بقلم/ كمال الجزولى
لم أستطع أن أفهم على وجه اليقين سرَّ احتياج الدكتور غازى صلاح الدين للاشارة ، فى صدر مقالته عن (انقسامات الحركة الاسلاميَّة) بصحيفة الشرق الأوسط ـ 5/10/2004م ، إلى (المحرِّض) المباشر الذى دفعه لكتابتها. ذلك أنه ، وبصرف النظـر عمَّا إذا كان ذلك (المحرِّض) ، أو لم يكن ، (كرة ملتهبة) ألقى بها فى وجهه ، على حدِّ تعبيره ، الكاتب الصحفى حسن ساتى من خلال مناقشة جرت بينهما بلندن ، فإن د. غازى هو ، من قبل ومن بعد ، أحد أبرز قياديى ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى السودان ، والأمين العام السابق لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ، والمستشار السابق لرئيس الجمهوريَّة لشئون السلام.
بالتالى ، وبحكم هذه الكيفيات الفكريَّة والحركيَّة والتنفيذيَّة ، فإن مساهمة الرجل بالكتابة فى الشأن العام ، وشأن حركته وتجربتها فى (الحكم) بالذات ، يعتبر انعكاساً منطقياً ، بطبيعة الحال ، للتفكير المستمر الذى لا يهدأ حيال كلِّ هذه الهموم ، ولا بُد ، لديه كما لدى غيره من قادة حزبه ومفكريه ، مِمَّا لا يحتاج إلى (كرات لهب) خاصة يلقى بها فى الوجوه (للتحريض) على هذه المساهمة!
مهما يكن من شئ ، فقد استوقفنى فى هذا الأمر الطريقة التى تعاطى بها د. غازى مع حُكم محاوره بأن الحركة الإسلاميَّة ".. تلبُّست بجرم التشرذم والانقسام على كعكة السلطة فقط ، وليس على معالجة مصطلح الخطاب ولا مبادئه ومضامينه". وأدهشنى ، بصورة مخصوصة ، العـبور الخفيف للدكتور من فوق هذا النقد بقوله: ".. فالذي يتثبت لدىَّ فى هذه القضية الشائكة ، هي أنها برمَّتها مندرجة تحت لافتة أخرى .. هي (الإسلام والحكم) ، والتي أرى أنها تمر بمخاض صعب وامتحان عسير".
هكذا أراد د. غازى الافلات من إسار ذلك النقد المحدَّد ، محاولاً نقل القضيَّة برمَّتها إلى إطار آخر أكثر (ملائمة)! سوى أن عبارته المقتضبة لم تفلح إلا فى إعادة إنتاج (المعضلة الخوارجيَّة) القديمة ذاتها: (الاسلام والحكم) ، مستخدمة الفعل المضارع فى وصفها بأنها "تمُر بمخاض صعب وعسير" ، ومشيحة ، فى نفس الوقت ، عن حقيقة كونها لم تغادر محطة (مخاضها العسير) هذا منذ اللحظة التاريخيَّة التى غرُبت فيها شمس الخلافة الراشدة ، عشيَّة انقلابها إلى مُلك عضود ، يوم رفع الخوارج مصاحفهم على أسنة رماحهم ، معلنين (ألا حكم لبشر وأن الحاكميَّة لله) ، مع أنه لا بُد من (بشر) يدَّعى ، فى كلِّ الأحوال ، معرفة مخصوصة بحكم الله لإنفاذه على المحكومين ، ورغم الحديث الشريف "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" (رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل) ، وحتف أنف كل النصوص الناصعة والفقه السديد مِمَّا تبيَّن به ، وبجلاء ، أن (أصول) الإيمان ثلاثة لا رابع لها: الألوهية ، والنبوة ، واليوم الآخر ، فليس من بينها مبحث (الامامة/الخلافة) الذى يندرج تحته الفكر السياسى فى تاريخ الاسلام وتراث المسلمين (د. محمد عمارة ؛ الاسلام والسلطة الدينيَّة ، ص 77). فليس من فراغ ، إذن ، أن الكرار رضى الله عنه دمغ ذلك الشعار الخوارجى بأنه "كلمة حقٍّ يراد بها باطل" (نهج البلاغة ، ص 65).   
ثم يمضى د. غازى مضيفاً: ".. إن المنطلق والمبرِّر الأساسي لحاكميَّة الإسلام يقوم على ركيزة أنه وحين يحكم ، فلا بُدَّ له أن يحكم بقيم رصينة وعالية" .. الخ. وهكذا ، أيضاً ، لا تفعل هذه العبارة المقتضبة أكثر من إعادة إنتاج ذات المشكلة التى ظلت تعانى منها حـركة الاسلام السياسى ، ليس فى السودان فحسب ، وإنما فى المنطقة بأسرها ، أى المشكلة القائمة فى الاستجارة (بنظام القيم) بدلاً من إنتاج (نظام للمفاهيم) ، مِمَّا اشتكى من جدبه وسقمه حتى بعض رموز ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى المنطقة ، كعبد الله فهد النفيسى وغيره.
لقد انصرفت مقالة د. غازى عن مجابهة النقد الأساسى لانشقاقات الحركة الاسلاميَّة بأنها لا تتمحور حول معالجة مصطلحات خطابها ومفاهيمه المبدئيَّة ، بل حول (كعكة السلطة) ، مثلما انصبت بكليَّاتها على اصطناع المماهاة المرغوب فيها بالنسـبة للحركة ، على تنوُّع (عناوينها) ، فى ما بينها من جهة وبين الدين نفسه من الجهة الأخرى ، فما بلغت ، بالنتيجة ، أكثر من ترجيح كفتها على كل الحركات السياسيَّة الأخرى في فلسطين ، والأردن ، ومصر ، وباكستان ، وإيران ، والعراق ، باعتبار أنها قد استحالت (مداً اجتماعياً) و(رمزاً لكبرياء الأمَّة) و(نظريَّة ومنهجاً يستعاض بهما عن المستوردات الغربيَّة والشرقيَّة). "ومن هنا فوجود الحالة السودانية في هذا المشهد ليس استثناء ، بقدر ما هو تجسيد متفرِّد لها بتجليات مختلفة أخذت بعداً تنظيميا وعملياً".
وبالطبع لا تعود ثمَّة مشكلة ، بنظر د. غازى ، بعد كلِّ هذا الترجيح الحاسم ، إلا فى ".. تفاوت النظر حول تطبيق المنهج الإسلامى في واقع معاصر" ، مِمَّا أدى ".. إلى حراك داخلي على مسائل فرضها ذلك الواقع". ونفهم من هذا أن (انشقاقات) الاسلاميين هى محض (تنوُّع) ناجم عن حراك (داخلهم) وحدهم بإزاء جملة قضايا معاصرة. أما (التنوُّع السودانى) فمحض خلفيَّة تكسب (تنوُّع) الاسلاميين السودانيين خصوصيَّته! وأما السؤال عن السبب فى تحوُّل (المدافعة) التى يستتبعها (التنوُّع) إلى تناحر داخل الحركة ، فإجابته فى درجة وجود أو غياب (السماحة الداخليَّة)! ولكن د. غازى يستدرك بأن ".. الغرابة تكمن في أننا كأنما لو كنا أمام تجربة لم تترسَّخ فيها بعد تقاليد عريقة وأدب واضح من ثقافة الاختلاف والمدافعة السلميَّة". فهو يرى أن ".. الحركة الإسلاميَّة كانت لها ، قبل أن تتقلد السلطة ، تقاليد شوريَّة داخليَّة تتسم بالكثير من السعة والقبول بتعدد الآراء ، فيما ضمر مثل ذلك التقليد لاحقاً" ، أى أن ما يجرى من تناحر داخل الحركة بعد وصولها للسلطة هو (الاستثناء) ، أما (القاعدة) قبل ذلك فهى (السماحة الداخليَّة)! ولكن الكاتب يكتفى هنا بالتوصيف ، ولا ينفذ للتفسير ، بل يتركه لنتائج العمل الذى تباشره حالياً "اتجاهات فكريَّة متعددة" من بين عضويَّة الحركة.
ورغم أن الدكتور يشدِّد فى مقالته على أهميَّة (الحراك) و(الاختلاف) و(قبول الرأي الآخر) لأن ذلك ، على حدِّ تعبيره ، ضد (السكون) على صعيدي الفكر والعمل ، إلا أن السياق الوارد فيه هذا التشديد ، وهو سياق الدعوة (للسماحة الداخليَّة) فى الحركة الاسلاميَّة ، لا يترك مجالاً لاعتباره ضرباً من التبنى الصريح للديموقراطيَّة فى الحكم وفى الحياة السياسيَّة خارج الحركة!
وفى الختام يحذر الدكتور من عواقب انتقاص تجربة السلطة من عطاء الدعوة والفكر ، دون أن "يعني ذلك التقليل من مركزيَّة السلطان في الفكرة الإسلاميَّة المعاصرة ، أو عدم الاعتراف بحيويَّة السلطة ، فهي مهمة ، ولكنها وحدها ، وفي غياب الآليات الأخرى ، يمكن أن تحيل التجربة إلى مغامرة سلطويَّة"!
الصحيح ، للأسف ، أنها أحالتها وانتهت ، وثمة ثلاثة أسباب جوهريَّة لذلك:
أولها أن الحركة انقضت بليل على تجربة ديموقراطيَّة كان المأمول أن تتضافر جهود القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة كافة لترسيخها وتطويرها حتى تغدو ، بالمران المستمر ، نمط حياة يكفل (السماحة) داخل المجتمع بأسره ، لا داخل جماعة واحدة فحسب.
وثانيها أن هذه الحركة تنشأت ، وما تزال برغم الاختلاف ولحين إشعار آخر ، على فكر د. الترابى القائم فى التحلل من (المثال الأعلى) ، وفى اتخاذ البراغماتيَّة مذهباً فى النظر للواقع ، وفى اختزال المجتمع كله إلى صورة الحركة. فهو القائل: ".. لا بد اليوم من أن ننسب الحديث عن النظام السياسى الاسلامى إلى الواقع حتى يكون هادياً فى حركة حياة المسلمين" (خواطر فى الفقه السياسى لدولة إسلامية معاصرة ، ص 5 ـ 6). وهو القائل إن الحركة انتقلت من مجرَّد الوقوف عند (المطلقات) و(المجرَّدات) و(العموميات) ، لتتطوَّر باتجاه (الواقعيَّة) ، "وبدأ الفقه لديها ـ من بعد التنطع النظرى والتحكم القطعى والعموم ـ مما هو ميسور فى طرح قواعد الدين الكليَّة ، يتجه نحو المرونة ، ويتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. ويتكيَّف حسب وجوه تطوُّراتها ووقائع تقلباتها .. وإذ لم يعد كله خطاب دعوة وجدل يورث الإقناع ، أو وعظ  يجيِّش عاطفة الإيمان ، إكتسب صفة .. خطاب البيان الذى يشرح ليهدى العمل ، وليمهِّد لتطبيق الأحكام .. ومن صور المنحى الواقعى فى فكر الحركة أنها آثرت (التفكر) على (التفيقه) .. تؤصل تحركها بالفكر وتصوب تفكرها نحو الواقع" (الحركة الاسلاميَّة فى السودان ، ص 218 ـ 219 ـ 220). وهو القائل إن من وجوه الكسب الذى هيَّأته انتفاضة 1985م لحركته فرصة ".. الاستيعاب للقدرات الشعبيَّة .. ومحاولة إدراج المجتمع كله فى الحركة ، فقد أخذت الجماعة تتحوَّل بطبيعتها نحو أن تكون المجتمع" (المصدر ، ص 35) ، بحيث يكون (انبثاث) هذه الجماعة ".. فى المجتمع بما يحيله كله إلى مثالها .. ينبغى أن تسعى الجماعة للتمكن فى مجتمعها تدرُّجاً حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصف وصورة" ، وبالنتيجة ".. تصبح هى المجتمع الجديد" (المصدر ، 130).
أما ثالث هذه الأسباب ، أخيراً وليس آخراً ، فهو أن الحركة التى قلصت ثوب السلطة عن طريق العنف إلى مقاس قامتها وحدها كان لا بُد لها من الاستمرار جدلياً فى ممارسة هذا التقليص من الخارج إلى الداخل ، ثم إلى داخل الداخل .. بالعنف أيضاً ، وبلا توقف!