوة للمشاركة ، بصفة المراقب ، فى المؤتمر التوحيدى للاتحاد الفلسطينى المنشق ، حتى ذلك الوقت ، إلى ما كان يُعرف ، وقتها ، (بمجموعة صنعاء/درويش) و(مجموعة دمشق/علوش) ، وكنا أسهمنا مع آخرين فى جهود استعادة اللحمة ولمِّ الشمل ، كان لا بُدَّ أن تطربنا كثيراً إشارة القائد الاستثنائىُّ الفذ إلى أنه لمس ذلك النفوذ المدنىَّ بنفسه ، لا فى التقارير التى كانت تصله فحسب ، بل ومن خلال زياراته المختلفة للسودان بعد انتفاضة أبريل 1985م. وتذكرت ، بالفعل ، كيف كانوا يوقظوننا ، أيامها ، منتصف الليل ، ليخطرونا بأن (الختيار) وصل الخرطوم فجأة ، وأنه يسأل عنا بإلحاح ، وكان ذلك يسعدنا بصفة خاصة.
واستطراداً ، فإن من دلائل ثقته تلك أنه طلب منا ، فى لقاء الجزائر ، أن نحث منظمات المجتمع المدنى فى السودان لاحتضان مؤتمر للعمال العرب كانت المنظمة تحتاجه بإلحاح لدعم (انتفاضة الحجارة) التى كانت قد دشنت انطلاقتها الماجدة ، أوان ذاك ، للتو ، وكانت بعض (الجهات) تعمل على عرقلة انعقاده! واستطراداً أكثر ، فقد تساءلت بينى وبين نفسى ، حين سمعت منه ، مباشرة ولأول مرة ، أثناء ذلك اللقاء ، وصفه (لأطفال الحجارة) بأنهم (جنرالات) الثورة الفلسطينيَّة الجُدد: ترى كم تبلغ نسبة الشهداء من (الجنرالات) العرب (الكبار) الموشحين بالأوسمة والنياشين ، مقارنة بالشهداء من أولئك (الجنرالات الصغار)!  
ـ "درويش لم يحضر ، ولكن أحمد موجود بفندق الانتركونتننتال مقر إقامة الوفود" .. أفادنى عنصر المنظمة النشط وهو يضع حقيبتى فى صندوق السيارة.
فى الصباح كانت ردهات الفندق الفخيمة وأبهاء قصر الأمم الباذخة تغصُّ بعشرات الوجوه الفلسطينيَّة ، ولا غرو ، فأولئك هم أصحاب (العرس) ، ابتداءً من (الختيار) نفسه الذى تقرر عقد المؤتمر خصيصاً بالمقر الأوربى للأمم المتحدة لكى يتمكن من مخاطبته ، وإلى جانبه محمود عباس (أبومازن) وشفيق الحوت وأصدقاؤنا فى الاتحاد: أحمد عبد الرحمن ومحمود خزامى وكمال بلاطة وبسَّام أبو شريف وعبد الرحمن مرعى أبو فارس وحسن الكاشف وريموندة الطويل وكثيرون غيرهم.
لم أستغرب أن يحضر من (داخل الداخل) الشاعر توفيق زياد ، عمدة الناصرة ، وقتها ، وعضو الكنيست الاسرائيلى ، فقد زجَرَتْ ذلك (الاستغرابَ) قامته التاريخيَّة المديدة كأحد مؤسِّسى شعر المقاومة الفلسطينيَّة الذى لعب دور المحفز الأكبر لوجداننا ، نحن جيل التعاطى العاطفى مع القضيَّة ، بقدر ما استغربت لغياب درويش ، سيِّد الشعر العربى المعاصر بلا منازع ، وعضو اللجنة التنفيذيَّة لمنظمة التحـرير ، ورئيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، والذى كان يقيم ، أوان ذاك ، على مرمى حجر .. فى باريس ، علماً بأن الحدود السويسريَّة مع فرنسا تقع داخل مطار جنيف مباشرة! ترى ما الذى حال دون حضوره؟!
كان هنالك أيضاً ، كما كنت أتوقع ، العشرات من قيادات منظمات المجتمع المدنى العربيَّة ، وجلهم من الكتاب والسياسيين والمهنيين البارزين ، من خالد محى الدين والشرقاوى واليوسفى وأبو عيسى وحمروش وعونى فاخر إلى أديب الجادر وخيرات عبد الهادى وميَّادة عباس ومنى مكرم عبيد وغيرهم. وكان طبيعياً كذلك أن أرى أهل المنظمة الدوليَّة ومستشاريها المعنيين بالشأن الفلسطينى مباشرة: دييغو كوردوفاز ممثل الأمين العام فى المؤتمر ، وماسامبا سارى أستاذ العلوم السياسيَّة بجامعة نورث ايسترن ، وابراهيم أبو لغـد ، وجوزيف فرنر ريد ، ونسيم ميرزا وغيرهم. بل ولم تثر دهشتى حتى رؤية العضو الديمقراطى المعروف بالكونغرس الأمريكى نك جو رحال ، أو غوردون بيلنى رئيس لجنة العلاقات المشتركة والدفاع فى البرلمان الاسترالى ، أو هيث نيلسون مكارى السناتور فى البرلمان الكندى ، أو فينوغرادوف وزير خارجية روسيا السوفيتية آنذاك ، أو محمد شاقى أغوانى رئيس جامعة جواهر لال نهرو بنيو دلهى ، أو جيمس غراف أستاذ الفلسفة بجامعة تورنتو ، أو ديفيد واتكينز مدير مجلس التفاهم العربى ـ البريطانى ، أو الكثيرين غيرهم من الفرنجة والأفارقة والآسيويين من شتى الملل والنحل.
نعم ، لم يثر استغرابى رؤية أىٍّ من أولئك ، ولا وجودهم بذلك الكمِّ الهائل ، كما لم تثر دهشتى دقة التنظيم والاشراف الذى باشرته منظمة التحرير بنفسها ، بأكثر مما فعلت الأمم المتحدة ، فقد أتيح لى أن أقف ، من قبل ، على مثل هذه القدرات الرفيعة لأجهزة المنظمة الفلسطينيَّة بما يفوق قدرات كثير من الدول العربيَّة ، فى أكثر من مؤتمر وأكثر من مناسبة!
وحدها رؤية ما تنشأنا عقيدياً ، وترعرعنا عاطفياً ، وتشكلنا وجدانياً ـ نحن جيل حركة التحرُّر العربيَّة بكلِّ دوىِّ خـُطبها وجلجلة أشعارها وصداح أناشيدها ـ على تسميته (بالعدوِّ الاسرائيلى) ، وسط كل ذلك الحشد ، وبترحيب من منظمة التحرير ، هى التى أربكتنى ، وزلزلت كيانى ، وهزتنى من الأعماق! فقد كان هنالك أيضاً ماتيتياهو بيليد عضو الكنيست وأستاذ الأدب العربى الحديث بجامعة تل أبيب ، والدكتور عمنون زيخرونى المدير التنفيذى للمجلس الاسرائيلى (للسلم) الاسرائيلى ـ الفلسطينى ، وأوزى بيرنشاتين عضو المكتب السياسى لراكاح ، والذى ما أن انتهى الخِتيار من خطابه فى الجلسة الافتتاحية حتى انطلق يجمع توقيعات الاشادة به والتأييد له من عشرات الأعضاء فى الوفد الاسرائيلى الضخم الذى يضم ممثلى ما يسمى بحركة النساء الديمقراطيات فى اسرائيل ، والجبهة الديمقراطيَّة للسلام والمساواة فى اسرائيل ، وحركة تضامن الطلاب اليهود والعرب (كامباس) وغيرهم. حتى مدرخائى زانونو ، الذى كانت محاكمته تجرى وقتها سراً أمام محكمة عسكرية اسرائيليَّة ، وجد سبيلاً لتوزيع بيان باسمه فى المؤتمر ، يطالب بمحاكمة علنيَّة يستطيع من خلالها أن يوصل دفاعه للعالم (ملحوظة: تذكرون بالطبع زانونو الذى أطلق سراحه مؤخراً بعد أن انتهت مدة سجنه). وهو عالم الذرة الاسرائيلى الذى أقدم ، من موقع عمله فى المفاعل النووى (للدولة العبريَّة) ، على كشف المعلومات الكاملة عن برنامجها السِّرِّى لتطوير الصواريخ حاملة الرؤوس النوويَّة بعيدة المدى ، وفضح نواياها (العدوانيَّة) لإدخال الصراع فى المنطقة بأسرها فى العصر النووى ، مما أثار هلعها وأقام قيامتها عليه!
ولكن هذا (التواصل الحميم) بلغ ذروته عندما دُعينا ، ذات استراحة بين الجلسات ، إلى (مؤانسة) غير رسمية فى ضيافة (الختيار) بجناحه الذى يشغل طابقاً بأكمله بين طابقين مكتظين بحرَّاسه ومساعديه. ولكثرة العدد وضيق المكان ، أو ربما لأن المضيف أراد ذلك ، وجدنا أنفسنا متكدِّسين ، متلاحمين ، متزاحمين مع (العدوِّ الاسرائيلىِّ) وجهاً لوجه ، وكتفاً لكتف ، وساعداً لساعد ، داخل الصالون الصغير الملحق بالجناح ، وتحت الاضواء المتلاصفة لكاميرات الصحافة والتلفزة العالميَّة! حانت منى التفاتة فوجدت مجلسى ، مصادفة ، إلى جانب الشرقاوى ، ولم أكن تعرفت عليه شخصياً ، من قبل ، سوى للحظات ، حين قدمنى اليه أبو عيسى فدعانى لتناول القهوة وتبسَّط معى. لذلك جرؤت على أن أهمس فى أذنه بتلقائيَّة متخابثة: "أستاذ .. أوَليس فى وجودنا هنا خيانة للأمة العربيَّة"؟ أفلت ضحكة مباغتة وغمغم دون أن يلتفت نحوى: "ما تبقاش بربرى متخلف .. حنخون مين يا عمِّ واحنا ضيوفهم"؟! ثم ما لبث أن ربت على يدى بعفويَّة أبويَّة وهو يقول بإلفة حانية: "دلوقتى هنشوف من سُكات"!
وقعدنا ساكتين ، نتفرج على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت! مشهد فريد يستحيل نسيانه! الاسرائيليون يتقدمون الى حيث (الختيار) رابض كالليث فى كرسيِّه الوثير فى صدر المجلس، قترته تاج على رأسه ، وغدارته رمز فى خاصرته ، حُرَّاسه الشخصيون يتحلقون حوله بأعين صقريَّة ، و(الأعداء) يقفون بين يديه بنصف انحناءة ، يتقدَّم الواحد منهم ليقبل جبينه قبل أن يخاطبه برهبة وتبجيل وإجلال! وإن أنسى فلن أنسى ، ما حييت ، منظر ذلك النقابى العمالى الاسرائيلى القصير النحيل ، وأظنه من (السفارديم) ، ينحنى مبهوراً تماماً ، ليعتذر بصوت متهدِّج وأدب جم عن عدم إجادته للغة الانجليزيَّة ، لغة (المؤانسة) ، فإذا بالمرحوم توفيق زياد ينهض ليترجم من وإلى العبريَّة. قال الرجل (للختيار) بإيماءات أرسطوطاليسيَّة مؤثرة: "ليس العرب وحدهم هم الذين ينتظرونك يا أبا عمار ، بل ينتظرك معهم كلُّ فقراء إسرائيل وكادحيها"! حانت منى التفاتة إلى (الختيار) ، فألفيته مصبوباً فى بزته الحربيَّة كنصب جليل من المرمر النادر أنجزه مثال إغريقى قديم ، وألفيت عينيه تشعَّان بذلك الوميض الغامض أو الغموض الوامض ، وألفيت ثغره الطفولىَّ يفترُّ ، وسط أكمة شاربه ولحيته ، عن ابتسامته المعهودة التى تمزج بين الرضا والثقة والزهو والفخار.
تذكرت حينها كيف كانت قد انغرزت فى شراييننا عميقاً ، كنصل خنجر ، أنشودة فيروز والرحابنة: "وستغسل يا نهر الأردن آثار القدم الهمجيَّة". وتذكرت الهمس الذى كان دائراً حول (حوار) يجرى هنا وهناك لإقامة الدولة الفلسطينيَّة فى الضفة والقطاع ، وتذكرت كيف أجابنى شاعر فلسطينى صديق من أبناء جيلنا ، صارخاً كما الملدوغ ، حين سألته فى مقهى الفندق عمَّا إذا كان سيذهب ليعيش فى الدولة الجديدة: "أخى كمال .. بيتنا فى الناصرة ، ومفتاحه ما يزال متوارثاً ومعلقاً حتى الآن على جدار شقتى فى دمشق ، إيش اللى يودينى القطاع"؟! ثم أردف بشتيمة فلسطينيَّة فكِهة! على أن عينيه برقتا ، مع ذلك ، بإعزاز حقيقى ، وراح يعبِّر عن ثقته العميقة (للختيار) ولدرويش ، حين تطرقنا بوجه مخصوص للتصريح الذى كان أطلقه الشاعر الكبير ، قبل ذلك بوقت قصير ، عبر الصحافة الفرنسيَّة ، قائلاً: "أنا على استعداد لمحاورة أىِّ مفكر أو كاتب اسرائيلىٍّ شريطة أن يعترف بحقوق الشعب الفلسطينى غير القابلة للتصرُّف"! (ملحوظة: قد تبدو تلك العبارة الآن عادية ومفهومة تماماً ، اتفق الناس أم اختلفوا حولها ، سوى أن المسافة كانت ، يومذاك ، ما تزال جدَّ شاسعة بين تابوهات الفكر السياسى العربى وبين واقع النضال الفلسطينى على الأرض ، وكان "الحـوار" و"الحـرام" ما يزالان ، بعد ، فكرتين متلازمتين فى الذهنيَّة العربيَّة العامَّة ، وكانت (أوسلو) ما تزال نطفة تتخلق بعيداً بعيداً .. فى رحم الغيب)!
عدت أتابع وقائع (المؤانسة). وللحظتين بدا أن القلق زايلنى ، حين سطع ، بغتة ، فى ذاكرتى أيضاً وصف درويش (للختيار) ، على أيام حصار بيروت الأسطورى ، أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن المنصرم ، بأنه "صاحب الحذاء الذى يطأ جبين الشمس ، والخطو الذى يتنقل باتساع الأفق"! فما لبثت أن انتقلت إلىَّ عدوى الرضا والثقة والزهو والفخار! للحظتين فقط .. ثم سرعان ما عاودنى القلق: "مَن هؤلاء الفقراء والكادحون؟! ومَن هؤلاء الكتاب والمفكرون؟! هل واحد منهم على استعداد للتنازل ، طوعاً ، عن نصيبه فى (تركة الاغتصاب) ، والعودة ، طوعاً ، من حيث أتى ، إلى أىِّ (غيتو) فى هذا العالم الفسيح؟! أليسوا أجمعهم احتياطياً استراتيجياً (لجيش الخلاص)؟! أتراهم ، حين يلتحم (الجـمعان) ، يقولون: لا ، سنحارب إلى جانب عرفات .. المخلص الذى ننتظر"؟!
الأسئلة البسيطة فى المناخ المعقد تورث الرهق! وقد أرهقتنى ، بالفعل ، ودارت بذهنى دوراناً عنيفاً أورثنى الإعياء والنعاس ، فغفوت هنيهة ، أو هكذا بدا لى ، حتى نبهتنى حركة الأقدام والهمهمات وصوت الشرقاوى الشارق بالضحك يهمس فى أذنى: "خلاص إصحى بقى يا بربرى .. المولد خلص"!