انتهى زمن الهاء الشعوب بالنزاعات الخارجية
لو تجاوزنا بشكل مؤقت فقط، مسألة قطع اليدين والأصابع وما أدراك مما ورد في خطاب رئيس الجمهورية، باعتبار أن ليس من مهام رئيس الجمهورية فعل ذلك أو الأمر به، فإننا نجد خطاب رئيس الجمهورية عند افتتاح شبكة كهرباء قري، يحمل قرارا مهما تحدث رئيس الجمهورية عن دراسته وحسابته، يظل قرارا خاطئا لسببين:- السبب الأول أنه يضر بالمصالح الوطنية للسودان، والسبب الثاني أنه يخالف إتفاقية موقعة بين دولتين ولم يتبع الإجراءات المنصوص عليها في الإتفاقية لإنهائها مما يجعل جمهورية السودان عرضة لدفع تعويض عما يحدث من خسائر ناتجة عن عدم اتباع الإجراءات. ولكن لنعود لتفاصيل السببين الذين نخطأ قرار الرئيس على أساسهما.

قرار ضد المصلحة الوطنية للسودان
أما السبب الأول فهو الحاق قرار الرئيس أضرارا بمصالح البلاد الوطنية.
ولعل أول هذه المصالح هو المصلحة الإقتصادية المباشرة والمتعلقة بما سيجنيه السودان من فوائد إقتصادية من ضخ البترول الجنوبي عبر أراضيه وهي فوائذ مالية بالنقد الأجنبي يحتاج لها السودان إحتياجا ملحا في ظروف أزمته الإقتصادية الحالية وخاصة وفقا لما قدمه وزير المالية من بيان عن أداء الميزانية والإقتصاد الوطني في الربع الأول من عام 2013. فقد أعلن الوزير علي محمود أن الفجوة في ميزان المدفوعات بلغت 4.9 مليون دولار مقارنة بفائض 1.2 مليون دولار نهاية الربع الاول للعام 2012 وأن ميزان الخدمات والدخل والتحويلات من المغتربين في ميزان المدفوعات وحده يواجه عجز بلغ 159 مليون دولار ، وانخفضت قيمة الصادرات بنسبة 13.3% بينما ارتفت قيمة الواردات بنسبة 11.7% . .  بل أن الوزير أضح أن عجوا في الموازنة الداخلية (نقص الإيرادات عن مقابلة المنصرفات) بما يعادل 1.4 مليار جنيه وذلك خلال ثلاثة شهور فقط! ولاحظ أن هذه هي الشهور التي تبلغ فيها الإيرادات قمتها (تحصيل الرخص والضرائب السنوية). وتحدث الوزير عن أرتفاع معدل التضخم خلال الربع الأول هذا العام مقارنة بالعام الماضي ونضيف من عندنا أن التضخم في الربع الأول من هذا العام قد بلغ 46%. وأن الكتلة النقدية زادت في هذا الربع وحده بما يساوي 14.5 مليار جنيه وهكذا زادت أيضا استدانة الحكومة من بنك السودان بلغت 250 مليون جنيه وهي تشكل 40% مما خطط في الميزانية أستدانته من البنك المركزي خلال عا 2013 كله!
إذا كان الوضع الإقتصادي ردئ لهذا الحد فلم يقفل رئيس الجمهورية أحد أهم المنافذ المضمونة العائد لتخفيف حدة التدهور، فالعائذ من رسوم ضخ النفط ومعالجته وما أرتبط به من منحة جنوبية سيدر ما يعادل أكثر من ملياري دولار في العام بالنقد الأجنبي ستساعد ميزان المدفوعات ويساعد مقابلها بالنقد المحلي إيرادات الميزانية العامة ويخفض العجز في الإثنين.
بل أن القرار يلحق أضرارا إقتصادية أخرى بالبلاد فهو دون شك سيؤثر على التجارة بين البلدين مما سيفقد السودان عائدا صافيا من النقد الأجنبي قد يصل هو الآخر لمليار دولار. كما يلحق القرار ضررا كبيرا بحوالي 8 مليون مواطن يعيشون في الولايات المتاخمة للجنوب ويستفيدون من مراعي الجنوب!

القرار يخل بالتزامات السودان
إن التوقيع على إتفاقية ثنائية ليس أمرا بسيطا، فالإتفاقية عقد والعقد عقيدة المتعاقدين هذا من ناحية عامة، ولكن فيما يتعلق بالإتفاقية بين حكومة جمهورية السودان وحكومة جمهورية جنوب السودان حول البترول والأمور الاقتصادية، فهي إتفاقية توضخ بداية سريانها، ومدتها وكيفية توقف تنفيذ بعض بنودها وكيف إلغائها. وليس في الإتفاقية ما يجيز لرئيس الجمهورية أن يتخذ قرارا فوريا بوقف ضخ النفط الجنوبي عبر الأنابيب الشمالية ومعالجته وتصديره لبورتسودان إلا إذا حدثت أسباب فنية وإقتصادية تستدعي ذلك وفي هذه الحالة ووفقا لنص المادة 3.7   "  إذا أصبح تشغيل عملية المعالجة غير مستمر لسبب فني أو اقتصادي ، تقوم حكومة جمهورية السودان بإخطار حكومة جمهورية جنوب السودان كتابة ً بنيتها قبل (60) يوما على الأقل من توقف عمليات الإمداد المزمع. وبعد التشاور مع حكومة جمهورية جنوب  السودان ، يجوز لحكومة جمهورية السودان ايقاف عملية تشغيل تلك المرافق التي عجزت عن لاستمرار. "
أما السبب الثاني والذي يجوز فيه لجمهورية السودان إيقاف انتقال النفض ومعالجته عبر أنابيبها ومعاملها وموانيها فهو في حالة عدم إيفاء حكومة جنوب السودان بإلتواماتها المالية تجاه حكومة جمهورية فوفقا للمادة 6 .1 .4     "بالإضافة إلى ممارسة حق الحجز لاستيفاء الدين كما هو منصوص عليه في الفقرة 6-1-2   يحق لحكومة جمهورية السودان تعليق معالجة ونقل كمية النفط المستحقة لحكومة جمهورية جنوب السودان حتى يتم استيفاء الدين المطلوب. وسيظل أي تعليق لمعالجة ونقل كمية النفط المستحقة لحكومة جمهورية جنوب السودان سارياً حتى تقوم حكومة جمهورية جنوب السودان بمعالجة وضع سداد الدين وفقاً لهذه الاتفاقية. " وإذا لم تقم حكومة الجنوب بتسديد إلتزامتها بعد التعليق فوفقا للمادة 6.1.5 " اذا فشلت حكومة جنوب السودان بعد تعليق نظام  المعالجة والنقل في سداد المبلغ مستحق الدفع وبعد انقضاء مدة 60 يوما منذ تعليق خدمات المعالجة والنقل ، يحق لحكومة السودان إغلاق نظام المعالجة والنقل حتى يتم دفع الدين خلال 7 أيام عمل ويسبق ذلك إشعار خطي."  وفي هذه الحالة يمكن لحكومة السودان أن تستعمل نص المادة 6.1.6 التي تقول: " يحق لحكومة السودان وضع حدا لهذه الاتفاقية خلال سبع أيام عمل ويسبق ذلك إشعار خطي لأي من الأسباب الآتية:
أ‌-    إذا استمر إغلاق تسهيلات المعالجة و النقل لأكثر من 60 يوما  مع فشل حكومة جنوب السودان في معالجة الخطأ.
ب‌-    إذا أقدمت حكومة جنوب السودان على خرق مادة من مواد هذه الاتفاقية ولم تتم معالجة هذا الخرق في خلال 60 يوما من تاريخ  صدور الاشعار من قبل حكومة السودان لحكومة جنوب السودان لمعالجة هذا الخرق. "
ت‌-    أما إذا أتخذ قرار إغلاق الأنابيب وإيقاف المعالجة لغير الأسباب المذكورة فهو يعتبر خرق جوهري للإتفاقية مما يترتب عليه تفعيل المادة 6.2.3 والتي تنص: "/2/3 ستقوم حكومة جمهورية السودان بتعويض حكومة جمهورية جنوب السودان وتعتبرها غير مسئولة عن أي خسارة أو تجاه أي ضرر، بما في ذلك مصروفات التقاضي وتكلفة المحاكمات ورسوم النيابة التي قد تتكبدها حكومة جنوب السودان سواء نشأت مباشرة أو غير مباشرة عن أي طلبات، مطالبة، تصرف أو بسبب دعوي قضائية يرفعها أي شخص لإثبات أي ضرر أو خسارة مالية تنجم عن فشل حكومة جمهورية السودان في دفع أو التخلص من أي التزامات مالية نيابة عن حكومة جمهورية جنوب السودان للشركات العاملة فيما يتعلق بإتهامات تتعلق بالعمليات والنقل عبر المرافق الموجودة لدى جمهورية السودان أو نتيجة إغلاق مرافق المعالجة والنقل الذي أمرت به حكومة جمهورية السودان في خرقٍ جوهريٍ لهذه الاتفاقية. "
وهنا تكمن خطورة إضافية من قرار الرئيس، فهو لا يضيع على السودان إيرادا بالنقد الأجنبي، بل قد يكلفه نقدا أجنبيا، إما هو لا يملكه أو في أكثر الحاجة له لدفع فواتير القمح والدواء ومدخلات الموسم الزراعي!!

هل هناك أسباب أخرى؟
ولكن السؤال الموضوعي الذي يقفز للذهن لماذا يتخذ رئيس الجمهورية قرارا مثل هذا وهو يقول أنه قد درس القرار وليس نتيجة هوجة، ولماذا لم تتضح مسالب القرار لدى مستشاريه ونوابه ومساعديه ووزرائه الذين يدفع عليهم شعب السودان دم قلبه؟ أم أن المسالة هي مجرد تهويش يسمح للحكومة خلالها رفع الدعوة للإنخراط في العمل العسكري برسم صورة للحرب الأهلية الدائرة بأنها حرب مع دولة أخرى أجنبية؟ أم أنها وسيلة للدفاع من حكومة السودان ضد الإتهام الذي قالت حكومة الجنوب أنها تملك دليل قاطع له بعد عودة بعض متمرديها بدبابات وأسلحة من الجيش السوداني؟ أم أن المسألة تمهيد لتنفيذ توصية البرلمان وصندوق النقد الدولي بزيادة أسعار المحروقات والسكر مرة أخرى؟
هل تعتقد الحكومة أنها بإتفاقها مع العراق قد أمنت إستيراد حاجتها من النفط بتسهيلات وبالتالي تستطيع أن تمارس ضغطا على جمهورية السودان؟ ولكن ألا تنسى الحكومة أن البترول العراقي تحت النفوذ السياسي والإقتصادي للسياسة الأمريكية؟
مهما قلبنا النظر في القرار فهو قرار خاطئ وينبغي التراجع الفوري عنه.

Sidgi Kaballo [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]