يا وطن عند الشدائد
أو
ويتقاصر المقال في مقام من لهم في خدمة الشعب عرق ( الجزء الاول)

د. محمد عثمان الجعلي  
(دبي ابريل 2012)
(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. )

(رسالة عزاء تسلم ليد عبد القادر الرفاعي ومحمد طه القدال وعبرهما لمن يهمه الأمر ويحزنه)

"أنها الكائنات استضافتك في خدرها
قمُر العشيةٍ يصطفيك
وتحتويك لدى البكور
خيوط فجر وشًحتك بضوئها
شمسُ النهارٍ على جبينك لؤلؤة
وعلى ذراعك يستريح النيلُ
من عنت المسيرة في الهجير
من يا ترى يبكى لديك عليك
من؟
من يعزي فيك ....منْ ؟
من يا ترى يبكي لديك ....عليك....من؟"
(الراحل على عبد القيوم: من يعزي فيك من؟: ديوان الخيل والحواجز)


ما بعد الفاتحة:
"هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ
معجزةً تطهّرُنا بها
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا
من رجْسِها
حتى تصالحَنا السماءُ
وتزدَهِي الأرضُ المواتْ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ""
(عالم عباس)

رحل الفنان الموسيقار محمد عثمان وردي ولحقه سريعا إلى دار الخلود الشاعر محمد الحسن سالم حميد والسياسي المفكر محمد إبراهيم نقد... ثلاث ايقونات إبداعية ورموز  فكرية وتمائم إنسانية عظيمة أثرت العقل والوجدان السوداني وجاهدت (كل في ما يحسنه) في تطوير الوعي الجمعي والحس الإبداعي لأهل السودان..القواسم المشتركة بينهم كثيرة متعددة ليس أهمها على الإطلاق تلك التصنيفات الساذجة للبشر يمينا ويسارا.. ليس من بينها (ولا تهمنا مثقال ذرة) مربعات ودوائر التنميط والتسكين السياسي للمبدعين عبر الأطر الحزبية والمواعين الأيدلوجية ..ما يجمعهم كان أكبر من ذلك كثيرا وأعمق وأشمل..يجمعهم الحب الجارف للسودان بشرا وأديما وقضايا..تجمعهم إنسانية شفيفة..تجمعهم الهمة العالية واحترام الذات الذي لا يعرف حدودا ..تجمعهم عزيمة لا تلين في الدفاع عن الموقف ..يجمعهم إيمان مطلق بتجويد المنجز واستدامة العطاء...يجمع بينهم ويميزهم الأمتلاء بقيم الغبش وغمار الناس من الترابلة والرعاة والفعلة والبسطاء ...قيم الأنفة والشموخ والعزة والكبرياء ...قيم كانت وبقيت فيهم لم تربكها أو تزلزلها سلطنة المجد أو أغواء الشهرة أو أضواء النجاحات المتوالية ...قدرات على التوزان الإنساني الاخلاقي لا يحسنها ولا يقدر علي الإمساك الواعي بلجام جموحها وهواها إلا المعدودين من البشر الأسوياء... رحلوا جماعة وبلادنا تعيش الخطر المحدق في ان تكون أو لا تكون ...رحلوا جماعة وتركوا خلفهم بلاد تنتاشها شرور الدنيا ومكائد ابنائها ...رحلوا تباعا وكأني بهم في رحيلهم يستعيرون ويستعيدون ابيات سيدنا أبي الطيب المتنبيء الخالدات:
سُبحانَ خالِقِ نَفسي كيفَ لذّتُها    فيما النّفُوسُ تَراهُ غايَةَ الألَمِ
ألدّهْرُ يَعْجَبُ من حَمْلي نَوَائِبَهُ    وَصَبرِ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطُمِ
وَقْتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدّتَهُ    في غَيرِ أُمّتِهِ مِنْ سالِفِ الأُمَمِ
أتَى الزّمَانَ بَنُوهُ في شَبيبَتِهِ    فَسَرّهُمْ وَأتَينَاهُ عَلى الهَرَمِ

غادروا الفانية رهطا يهزج بحب الوطن الذي هو من الإيمان.. غادروا وطنا كان لهم في خدمته عرق وبذل...في مواكب تشييعهم تنادى اهل السودان جميعهم ...الاحزان وحدها هي من يعجم أعواد أهل السودان ويختبرها..الاحزان وحدها هي مجمرة الروح السودانية الحقة ..عند رحيل من لهم في خدمة الشعب عرق خرج الناس ...تنوع البشر واختلاف اللهجات والسحنات والاعراق والمنابت والتوجهات السياسية تلاشت تماما ..تماما تماما .. من بين دموع الرجال ونواح الثاكلات وزفرات المحزونين تلاقت كل مراثي و"مناحات" الغبش من كل مكان ... تلاقت في سيمفونية اسيفة ، حزينة بالغة الأسي.. من بين إرزام نحاس الحزن وآهات الفجيعة أكاد اسمع أميمة الخليل ومارسيل خليفة وهما يرددان بصوت خفيض محزون وقلب منقبض مكدود شعر طلال حيدر في من "لبسوا الكفافي ومشوا":

"لبسوا الكفافي ومشوا
وما عرفت مين هن..
ماعاد رح يرجعوا
ياقلب حاج تعن
لاحصان جايب حدا
ولا سرج عم بيرن"

بكل كوفيات المجد والفخار والعز مشى وردي وحميد ونقد ...ولكننا ، خلافا لفرسان طلال حيدر، نعرف من هم ...هم، بالمختصر المفيد ،من لهم في خدمة الشعب عرق ...هم من عناهم صلاح احمد إبراهيم في "نحن والردى"... هم من قال قائلهم وهو من الصادقين بأذن الله:
"ما انحنتْ قاماتُنا من حِمْلِ أثقال الرزايا
فلنا في حَلكِ الأهوالِ مَسْرى
وطُرُق

نترك الدنيا وفي ذاكرةِِ الدنيا لنا ذِكرُ ُ وذكرى
من فِعالٍ وخلُق
ولنا إرثُ من الحكمة والحِلم وحُبِ الآخرين
وولاءُ حينما يكذبُ أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشعب عَرَق"

يشهد الله، فالق الحب والنوى ورافع السماء دون عمد، أنهم كانوا كذلك ...جِّملوا حياتنا بعطاء العقل المستنير وبألوان الغناء الراقي والنشيد ..ذلك كان عند اقبال الدنيا ...وحين أدبرت الأيام علمِّوا الناس معاني البذل والتضحية والعشم والامل.. صحيح أنهم رحلوا عن فانية حيث "لا حصان جايب حدا ولا سرج عم بيرن".ولكنهم سيبقون طويلا طويلا في ذاكرة الامة ووجدان الشعب.. سيبقون ما حنت ورقاء على فنن الوطن وما شُد وتر صبابة في قيثارة تناجي المحبوب والمرغوب ناسا وديارا واوطانا واماني ...سيبقون في ذاكرة الامة ما صدعت بكلمة الحق وصوته ألسنة أقوام نذرت نفسها لمداواة علل الوطن وتضميد جراحاته.

الحزن القديم: "نورا ست الزمزمية" في زي زرقاء اليمامة:
الرؤيويون لهم قدرات الإنذار المبكر والإستشعار عن بعد.. وانا اطالع بعض شعر حميد توقفت عند ابيات في إلياذته "نادوس" ..أبيات تنضح إستشرافا ونبوءة ...فيها رؤية الفقد الوشيك ... أبيات من "الفلاش فورورد" ...أبيات تحدثنا عن الحال والمآل والناس يتدافعون تجاه "جبانات" البنداري وفاروق ...في ابيات حميد من كان يناجي من؟..كانت "نورا" ست الزمزمية" هي الأعلى صوتا وهي تناجي الراحلين إلى دار الخلود :

"الحال وراك كيفن تسر
باقيلك إنتي بلاك في زين
ما إتهشَّم إبريق الرضا
خنست نسيمات السمح
والبسمة زي حبة قمح
لفحه وطفر طيراً كتُر
أورث عصافيري الضنا
يبس غناها مع الفجر ؟؟

إلا ان بعض أعذب الشعر اصدقه ... فشعر الصادقين صادق ....بلاكم ما في زين.. شعر فيه رجاءات الناس وظلاماتهم ..آمالهم وشكواهم ......فيه اشواقهم وعذاباتهم ...شعر فيه التضاد القاتل بين الزين والرضا والسمح والقمح والعصافير والفجر من جانب ...وفيه التهشم والخنس واللفحة والضنا واليباس من الجانب الآخر ...ولكن كيف يتاتي الزين يا نورا؟... فأباريق الرضا قد تهشمت ونسيمات السمح قد خنست وحبة القمح قد لفحها الطير وفر ...كيف يمكن للحال أن يسر؟؟.

البلاد ومآلها في فقد من لهم في خدمة الشعب عرق تحكي عنها نورا ست الزمزمية..في مشهد نوراني كامل البهاء والصفاء ...في إطار روحي عظيم تصف نورا الفقد الكبير ... عند الفقد والجلاجل والنوازل يبحث الناس عن الملاذات الآمنة ...البحث عن المدد وعن السند وعن المتكأ ..في حجر البتول ..في سماحة السيد المسيح ...في شفاعة سيدي أبي عبد الله الحسين ...في الأضرحة والقباب والمآذن...تحكي كل المشهد نورا ست الزمزمية بلسان ذرب وبيان خلب وقلب روحٍ شربت من سلسبيل ماء الحضرة دناً في أثر كأس:

عانيت وراكي جنس عنا
بوّغ سهادي كرو النجوم
خطو المواويل إرتعش
حرّس عصاتي بنات نعش
دومست فوق حِجر البتول
هلوست بي صلب المسيح
دروش شردت من الضريح
شويمت بي ظلم الحسين
أومت عليْ كم ميضنة
(حميد : نادوس)

رحلوا ...رحل محمد عثمان وردي بعد نقش بديع على جدارية الوطن والانتماء والعاطفة.. أجيال من ابناء السودان تخرجوا من مدرسة وردي للغناء والنشيد والموسيقى..غناء للوطن وللحبيبة ..غناء نظيف في المبنى والمعنى ...غناء لم تلوثه مفردات هابطة ولا نغمات نشاز...غني للخير والحب والجمال كما ينبغى للغناء ان يكون ....محمد عثمان وردي علم الناس معنى احترام الفنان لنفسه ولفنه وإبداعه ..يختلف الناس حول وردي نعم ولم لا؟...يحترمونه جميعا؟ نعم.

حميد لا يشبه أحدا ولا احد يشبهه.. حميد هو أبو ذر غفاري الشعر ...فرادة في كل شيء ..قاموس شعري جديد تماما ...تراكيب عجائبية ومشاهد يصعب عليك أن تتخيلها حتى وانت تسمعها:
مرة شافت في رؤاها   طيرة تأكل في جناها
حيطة تتمغى وتفلع في قفا الزول البناها
اتسعت عيون أهل الخرطوم وعموم البنادر وهم يسمعون "كلام الجن" هذا قبل ان يرقصوا عليه على انغام عقد الجلاد غناءً يأتيهم سائغا سلسلا يخرجه التربال العبقري حميد من بين طين سواقي نوري وسراب صحراء بيوضة وحجارة سلوم الصلدة ...حميد وشعره افتتنان مجنون بالشعب والغلابة و"شفع العرب التعابى"...صوره الشعرية قيض لها المولى قنديلا بهيا آخر ...ثنائي مصطفي سيداحمد وحميد اجترح مشروعا للغناء للوطن تجاوبت معه افئدة قطاعات واسعة من شباب أهل السودان...مشروعهما فيه شيء من مشاريع وردي وخليل أفندي فرح ولكن إضافتهما كانت اوضح ...رحل القنديل أولا وتبعه طبيقه بعد أن ترك بصمات لا تزول على قماشة الإبداع الوطني.

ومن ثم رحل محمد إبراهيم نقد ...ترجل الفارس الثمانيني بعد ان ضحى بحياة كاملة مقابل تنوير ابناء الشعب السوداني وتوعيتهم وتعليمهم أصول الفداء وقواعد الوفاء وفنون العطاء...نقد تجاوز مجايليه من القادة السياسيين بمسألتين ارتبطتا بالسلوك والمنهج...سلوكا أخذ نفسه بشدة المتصوفة زهدا ونكرانا للذات...منهجا عكف على تطوير ذاته دفعا لمقولاته ورفدا لمعينات التوعية السياسية فأنجز اعمالا فكرية عالية القيمة ...على مستوى الفعل السياسي تحول الرجل في حياته لأسطورة ...لقد استقر في يقيني أن المهر الذي قايض به الشعب السوداني استيلاء العسكر (بمختلف منطلقاتهم السياسية) على السلطة كان اختفاء نقد ..ثلاث مرات حكموا ..ثلاث مرات أختفي...سحر الرجل انه طور العلاقة الطردية الموجبة المنتجة بين مدد اختفائه ودرجات عطائه وبذله الفكري وإثرائه التوعوي...المئات من أقرانه من اهل السياسة عاشوا العلن الفاضح الذي طابقه وكان عنوانه الابرز الاختفاء الفكرى والخواء الإنساني .. حياته كانت اختفاء في علن الحضور الواعي ..اختفى طويلا فتذكره الناس دوما ...أكرمه المولى بالحكمة ووهبه حب الناس في وقت عزت فيه الفطنة وندرت الحكمة وتقاتل الناس على حطام الزائلة...حياة محمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي السوداني صفحة من صفحات النفح الصوفي ولا ريب...بذل لم يتوقف في سبيل الإنسان السوداني، طهارة عليا في اليد وعفة لا مثيل لها في اللسان... شخصية نقد السياسية تجذرت سلوكياتها في مصالحة النفس وترويضها وحثها على مكارم الاخلاق ...أحبه أهل السودان لأنه كان مرآة صادقة لما يتمنونه في زعمائهم بساطة ،صدقا وإنسانية وشهامة ورجولة وفكرا مستنيرا مع روح للدعابة موزونة تماما.
وردي وحميد ونقد "لبسوا الكفافي ومشوا"...مشوا إلى باحات المجد وساحات الخلود ...مشوا ليحتلوا مكانهم اللائق في ذاكرة الامة وفي وجدان شعب السوداني الوفي الخلاق ..التحقوا بأرتال من ابناء الشعب الشرفاء الذين ما هانت بلادهم يوما عليهم وما هانوا عليها يوما.

محمد عثمان وردي: في تجسير ثنائية العاطفي والوطني:

"عزه في الفؤاد سحرك حلال
ونار هواك شفاء وتيهك دلال
ودمعي في هواك حلو كالزلال
تزيدي كل يوم عظمة ازداد جلال"
(خليل أفندي فرح)

"يا جميلة
ومستحيلة
أنت دايماً زي سحابة
الريح تعجل بي رحيلها
عيوني في الدمعات وحيلة
اسمحيلا تتشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة"
(محجوب شريف)

ستون عاما زاهرة ومحمد عثمان وردي ذلك الهرم النوبي الشامخ يعطر سماوات السودان إبداعا غنائيا متفردا وأصيلا...ستة عقود كاملة ليست "هينة ولا لينة" بحساب الازمنة وأحداث الدنيا... لتقدير عطاء الرجل الباذخ وتثمينه على الوجه الواجب علينا ان نتذكر أنه منذ العام الذي اعتمدت فيه لجنة الألحان والأصوات الجديدة صوته (1957) (وكانت اللجنة تتكون من عبد الرحمن الخانجي نائب مراقب الإذاعة وخاطر أبو بكر مساعد المراقب والمذيع على شمو كما حدثنا الدكتور الطاهر إبراهيم في كتابه: انا امدرمان) جرت مياه كثيرة بل شلالات مياه عظيمة تحت جسور العالم .. في عام إجازة صوته في الإذاعة السودانية كانت عائلة بن لادن السعودية تحتفل بميلاد ابنها أسامة... واسرة قرضاي الافغانية تحتفل بمولد ابنها حامد (الرئيس الحالي)...ذات عام 1957  شهد ميلاد الروائي الكبير علاء الأسواني صاحب "عمارة يعقوبيان " و"شيكاغو" وغيرها ..كما شهد ميلاد المطرب العراقي كاظم الساهر....سنة بداية وردي شهدت وفاة آغا خان الثالث وسراج منير وعلي الكسار ونيكوس كازانتزاكيس وهمفري بوجارت....البير كامو صاحب "الغريب" و"الطاعون" نال جائزة نوبل للآداب ذلك العام.. في الوقت الذي كان فيه  العالم يمور بمثل هذه الأحداث كان محمد عثمان وردي يفرد أشرعته للإبحار في عالم الفن  وكان السودان موعود بنوع مختلف من الغناء والمغنيين ..دخل وردي ساحة المغنى السوداني واعتلى درجها وبقي فيها سامقاً ليترك آثارا على سوح الغناء السوداني كتلك التي تركها زرياب على الموسيقى العربية سواء في الموصل او بغداد أو قرطبة ...كزرياب أحدث وردي نقلة في كل شيء.. عند تدوين تاريخ الغناء السوداني سيكتب المختصون أنه في عام 1957 دخل المغنى السوداني الحقبة الوردية.

في حياته، وفي إطار مشروع توثيقي بإشراف الدكتور عبد القادر الرفاعي، كتبت مقالا مطولا عن محمد عثمان وردي مستعرضا إضافاته لمجمل المشهد الإبداعي (الغنائي) السوداني...المقال جاء بعنوان "منمنمتان على جدارية محمد عثمان وردي"...في المنمنمة الاولى سعيت لتسليط الضوء على بعض أبرز إضافاته لخارطة الغناء العاطفي أما في الثانية فقد كان التركيز على إضافاته لكراسة ونوتة الغناء الوطني.
لعل مثل هذا التصنيف الذي اتبعته في العمل السابق عانى ما تعانيه كافة ألوان التصنيفات من خلل المنهج الذي يصاحب مشروعات النمذجة... فالتداخل بين المكونين الوطني والعاطفي عند وردي ادق من ان يفصله حتى مشرط جراح ماهر والشواهد على ذلك كثيرة فإذا نظرت إلى عمل كبير مثل "بناديها" كيف لنا أن نصنف هذا المنجز الإبداعي الضخم؟ .. هذا غناء للحبيبة وللوطن ولكل معنى إنساني كبير... حقيقة الامر إن مثل هذا التزاوج لم يجترحه وردي ففي عشرينيات القرن الماضي زاوج خليل افندي بين الحبيبة والوطن في أبدع وابهي صور هذا التزاوج حين صدح ب"عزه في هواك" ..."عزة" في هواك ظلت الاغنية الوطنية الاولى في السودان ..بل أن أسم "عزة" ارتبط عند السودانيين بمعاني الوطنية والعزة بشكل غير مسبوق في معاني ودلالات الاغاني.. "عزة" هي المقابل السوداني لنشيد المارسليز الذي أنشده الثوار الفرنسيون في عام 1789 وظل رمزا لفرنسا الحرة منذ ذلك الحين ....عزة لم تكن وحيدة خليل أفندي في التزاوج بين الحبيبة والوطن إّذ ان "فلق الصباح" لها ذات السمة والخصوصية... في كتابته عن أناشيد الحرب أشار خالد القشطيني إلى ان الجنود البريطانيين كانوا اثناء الحرب العالمية الاولى يغنون للحبيبة وهم يدافعون عن الوطن:
"إنه لطريق طويل طويل إلى تبريري
طريق طويل لنسير
وداعا يا ساحة بيكادلي وليستر سكوير
فأمامي طريق طويل لتبريري
ولكن حبيبتي تنتظرني هناك
أجمل فتاة هناك"
وأشار القشطيني كذلك إلى أغنية الحرب الألمانية «ليلي مالين» التي شاعت في الحرب العالمية الثانية بعد أن غنتها سارة لينر، معبودة هتلر والحزب النازي. الأغنية تتغنى بجمال الحبيبة ليلي مالين وهي تجلس وتنتظر عودة حبيبها الجندي من الجبهة. غناها عساكر الفايمارت في مسيراتهم واكتساحهم عموم أوروبا.

إذن خليل افندي كان طليعيا رائداً في المزاوجة بين العاطفي والوطني ...محمد وردي سار على طريقة الخليل وهو يصدح بأغاني من طبقة "بناديها" و"جميلة ومستحيلة" ...هذه أمثلة واضحة وبهية للغناء للوطن وللحبيبة ..هذا هو الغناء الأسمى... من غير عمر الطيب الدوش يمكن ان ينادي الوطن الحبيبة ...إنه لا يناديها فقط بل "يعزم  كُلّ زول يرتاح على ضحكة عيون فيها"...من أراد ان يغني للحبيبة أو للوطن فليغن بمثل هذا او يدع الحبيبة والوطن وشأنهما.

لمحمد وردي أوليات عديدة صنعت منه فنان مختلفا ، متميزا ومغايرا ... هذه الاوليات كثيرة ومتعددة ولكننا نوجزها في أربع ..أولها التزامه بمواقفه ورؤاه كمحدد لتوجهاته الفنية وثاني الاولويات تتعلق بريادته للتجديد في الغناء السوداني كلمة ولحنا ...الأولية الثالثة تتمحور حول توسيعه لمعنى وافق التغني للوطن ، والرابعة اوليته في تحديد العلاقة بين الفنان وجمهوره...في السطور التالية نلقى نظرة عين طائر خاطفة على بعض     سمات ودلالات اوليات محمد عثمان وردي.
إن أبرز هذه الأوليات تتمثل في التزامه الدائم بالتعبير عما يحسه كشخص مستنير من خلال ادواته الإبداعية كمغن... وردي لا يختار ولا يغني إلا في إطار رؤاه هو وقناعاته هو ...لم تجبره سلطة ولا شهوة ولا حاجة للتغني بما لا يدخل في قناعاته....على هذا الصعيد تميز الرجل بالتزامه الاخلاقى تجاه مواقفه رغم معرفته الواعية والمسبقة بنتائج هذه المواقف .. أفكاره ورؤاه ومواقفه المبدئية من قضايا الديموقراطية والحرية أدخلته في مواجهات عنيفة مع السلطات العسكرية التي حكمت السودان في حقب تاريخية مختلفة فلم يتنازل أو يتراجع أو يهادن...عناده وشجاعته وعلنية مواقفه جلبت عليه السجون والمنافي والحرمان ولكنها بالمقابل أكسبته احترام الناس والأهم أنها كرست لديه احترامه ذاته ...أحبه الناس لانه قدم مواقفه الفكرية على مكاسبه الذاتية ...عارض التهجير القسري لأهله وعارض نظام جعفر النميري بعد ان نكص على عهوده وعلى شعاراته التي كان وردي في طليعة حداتها والمبشرين بوعودها..عارض نظام الإنقاذ...عاش المنافي القاسية في قارات الدنيا ولكنه ظل مع الناس يؤنس وحدتهم ويحدو قوافل آمالهم في واقع افضل ومستقبل ازهر.

من أوليات وردي سعيه الدؤوب لتطوير المغنى السوداني من حيث الكلمات والموسيقى..ولعل وجود مجموعة متميزة من مثقفي السودان حوله قد ساعدت كثيرا في ترقية ذائقة وردي الشعرية وتطوير قدراته على انتقاء واختيار أعمال متميزة ومن مدارس شعرية مختلفة .. وردي تمرس في تطوير عمله وظل خط بيان إبداعه يسجل تصاعدا متواليا في الكم والنوعية مع إتقان متزايد للمنتج ...وردي تطور من "الليلة يا سمراء" و"أسمر اللونا" مرورا إلى مدرسة خليل أحمد في "يا طير يا طاير" وظل يجود أدواته حتى خرج للناس ب "المستحيل" وتصاعدت وتائر الإتقان ليبلغ ذراها في "الطير المهاجر" والتي لم يتوقف بعدها.... إن "المستحيل" لإسماعيل حسن كانت فتحا في موسيقى الاغنية السودانية أما "الطير المهاجر" فقد كانت استشرافا آخر واقتاحاما للتجويد في عوالم الموسيقى .. إن إلتحاق وردي بمعهد الموسيقى كان امراً له دلالاته الكبيرة على صعيد اهمية طلب العلم والإستزادة منه مهما بلغ المبدع من مكانة وشهرة ومهما حقق من نجاح اعتمادا على المواهب الفطرية..ورغم انه لم يكمل دراسته بالمعهد إلا ان وردي أسدى خدمة جليلة للمعهد الناشيء ولعل وجوده كان حافزا ودافعا للعديد من الفنانين للإلتحاق بالمعهد ....من حيث إختياراته الشعرية خرج وردي من عباءة إسماعيل حسن التي تدثر بها زمنا في فترة رومانسية الغناء السوداني ...دخل مرحلة الواقعية الشعرية... غنى لصلاح احمد إبراهيم وعمر الطيب الدوش وعلى عبد القيوم ومحجوب شريف ...غني للحلنقي وابو قطاطي والتجاني سعيد وابي أمنة حامد وغيرهم...بعض أغنيات وردي مثلت علامات فارقة في عالم الغناء السوداني......وردي غني أطيافا من الغناء المختلف في مبناه وموسيقاه ولكن يجتمع في إجادته وتجديده ..من "قلت أرحل" و"من غير ميعاد" إلى "عصافير الخريف" إلى "الحزن القديم" ألى "الود" للدوش ...غناء من الطراز الرفيع ...محمد وردي لا يتعامل مع فنه إلا بالجدية اللازمة لذا نادرا ما يخرج على الناس بعمل قليل القيمة او الأثر.

من اوليات وردي كذلك انه ساهم في تحويل الغناء للوطن من مناسبة احتفالية موقوته بزمن وتواريخ معينة إلى حالة وجدانية دائمة الحضور والفعالية .. وقوف وردي على أي مسرح يعني الغناء للحبيبة او للوطن ..هما سيان عنده وعند جمهوره..."الاكتوبريات" ويا شعبا لهبك ثوريتك" و"أصبح الصبح" لم تكن اغاني وطنية تبث للمناسبات ولكنها لحون على الشفاه كل الوقت وفي كل الازمات والمواقف.. ولعل مما ساهم في إدغام الوطني بالعاطفي عند وردي وجمهوره أن وردي ابن السياسة ...جاءت أنطلاقته الفنية قبيل أول انقلاب عسكري شهده السودان في نوفمبر 1958...هلل له مع قطاعات من الشعب ..كان شابا يافعا منفعلا ...خدعته ،كغيره، المارشات العسكرية والصفوف المتناسقة للعسكر فظن خيرا في صلاح حكهم ورشادهم للبلاد عوضا عن الهرج الذي ساد في اعقاب مناورات حكومة السيدين وما شاب الحياة السياسية من انفلات حينها... ومن ثم انقلب عليهم حين انقلبوا على أهله في حلفا استعداد لبناء السد العالي قبل ان ينقلبوا على حرية وديموقراطية أهل السودان بالكامل ..الشاب الذي عاش تقلب الامزجة السياسية حينها كان قد تشرب ،مع جيله، أجواء مؤتمر باندونق .. شعارات عدم الإنحياز...تشرب من مقولات وآراء نهرو وتيتو وعبد الناصر وسيدي الأزهري إسماعيل... شهد تمرد الماو ماو وكنياتا ونكروما وسيكتوري وتوم موبيا ورشيدي كاواوا  يدخلون زمرة قادة أفريقيا الجديدة ...شهد التحول الإشتراكي على يد عبد الناصر ...عوالم جديدة وتطلعات جديدة وشباب في مثل سنه يحلمون مع كمال عبد الحليم بآفاق جديدة إذ ينشد ويرددون خلفه:
"دع سمائي فسمائي محرقه
دع قنالي فمياهي مغرقه
واحذر الارض فارضي صاعقه
هذه ارضي انا وابي ضحي هنا
وابي قال لنا مزقوا اعدائنا
انا شعب وفدائي وثوره
ودم يصنع للانسان فجره
ترتوي ارضي به من كل قطره
وستبقي مصر حره مصر حره"

دخل وردي عالم السياسة ولم يخرج منه أبداً ....ظل مذاك وطنيا صميما يدافع عن قيم الديموقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية.

من أوليات وردي أنه علم الناس معنى الإستماع المحترم ...وردي استفاد من تجربته المهنية السابقة كمعلم في تنظيم العلاقة بينه والجمهور ..ولعل حفلات وردي أكثر الحفلات انضباطا في السلوك ..أنه لا يحرم جمهوره من التعبير عن مشاعرهم ولكنه تعبير منضبط في حضرة الأستاذ ...المسافة بينه والجمهور محسوبة بدقة ومهارة شديدتين دون تفريط ولا إفراط ...أحب الناس وردي في هذه الناحية لأنهم يعرفون جيدا الفرق بين الادعاء الاجوف والغرور وبين الاعتداد بالنفس والثقة الناجمه عن معرفة مقدار الذات ومقادير الناس في إطار علاقة سوية متوازنة...بل لعل وردي هو المبدع السوداني الوحيد الذي يعشقه الناس لصراحته الشديدة ولا يعدونها من ضروب الترجسية المؤذية أو "القرضمة" (الكرضمة! حسب تعبير استاذنا حيدر إبراهيم).

واخيرا فإن محمد عثمان وردى المولود في قرية صواردة  جنوب مدينة عبرى بشمال السودان قد خلف مآثر وآثارا خالدة على مجمل المشهد الإبداعي السوداني منذ ميلاده  في 19 يوليو 1932 وحتى رحيله في 18 فبراير 2012 .. كان وردي موجودا وبقوة طيلة حياته الغنية الخصبة المنتجة ...كان فنانا نادرا وإستثنائيا ...حتى تواريخ ميلاده ووفاته ليست عادية ..ولادة في ذات تاريخ انقلاب مشهور ووفاة في ذات تاريخ وفاة العبقري الآخر الطيب صالح...ليس هناك شيء عادي بشأن وردي كان استثنائيا في كل شيء.