لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (2)
بقلم/ كمال الجزولى

 (1)
(1/1) نوَّهنا ، فى الحلقة الأولى ، بالمكانة الخاص التى تفردها مواثيق حقوق الانسان الدولية لضرورة نشر الوعى بهذه الحقوق ، باعتباره الضمانة الأكبر لحراستها ، بالاضافة للاهتمام المتعاظم الذى توليه أوسع الدوائر المجتمعيَّة المدنيَّة ، فى العالم وفى السودان ، لقضايا تعليم هذه الحقوق وتجويد مناهجها. ونفذنا ، من ثمَّ ، إلى الأهمية الاستثنائية لإدماج هذا الحقل المعرفى الحديث فى الدراسات الجامعية لما توفره من برامج أكاديمية متقدمة ، وما تتيحه من بيئة بحثية مطلوبة لتطويرها.
(1/2) ونظرنا ضمن هذا الاطار ، فى خبرة الجامعات الأوربية التى أدرجت تدريس حقوق الانسان كمادة منفصلة ضمن كليات القانون والعلوم السياسية. وأشرنا إلى أن الاهتمام الحقيقى بهذه القضية نبع من داخل المجتمع المدنى العربى ، وبالأخص من خلال الجهود التى ظل يبذلها اتحاد المحامين العرب بالتضامن مع المنظمة العربية لحقوق الانسان وكليات الحقوق فى عدد من الجامعات فى الكويت ومصر وغيرها.
(1/3) أما فى السودان ، وتحديداً فى أعرق جامعاته ـ جامعة الخرطوم ، والتى نتخذها نموذجاً معيارياً لأغراض هذا المبحث ، فقد أشرنا إلى الغياب التاريخى لمادة (حقوق الانسان) عن برامج كلياتها المختلفة ، بما فى ذلك كلية القانون ، علاوة على ما ظلَّ يشهده سِجلها من إنتهاك صارخ ، حتى وقت قريب ، لحقوق طلابها فى إقامة اتحادهم ، ولحقوق أساتذتها ومستخدميها ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابية ، مِمَّا يتناقض ومناهج (الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه) الحديثة. وقلنا إن العمل ظل جارياً فى كلية القانون على تدريس (حقوق الانسان) ، لا كمادة منفصلة ، وإنما ضمن قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والقانون الدستورى والقانون الدولى.
(1/4) وأشرنا ، بوجه خاص ، إلى فرصتين لاحتا لتدريس هذه المادة باستقلال ، ولكنهما أهدرتا تباعاً: الأولى مطلع سبعينات القرن المنصرم ، عندما أوشكت الجامعة على استيعاب (نظام الساعات المعتمدة) فى برامجها لولا اصطدامها بالنقص فى هيئة التدريس بسبب الهجرة المستمرة. والثانية مع بداية ثمانينات ذلك القرن ، عندما يسَّر قبول دفعة صغيرة من القضاة المبعوثين للتحضير لدرجة الماجستير لأول مرة عام 83/84 إلى إدراج مادة (حقوق الانسان والحريات الأساسية) ، مع التركيز على تجميع ما يتعلق بها من قوانين وممارسات وسوابق سودانية ، بغرض تأسيس (مركز) يشكل حلقة وصل فى هذا المجال بين الكلية والكليات الأخرى ، وبين الجامعة والمجتمع. إلا أن الإدارة رأت أن يكون المشروع جزءاً من (مركز دراسات السلام) الذى كانت قد سعت لإقامته آنذاك ، لكنه لم ينجح.
(1/4) مع ذلك ، وبما أنه لا مناص من التطور ، فقد دَعَوْنا للتأمُّل فى جدوى إدراج برامج خاصة (بحقوق الانسان) ضمن المرحلة الجامعية ، ومسوِّغات الربط فى هذه البرامج بين حقل المعرفة القانونية وحقول المعارف الاجتماعية والانسانية الأخرى. ولأن هذه المسألة تحتاج ، فى رأينا ، إلى جهد جمعىٍّ يعمل على تجميع عناصرها من مختلف التخصصات والمدارس ، فقد نوَّهنا إلى أننا سنحاول تقـديم مساهمة متواضعة ، وبمنهج يقوم على إضاءة بعض المداخل ، فحسب ، صوب ما نعتقد أنه يشكل فضاءها الفكرى ، وفى ما يلى نواصل:

(2)
(2/1) للتحقق من طبيعة العلاقة التى تصِل بين هذه الحقول المعرفية نحتاج ، بادئ ذى بدء ، إلى تحديد صارم ودقيق لنسق المفاهيم والمصطلحات المستخدمة. فالحديث عن (حقوق) الانسان هو ، بوجه من الوجوه ، حديث عن (القانون) ، وإن كان لا يقتصر عليه وحده كما سنرى لاحقاً. والقانون ، كمؤسَّسة طبقية المضمون فى عناصرها الجوهرية ، هو جماع القواعد التى تقرِّرها الدولة لضبط العلاقات الاجتماعيَّة وفق أعمِّ القيم التى تعكس مصالح الطبقة السائدة اقتصادياً ، وبالتالى سياسياً. "فقاعدة القانون إنما تصدر عن الارادة الشارعة للمسيطر على الجماعة فى صورة أمر .. مقترن بما يضمن إحترامه من جزاء ، غايته الحقيقية حماية مصالح الفئة المسيطرة" (سامى عبد الحميد ، 1984م). وينتمى القانون إلى البناء الفوقى superstructure الذى تشكل معطياته الأساسية مستوى الوعى الاجتماعى السائد. بهذه الكيفية ، وأخذاً فى الاعتبار بالبطء النسبى الذى يَسِمُ حركة التغيير فى هذا البناء، فإن القانون يتمظهر ، شكلاً ، كقوة خارجية محايدة ، على حين أن الدولة التى هى توأم القانون من حيث هى الأداة التنظيميَّة الشاملة لسلطة الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصادياً ، والتعبير الأكمل عن إرادتها السياسيَّة ، تستخدِم ، لضمان إنفاذه ، ترسانة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه ، إلى الحد الذى يمكن معه القول بأن "كل نظام قانونى يعكس مبادئ النظام الاجتماعى الذى يروم تنظيمه" (و. فريدمان ، 1964م).
(2/2) وربما كان من الميسور ، ضمن هذا الاطار الفكرى ، ملاحظة الفارق بين طلاقة التوقير التى تحظى بها ، فى المجتمعات البدائية أو شبه البدائية ، قواعد السلوك العام المرعية بالتراضى ، ومكانة الشيوخ المسلم لهم عن طيب خاطر بمراقبة ذلك ، وبين الكلفة العالية (لفرض) هذا (الرضاء) من جانب جهاز الدولة فى المجتمعات الحديثة نسبياً.
(2/3) بهذه الدلالة يمثل القانون مؤسَّسة اجتماعية ، أى شكلاً تاريخياً تفرض الطبقة السائدة بموجبه رؤيتها (لحقوق) الأفراد والجماعات فى شتى مجالات العمل وروابط العائلة وعلاقات الملكية وما إلى ذلك ، وفق قواعد معيّنة تتحدَّد بأسلوب الانتاج فى المجتمع ، وطابع العلاقات بين مختلف طبقاته وفئاته وشرائحه.
(2/4) القانون ، إذن ، مفهوم ملتبس ، يعبِّر بشكل قامع عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء من المجتمع ، بينما يزعم قدرته على الإحاطة بكل قيم ومثل هذا المجتمع. لذلك ، وعلى حين يجرى تصوير القانون كأداة خارجية محايدة ، تعبر عن الجميع ، وتنتصب فوق الجميع ، وتحوز على قبول الجميع ، لتحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعيين ، فإنه ، فى حقيقة الأمر ، يشكل ساحة صراع اقتصادى سياسى واجتماعى تاريخى.

(3)
(3/1) ولأن (العدالة) تأتى على رأس المعايير التى تنضبط بها معادلة (الحق والواجب) فى الذهنية والوجدان العامَّيْن ، بحيث تضمن السلطة قدراً معقولاً من القبول بتلك القواعد الحقوقية فى علاقات الناس فيما بينهم ، من جهة ، وفيما بينهم وبينها من الجهة الأخرى ، وهى علاقات اقتصادية سياسية فى المقام الأول ، فمن اللازم إذن التمييز بين مفهومى (القانون) و(العدالة) من زاوية عمل السلطة ومشرِّعيها ، لا من زاوية عمل القاضى المستقل بالطبع. ذلك أنه إذا كان القانون أداة ضبط سلطانية ، وأن نصوصه تتنزل على الأغلبية ، كما أشرنا ، دونما اعتبار لإرادتها ، توهُّماً من عند السلطة بأن (العدالة) سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، فإن (العدالة) ، فى حقيقتها ، نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، و".. شعور كامن فى النفس يكشف عنه العقل السليم ، ويوحى به الضمير المستنير" (كمال عبد العزيز ، بدون تاريخ). وعند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا خاطب وليم تمبل كبير أساقفة كنتربرى قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة" (لورد ديننج ، 1982م). وإذن ، فالنزوع إلى العدل وكراهة الظلم أمران متجذران فى عمق الفطرة الإنسانية ، وقد جرى التعويل عليهما دائماً ، عبر كل مراحل تطور المجتمعات البشرية ، لمواجهة القمع السلطانى الذى هو طبيعة متأصلة فى القانون ، والتخفيف من غلوائه فى كثير من الحالات ، بل وكسره فى غير القليل منها.
(3/2) ومن ثمَّ ، فإن أكثر التيارات سلطوية فى العصر الحديث أصبحت تعى ، ولو من باب الحرص على استقرار سلطتها نفسها ، ضرورة ألا تصطدم القاعدة القانونية بشكل مباشر وصارخ ، فى أىٍّ من سياقيها التشريعى أو القضائى ، بروح المجتمع ، أو بتطلعات المحكومين فيه إلى الحياة الأفضل ، أو بنضالات الأقسام المتقدمة منهم لخلق الوجود المغاير ، وأن تنفتح ، بقدر أو بآخر ، لاستيعاب تصوراتهم الفطرية عن الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والجمال والقبح ، والرذيلة والفضيلة .. الخ.

(4)
(4/1) ولئن كان علم القانون معنياً ، عموماً ، بدراسة مصادر وميكانيزمات عمل القواعد القانونيَّة ومعاييرها المتغيَّرة ، من خلال فروعه التقليدية التى يشكل كل منها ، بدوره ، علماً قائماً بذاته ، كالقانون الجنائى والمدنى والادارى والدستورى والدولى وقوانين الاجراءات والاثبات .. الخ ، فإن أغلب هذه الفروع أضحت تتشقق هى نفسها ، مع التطور الاقتصادى والسياسى والعلمى والتقنى الهائل فى كل مستويات البنى الوطنية والاجتماعية والدولية وغيرها ، إلى مباحث مستقلة يتجه كل منها لتأسيس علم أدق ، من جهة ، وأوثق ، من الجهة الأخرى ، بمنظومة الدراسات والبحوث العلمية فى حقول الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والدين والأخلاق والفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية التى تشتغل على خلفيَّة تلك المصالح والإرادات المصاغة فى صورة هذه القواعد القانونيَّة.
(4/2) ولمَّا كان ذلك كذلك ، فإن مِمَّا يمحق ، يقيناً ، أية فائدة مأمولة من وراء أى درس فى القانون الخطة الكاسدة التى تنتزعه من مجاله الطبيعى ، كعلم إنسانى يتكامل مع سائر هذه العلوم الانسانية بأكثر من وشيجة معرفية وفلسفية ومنهجية ، لتحيله إلى محض برنامج دراسى معزول فى قشور فنياته TECHNICALITIES ، من شاكلة التصنيف الكرونولوجى البحت لبروز القاعدة القانونية ، دون اعتبار لأهمية السبر التاريخى لخلفية هذا البروز من الجوانب الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية ، وكذلك توصيف بنية المادة ، وعناصرها ، والنطاق الجغرافى لانطباقها ، ومدى تأثير نفوذها على أى تشريع آخر ، وما إذا كانت أحكامها وجوبية أم جوازية ، وما إذا كان القانون نفسه ، الواردة ضمنه ، عاماً أم خاصاً ، وما إلى ذلك.
(4/3) وإذن ، لئن كان من غير الممكن ، من جهة ، تصوُّر (القانون) بدون (المجتمع) و(الدولة) ، والعكس صحيح ، فمن غير الممكن ، من الجهة الأخرى ، تصوُّر معرفة (القانون) بمعزل عن أىِّ قدر من معرفة (العلوم الاجتماعية والانسانية) الأخرى التى يشكل (المجتمع) و(الدولة) محورها ، والعكس صحيح أيضاً.

(5)
(5/1) وقد أدى اضطلاع الدولة بوظائف خارجية ، فى مرحلة محددة من تطوُّر المجتمعات الانسانية ، إلى ظهور وتطور (العلاقات الدولية) ، الأمر الذى أفضى ، بدوره ، إلى ظهور وتطور (القانون الدولى) منذ القرن السابع عشر ، بخاصة ، وحتى العصر الحالى ، كفرع مستقل فى علم القانون ، وكجملة من قواعد السلوك التاريخية المتغيِّرة ، والمنظِمة للعلاقات الاقتصادية السياسية بين الدول ذات السيادة SOVEREIGNTY  ، والتى اعتبرت ، على يد الفقيه جروتياس وغيره من مؤسِّسى القانون الدولى الكلاسيكى ، بمثابة الأشخاص الرئيسة فى حقل العلاقات الدولية والقانون الدولى ، كما اعتبرت الاتفاقيات والمعاهدات بينها ، ثنائية كانت أم جماعية ، بمثابة المصدر الرئيس (للقاعدة الدولية).
(5/2) وإذا كان القانون الداخلى يستند فى إنفاذ قواعده إلى تدابير الجزاء ، كما سلفت الاشـارة ،  فإن القانون الدولى يستند بالمقابل ، كنظام وضعى ، إلى وسيلة إخضاع قـد تبدو ، للوهلة الأولى ، كما لو كانت مُشرعة فوق جميع الدول ، غير أنها ، فى حقيقتها ، نتاج الرغبة الذاتية فى عدم التخلف عن المشاركة فى الأشكال الجماعية لصون تلك القواعد بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ، كاتفاقيات التعاون المشترك ومعاهدات عدم الاعتداء .. الخ (ف. ليسوفسكى ، 1970م). ومع ذلك فلا يصحُّ إطلاق القول بتخلف الجزاء فى حقل القانون الدولى الذى يعرف هذا التدبير أيضاً ".. كعنصر جوهرى من عناصر القواعد الوضعية المكوِّنة له" (سامى عبد الحميد ، 1984م) ، بل إن النظام القانونى الوضعى لا يقوم ، أصلاً ، "إلا إذا كانت هناك جزاءات مادية تضمن احترام نصوصه" (سرحان ـ ضمن المصدر).
(5/3) وفى عصر تكوُّن القانون الدولى كانت العلاقات الدولية محصورة فى مجموعة صغيرة من الدول (أوربا وأمريكا) ، بينما كانت بقية العالم موزعة بين دول معزولة عن مجرى هذه العلاقات ، كاليابان ، وبين بلدان ترزح تحت التبعية للسيادة الأوربية. ولم تكن حتى تلك المجموعة الصغيرة ، والتى قامت على علاقاتها أسس القانون الدولى المعاصر ، لتهتم بالشؤون الداخلية لبعضها البعض ، بحكم طبيعة أنظمتها وأيديولوجياتها (ملوك ودوقات وحكام جمهوريات مدن .. الخ). ولذلك فقد اقتصرت قواعد القانون الدولى القديم على العلاقات الدبلوماسية لجهة حَلحَلة مسائل السيادة على الأقاليم ، وتنظيم الحروب ، والاعتراف بالحكومات ، والحصانات الدبلوماسية ، والأوضاع القانونية لعرض البحار ، وما إلى ذلك (فريدمان ، 1964م).
(5/4) أما حقوق الأفراد فقلما كانت ترد ضمن اهتمامات القانون الدولى التقليدى ، كحماية رعايا الدول فى أراضى الدول الأخرى مثلاً (المصدر نفسه). وحتى الحرب العالمية الأولى لم يكن المجتمع الدولى قد أقرَّ سوى عدد محدود من الاتفاقيات التى تلامس حقوق الانسان ، كتحريم الرق والقرصنة ، بالاضافة إلى بعض القواعد التى تنبغى مراعاتها أثناء الحروب بموجب إتفاقيات لاهاى لسنة 1899م و1907م. وأخيراً أقرَّ الفقه الدولى التقليدى مشروعية التدخل من أجل الانسانية ، وإن كان ذلك قد اعتبر فى مصلحة الدول الكبرى وعلى حساب الدول الصغرى (علوان ، 1989م).

(6)
(6/1) لكن ، وعلى الرغم من أن علم القانون الدولى ما زال يشتغل ، بصورة رئيسة ، على نظام العلاقات الدولية ، إلا أن التغيرات الهائلة فى بنية هذه العلاقات منذ جروتياس حتى العصر الحاضر ، تطلبت إعادة فحص أسسها السياسية والاجتماعية ضمن التطور الذى جرى على صعيد بنية العلاقات الوطنية (الداخلية) أولاً ، وبشكل ملحوظ منذ القرن الثامن عشر ، قبل أن يمتد إلى بنية العلاقات الدولية لاحقاً ، ليترك أثره الواضح على بنية القانون الدولى الحديث أيضاً ، وبالضرورة.
(6/2) ومن أهم النتائج المترتبة على تلك المراجعات ما توصل إليه فقهاء وكتاب القانون الدولى (فريدمان ، 1964م مثلاً) ، حول تصاعد الصراع الوطنى والاجتماعى ، والانقسام الأيديولوجى ، والأحداث الثورية العظمى خلال القرنين الماضيين ، منذ الثورة الأمريكية ، وبخاصة إعلان الاستقلال عن انجلترا لسنة 1776م ، والتعديلات العشرة الأوائل على الدستور الفيدرالى لسنة 1791م ، والثورة البرجوازية الفرنسية وما نتج عنها من إعلان حقوق الانسان والمواطن لسنة 1789م ، وتطويره لاحقاً فى الدستور الفرنسى لسنة 1848م ، بالاضافة إلى مرسومى (الأرض) و(السلام) اللذين تمخضت عنهما ثورة أكتوبر 1917م الاشتراكية فى روسيا. لقد أثر ذلك كله على تطور الأنظمة السياسية ، وجرت تحوَّلات ديموقراطية عميقة ، وظهرت دول إشتراكية سرعان ما ارتقت إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى ، وصعدت حركات التحرر الوطنى التى أفضت إلى انهيار النظام الاستعمارى القديم ، وحصول الشعوب المستعمرة على استقلالها السياسى ، وتنامى مطالبتها بحقها فى المشاركة بثروات العالم وموارده الطبيعية ، وظهور المزيد من الدول الجديدة ذات السيادة فى مجرى العلاقات الدولية الذى لم يعد حكراً على الملوك والشرائح الارستوقراطية العليا ، بل أخذ يرتبط بالعمليات الدستورية والسياسية الداخلية ، وأصبح توجيه الشؤون الخارجية خاضعاً للرأى العام والمناقشات الواسعة فى الصحف ووسائل الاعلام المختلفة.
(6/3) وتبعاً لذلك لم يعد الامتياز الحكومى مطلقاً حتى فى مسائل الشؤون الخارجية والدفاع ، بل مقيداً بدساتير مكتوبة تصدرها السلطة التشريعية لممثلى الشعب المنتخبين فى البرلمان ، فأصبحت علاقة القانون (الدولى) بالقوانين (الداخلية) فى كل دولة عصرية مسألة سياسية وقانونية عامة فى المقام الأول. ومن ثمَّ أصبحت العلاقات الدولية موضوعاً مشاعاً للفلسفات السياسية الرئيسة المتصارعة حول محدِّدات السلطات الحكومية وحقوق الشعوب والأفراد فى التعبير والتنظيم والتعليم والثقافة والصحة والمشاركة ، عموماً ، فى إدارة المصالح العامة ، بما فى ذلك الاقتصاد والملكية وحرية النشاط المستقل للحركات النقابية العمالية وغيرها ، واحترام سائر الحقوق المدنية والسياسية.
(6/4) وقد شكل ذلك كله معبراً أفضى لانفتاح العلاقات الدولية على قضايا الاقتصاد والاجتماع والثقافة ، مثلما تعمَّق الاهتمام بالتعاون الدولى من أجل درء الحرب والتعايش السلمى وبرامج التنمية الدولية وما إلى ذلك. وكان طبيعياً أن يتلازم مع هذه التطورات ازدياد الاحتياج إلى تعميق مفاهيم التنظيم الدولى المعبِّر عنها ، مما انعكس فى المشوار الذى قطعه المجتمع الدولى من ميثاق عصبة الأمم لسنة 1920م فى عقابيل الحرب العالمية الأولى ، إلى ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945م مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، علاوة على المنظمات الاقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقى لاحقاً) وغيرها.
(6/5) ولأننا لسنا هنا بصدد البحث التفصيلى المتمكث فى هذه التطورات ، فسنكتفى بالاشارة إلى أحد أهم الآثار المترتبة عليها ، وهو التنامى المضطرد فى الاهتمام بمسائل لم تكن فى العادة محل نظر القانون الدولى القديم ، مثل قضايا السلم ، وتقرير المصير ، ورفاهية الشعوب ، ومحاربة الفقر ، وحماية البيئة ، والتنمية المستدامة ، وحقوق الأفراد ، ليس فى أزمنة السلم فقط ، بل وفى ظروف الحرب أيضاً ، أو ما يعرف (بالقانون الدولى الانسانى) وما إلى ذلك. فالقانون الدولى التقليدى لم يكن يتدخل فى كيفية معاملة الدولة لرعاياها ، معتبراً ذلك ضمن اختصاصها الداخلى. وفى إثر هذا التطور درجت الدول على تضمين دساتيرها لائحة بالحريات والحقوق bill of rights. لكن ، ولأن الخبرة التاريخية أثبتت أن ذلك وحده لا يضمن تمتع الانسان فعلياً بهذه الحريات والحقوق ، فقد كان لا بد من وضع ضمانات إضافية ذات طابع دولى هذه المرة (علوان ، 1989م).
(6/6) ذلك هو السياق الذى نشأ وتطوَّر فيه المفهوم المعاصر (لحقوق الانسان) ، وفق الصياغة الجماعية الدولية للقواعد والمعايير وأنظمة الجزاءات التى استقرت بها هذه الحقوق كباب فى علم القانون الدولى الحديث ما بين عهدى (عصبة الأمم) و(الأمم المتحدة) ، ثم انطلاقتها الكبرى تحت رايات التحرر الوطنى والسلام العالمى فى أجواء ما بعد الحرب الثانية بطابعها الديموقراطى العام ، مِمَّا هيَّأ لإصدار جملة من الوثائق القانونية الدولية الجديدة ، وعلى رأسها (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) فى 10/12/1948م.
                                                                    (نواصل)