عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

لم يعد السؤال إن كان الجنوب سينفصل، ولكن السؤال الذي بات ملحا الآن مع اقتراب استحقاق تقرير المصير، ما هي تداعيات وتبعات الوضع الذي سينشأ عن ذلك، وكيف يمكن تدارك آثاره السلبية الوخيمة، وما هي التأثيرات المحتملة على مجمل الأوضاع في بلد لا يبدو مستعداً استعداداً حقيقياً وجدياً للإجابة على الأسئلة الصعبة التي سيخلفها انفراط عقد السودان إلى دولتين، وربما أكثر، خاصة في ظل غياب معطيات موضوعية تنبئ أن الأمور ستمضي سلسة في هذا الاتجاه بحيث نشهد انفصالاً سلمياً وعلاقات طبيعية بين بلدين جارين تتشابك وتتداخل مصالحهما، وتنطوي على قدر كبير من التعقيد على الصعد كافة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لا لسبب إلا لأن هذا الحدث المزلزل أصبح خياراً محتملاً منذ إبرام تسوية مجاكوس منتصف عام 2002م التي شكلت الإطار الاساسي لاتفاقية السلام الشامل، ومع أنه اصبح استحقاقاً دستورياً ملزماً ومعلوماً توقيته، إلا أن التعامل مع استحقاق بهذه الخطورة والمصيرية من قبل الطبقة السياسية السودانية، بما في ذلك شريكا نيفاشا، وكأنه مجرد افتراض نظري، أو لعبة ترف ذهني، وفي أحسن الأحوال ظل مجرد مجال للمناورات السياسية القصيرة النظر.

 

ولسائل أن يسأل كيف لي أن أجزم أن الجنوب ماض في حال سبيله لإنشاء دولة مستقلة، والاستفتاء الذي يقرر ذلك لم ينعقد رأيه حول ذلك بعد؟، حسناً سؤال وجيه، ولكن قل لي بربك هل تجد في الجدل والتحركات في الساحة السياسية في الوقت الراهن لا تشير إلا لاحتمال واحد هو أن الانفصال أصبح في حكم الأمر الواقع؟ وأن الاستفتاء المنتظر قضي أمره، ولعل نظرة واحدة على التشاكس الناشب بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بشأن قانون الاستفتاء تحمل من الدلائل ما يغني عن طرح أية تساؤلات تشكك أو تقلل من هذا الاحتمال، والخلافات بين الشريكين في هذا الخصوص لا تعدو أن تكون مجرد خلافات حول إجراءات لا أكثر، تدفعها مناورات ومساومات للحصول على تنازلات متبادلة، فالحركة الشعبية التي تريد شروطاً متساهلة في قانون الاستفتاء سواء بشأن من يحق لهم التصويت أو مسألة النصاب، تكشف بوضوح لا لبس فيه أن الحركة الشعبية اتخذت قرارها بالفعل، تحقيق حلم النخب الجنوبية الذي طال انتظارها له، إنشاء دولة مستقلة، وبغض النظر عن موضوعية الاعتبارات التي يمكن أن تكون أملت على الحركة الشعبية التضحية برؤيتها وأدبياتها وتراثها الفكري والسياسي، والتخلي عن حلم عرابها وزعيمها الراحل الدكتور جون قرنق إقامة «سودان جديد»، والانصاف يقتضي هنا التنبيه إلى أن الزهد في السودان الموحد لا تتحمل مسؤوليته قيادة الحركة الحالية، فقد جرى الإصرار على تضمين تقرير المصير وخيار الانفصال في صلب اتفاقية السلام بعد مفاوضات قادها قرنق شخصياً، وبالتالي فإن التراجع عن هذا الهدف ابتدره صاحب دعوة السودان الجديد نفسه، وليس شخصاً آخر غيره.

 

وبغض النظر كذلك عما يمكن أن تعتبره الحركة الشعبية ممارسات سلبية من شريكها المؤتمر الوطني أزهدها في جاذبية الوحدة، إلا أنه يمكن القول بلا تحفظ إن الحركة الشعبية اتخذت قرار المضي قدماً في الحصول على استقلال جنوب السودان ليس لهذه المبررات تحديداً، ولكن لأسباب دوافعها نفسية وعاطفية تتوق للتحرر استقرت في وجدان النخب الجنوبية أكثر من كونها نتيجة لغياب دواعي الوحدة الجاذبة، وعلى الرغم من التكلفة العالية لهذا الاختيار في ظل عدم استعداد حقيقي لاستحقاقاته، فليس سهلاً على النخب الجنوبية وقد لاحت لها أخيراً فرصة سانحة للتخلص مما تعتبره تركة ثقيلة من الهيمنة الشمالية ستكون مستعدة لتفويتها من أجل البقاء في سودان موحد تحتمه مبررات تبدو موضوعية بوضوح في نظر من يقرأ هذه التطورات بمعزل عن الأبعاد السايكولوجية في المخيلة الجنوبية المثقلة بعقود من الإحساس بالظلم والتهميش والاضطهاد، وهو أمر بعضه واقع لا يمكن إنكاره، وأكثره متوهم تغذيه حالة انعدام الثقة المفرطة في النخب الشمالية «المتمادي في نقض العهود والمواثيق»، مما بات مستقراً من توصيف في العقل الجمعي للنخب الجنوبية.

 

وحال الحركة الشعبية والنخب الجنوبية المتعجلة للانفصال دون تبصر كافٍ بعواقب ذلك، وأيضاً دون استعداد فعلي وترتيبات عملية لمواجهة التحديات الجمة التي ستنشأ مع ميلاد الدولة الجديدة، يحاكي حال امرؤ القيس في شطر البيت الشهير من قصيدته العصماء «اليوم خمر وغداً أمر»، والتنبيه إلى هذه التحديات والمصاعب التي تواجه الدولة الوليدة ليست من باب التعجيز أو التخويف من هذا الخيار بالنسبة للجنوبيين أو افتئاتاً على حقهم في تقرير مصيرهم، بل لأن هذا هو الواقع الذي تدركه قيادة الحركة الشعبية، ولكنها تفضل أن تقطع الجسر بعد أن تصل إليه، فضلاً عن أن مآلات الوضع الجديد والمصاعب المحتملة التي ستجابهه تثير قلقاً عميقاً بات معلوماً لحلفاء الجنوب على الساحة الدولية الذين يؤيدون حق الجنوبيين في إقامة دولتهم وتحقيق حلمهم، ولكنهم في الوقت نفسه يشفقون على الدولة الوليدة، لأن قياداتهم لم تستعد كما يجب لهذا الأمر.

 

ولئن كانت الصورة تبدو أكثر وضوحاً من جانب الحركة الشعبية والنخب الجنوبية في شأن خيار الاستفتاء على تقرير المصير، وقد حزمت أمرها المضي به قدماً في اتجاه تأسيس دولة الجنوب المستقلة، في ظل غياب شبه كامل لأصوات جنوبية ذات وزن وحضور فاعل في الساحة تتبنى الدعوة للخيار الآخر الداعي لتغليب وحدة السودان.

 

ولئن كان الأمر كذلك في الساحة الجنوبية، فإن الأمر يتسم بقدر كبير من الالتباس والضبابية على صعيد ساحة القوى السياسية في الشمال، يستوي في ذلك المؤتمر الوطني الحاكم ومعارضوه على حد سواء، ففي حين تبدو القوى الشمالية تميل بصفة عامة نحو الوحدة، فإنها في الواقع لم تبذل جهداً إيجابياً ذا بال لتعزيز هذا التوجه وتشجيع الجنوبيين باتجاهه، وبدا الأمر كله متروكاً للتمنيات وبلا عمل حقيقي يسعى للحفاظ على وحدة البلاد، ويمكن وصف هذه الحال بأنها أشبه بتقديم القوى السياسية الشمالية لاستقالتها من مسؤوليتها ومهمتها في تعزيز فرص الوحدة، وتنازلت عن دورها بالكامل لتجعل النخب الجنوبية وحدها صاحبة القرار ليس فقط تقرير مصير الجنوب، بل مصير البلاد بحالها، إذ لا يتصور عاقل ألا تتجاوز تأثيرات انفصال الجنوب ما عداه من أجزاء وأطراف السودان المختلفة.

 

وبالطبع لا تستوي القوى السياسية الشمالية جميعاً في تحمل القسط نفسه من المسؤولية الوطنية والتاريخية إزاء مصير البلاد المهددة بالتشرذم، إذ أن قوى المعارضة الرئيسية تكاد تكون خارج دائرة الفعل السياسي القادر على صناعة الأجندة الوطنية، وبالتالي فإن من يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في هذا الصدد هو المؤتمر الوطني الحاكم الذي تولى كبر سوق البلاد باتجاه هذه الخيارات الضيقة والمحدودة الأفق.

 

وما يعزز الفرضية التي ابتدرنا بها هذا المقال من أن الجنوب ماضٍ في سبيل تأسيسه لدولة مستقلة على انقاض السودان الموحد، ليس فقط استناداً على ما أوردناه آنفاً بشأن موقف الحركة الشعبية الساعي لذلك بقوة، ولكن أيضاً على موقف المؤتمر الوطني الذي يبدي زهداً بيناً في أمر الوحدة، ومحاولة المؤتمر الوطني تصعيب عملية الانفصال عبر دعوته لتضمين شروط مشددة في قانون الاستفتاء لا تعدو أن تكون من قبيل المناورات السياسية في إطار صراعاته وخلافاته المستعرة في الآونة الأخيرة مع الحركة الشعبية، وكما اسلفنا فإن الخلاف حول قانون الاستفتاء لا يعدو أن يكون مجرد خلافات إجرائية لا تغير من حقيقة أن الاستفتاء على تقرير المصير لن يكون سوى تحصيل حاصل على خلفية الجهود الدافعة باتجاه الانفصال سواء من قبل الحركة الشعبية والنخب الجنوبية التي لا ترغب في إضاعة فرصة ذهبية لتجسيد الحلم الجنوبي بدولة مستقلة، أو من قبل المؤتمر الوطني الزاهد في شأن الوحدة ولم يبذل من أجلها ما تستحق.

 

لقد كان بوسع المؤتمر الوطني، لو كان جاداً في أمر الحفاظ على وحدة البلاد، أن يقدم الكثير ليس من أجل إرضاء الحركة الشعبية، ولكن من أجل إقناع المواطن الجنوبي بإمكانية تحقيق طموحاته، وتجسيد ذاته وهويته من خلال سودان موحد، لقد كان هناك وقت أكثر من كافٍ لذلك، ولكن المؤتمر الوطني الذي يتناسى المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقه بدد وقتاً ثميناً في صراعات لا تنتهي مع الحركة الشعبية حول امتيازات ومكاسب السلطة، وليس حول الأجندة الوطنية الملحة التي تقتضي تقديم كل التضحيات من أجل الحفاظ على لحمة البلاد، والمؤتمر الوطني ليس مخيراً في ذلك، والحقيقة ليس المؤتمر الوطني وحده بل الحركة الإسلامية السودانية كلها في حزبيها المنقسمين وأيضاً أغلبيتها الصامتة تتحمل المسؤولية الكاملة عما آل إليه حال البلاد المهددة بالتشرذم، فالإسلاميون انتدبوا أنفسهم لمهمة إنقاذ البلاد مما اعتبروه حينها تهديداً لوحدتها، واستقرارها، وهويتها، واستقلال قرارها، ولا يمكن ببساطة أن ينقلب الإسلاميون على الأجندة التي برروا بها الإنقلاب العسكري على حكومة ديمقراطية، لمجرد أن أصبحت أجندة الحفاظ على مقاليد السلطة بعد عشرين عاماً من السيطرة عليها أهم من أجندة الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.

 

والمسؤولية هنا لا تقع على فريق بعينه في البيت الإسلامي، فالجميع متساوون في المسؤولية من كان حاكماً أو من ذهب للمعارضة أو من بقي صامتاً، وسيسجل التاريخ أن حكم الإسلاميين كانت نتيجته الفعلية بغض النظر عن ملابسات ذلك هو ما قاد البلاد للتشرذم، فالسودان كان يكابد مشكلة الجنوب قبل مجيئهم للسلطة، ولكن مع ذلك بقي الصراع محكوماً داخل إطار السودان الموحد تذهب أنظمة وتأتي حكومات، ولكن لم تكن البلاد أبداً مهددة بالتشرذم.

 

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن المؤتمر الوطني الذي يملك قسطاً أكبر من المسؤولية بحكم سيطرته على مقاليد السلطة، يفتقر لرؤية موحدة تجاه مسألة الوحدة، وفي الواقع هناك تياران متباينان داخل المؤتمر الوطني بهذا الشأن يدرك أحدهما أبعاد المسؤولية التاريخية والوطنية وعواقب تشرذم البلاد، ولذلك يؤمن بضرورة الحفاظ على وحدة البلاد، ولكنه يبدو تيار أقلية لم يستطع فعل الكثير من أجل تحقيق رؤيته، وتيار آخر غالب لا يلقي بالاً لكلمة التاريخ ولا يأبه لمسؤولية التفريط في وحدة البلاد، وضاق ذرعاً بما لا يرى فيه سوى ابتزاز جنوبي يجب التخلص من إزعاجه اليوم قبل الغد، ويتحرقون شوقاً لرؤية الجنوبيين وقد ذهبوا في حال سبيلهم.

 

ولذلك فإن التحليل النهائي يشير إلى أنه على الرغم من الخلافات العاتية التي تبدو ظاهرة بين الشريكين إلا أنهما كادا يكونان متفقين على أمر واحد، هو أن الوقت قد حان لينصرف الجنوبيون إلى الانفصال وتأسيس دولتهم، ويقوم هذا الاتفاق غير المكتوب على افتراض أن الانفصال سيعالج تلقائياً كل المشاكل القائمة بالبتر، وأن كل طرف سينصرف بعدها إلى همومه وشؤونه.

 

غير أن السؤال الذي لم يقدم له أي من الطرفين إجابة واضحة المعالم وصريحة بشأنه، ما هي الآفاق المتاحة أمام الحقيقة الجديدة ليس تأسيس دولة الجنوب فحسب بل أيضاً تأسيس دولة الشمال اللتين تولدا على أنقاض السودان الموحد، فالمسألة أكبر من مجرد ذهاب جزء من السودان مع افتراض خاطئ أن بقية البلاد ستستمر في عملها كالمعتاد وكأن شيئاً لم يكن، وما هي فرصة قيام دولتين قادرتين على الحياة بسلام وأمان جنباً إلى جنب، وما الذي يضمن ألا يكون النزاع على إرث دولة السودان التي كانت موحدة سبباً في إشعال حرب جديدة، وقد كان الظن أن تقسيم البلاد سيكون البلسم الشافي لمآسي الحروب.

 

ومما يؤسف له أنه على الرغم من تنامي رغبة التقسيم لدى الطرفين، إلا أنهما في الحقيقة فعلا القليلة لضمان أن يتم ذلك بسلام، فالتمنيات التي يطلقها قادة الطرفين بهذا الصدد لا تعدو أن تكون مجرد شعارات جوفاء لا يسندها عمل جدي وحقيقي يستعد لهذا الحدث الجلل بما يستحقه.

والأمر أشبه ما يكون بعملية معقدة لفصل تؤام سيامي، فالعملية مرشحة للنجاح بفرص كبيرة إذا كان كل واحد من التؤام الملتصق يتمتع بامتلاكه للأعضاء الاساسية اللازمة للقيام بالوظائف الحيوية للجسم التي تبقيه حياً، ولكن إذا كانا يشتركان في هذه الأعضاء الأساسية فستكون حياة أحدهما على حساب الآخر، وكل ذلك يقتضي وجود النطاسي البارع القادر على فك اشتباك الشرايين والأوردة المعقدة.

 

فالانفصال ليس نزهة، وليس قراراً مجرداً من التبعات والتداعيات الخطيرة، وهذه ليست افتراضات يضخمها التهويل، أو محاولة قطع الطريق على تحقيق الجنوبيين لحلمهم الكبير، ولكن ببساطة لأن هناك شروطاً موضوعية يجب أن توفر إذا أُريد لهذا الخيار أن ينجح، فضلاً ألا يكون سبباً في جلب المزيد من الحروب والمتاعب على بلد لديه أكثر مما يكفيه منها، والانفصال يقتضي أن يكون هناك تفاهم واستعداد كامل لتقسيم إرث السودان، وليس كله خيراً، ومع كل الجدل الذي تشهده علاقات الشريكين فلم يتسع وقتهما لاستباق هذا الاستحقاق بتحديد أسس سليمة لمستقبل علاقاتهما على الصعد كافة، وهي مجالات شديدة التعقيد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.

 

وليس سراً أن حلفاء الحركة الشعبية على الساحة الدولية يشفقون عليها مما هي مقدمة عليه بغير استعداد، ويدركون عواقب ذلك، وربما قائل في الشمال يهز كتفيه قائلاً وما شأننا؟ شأننا ببساطة أنك لا يمكن أن تتفرج على النيران تشتعل في بيت جارك مفترضاً أن ألسنة اللهب لن تمدد إلى بيتك، فالحرص على علاقة مستقبلية سوية بين الجارين في الشمال والجنوب تكتسب أهمية قصوى ليس من أجل طرف على حساب الآخر، ولكن من أجل مصالحهما المشتركة المبنية على قواعد حقيقة لعلاقة سوية بينهما.

 

ومما يُطرح في هذا الخصوص الدعوة لإقامة كيان كونفدرالي بديلاً للقطيعة التامة بين الدولتين الوليدتين، وهو خيار يقوم على ضمان الحفاظ على المصالح الحيوية المشتركة للطرفين، وفي الوقت نفسه تحقق لكل طرف التعبير عن طموحاته الوطنية، والدعوة للكونفدرالية ليس طرحاً جديداً، فقد دعت إليها الحركة الشعبية في جولاتها التفاوضية المتعددة مع الحكم الانقاذي، وهو أيضاً طرح دعا له وتبناه بقوة المفكر الراحل الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد في مقال شهير له نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية في مايو 1999م، وطرح فيه مشروع نظامين في دولة واحدة على أساس كنفدرالي بين الشمال والجنوب، وهو طرح سبق به تقرير مركز الدراسات السياسية والاستراتجية بواشنطن المعنون سياسة الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في السودان الصادر في فبراير 2001م، الذي ذهب في الاتجاه نفسه، وشكل خريطة الطريق للمفاوضات التي أفضت للتوصل إلى اتفاقية السلام الشامل. وكان ستيفن موريسون مدير المركز الذي شارك في صياغة التقرير قد تنبأ بأن تنتهي عملية السلام الحالية بكونفدرالية بين الشمال والجنوب.

 

وفي الواقع فإن ترتيبات اتفاقية السلام الشامل، خاصة بروتكول الترتيبات الامنية، تؤسس بالفعل لنظام كونفدرالي صريح، وإن لم يُصرح بذلك، ولكنه كذلك بحكم الأمر الواقع فحكومة الجنوب تتمتع بسلطات كبيرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً تفوق بكثير السلطات الممنوحة في نظام فدرالي، صحيح أنها أقل قليلاً من السلطات المتاحة في نظام كونفدرالي كامل، ولكن في كل الأحوال وبعيداً عن التعريفات الأكاديمية فإن التفاوض أفضى إلى صيغة مبتكرة استوعبت التحديات التي فرضتها ضرورة التوصل إلى اتفاق سلام.

 

 ولعل المطلوب في ظل التعقيدات الكبيرة التي ستواجه البلاد عند انفصال الجنوب، أن تتم المبادرة إلى تطوير صيغة خلاقة أكثر مرونة لتشكيل مستقبل العلاقة بين دولتي السودان القديم بالاستفادة من الصيغة الكونفدرالية المستترة التي أسستها اتفاقية نيفاشا، وهو أمر يجعل من الممكن التفاهم بشأنها في ظل التحديات والمخاطر التي ستواجه الطرفين معاً في حالة تعجل الانفصال دون ترتيبات كافية، وأهمية هذه الخطوة هي أنها لا تأتي من فراغ ولكنها تستند إلى إرث تفاوضي عميق، والهدف من ذلك على الأقل تأمين انفصال على مراحل مدروسة تجنب الطرفين آلام ومواجع فك اشتباكات بالغة التعقيد، وتؤسس في الوقت نفسه لعلاقة مستقبلية سوية بين الطرفين.

 

ولذلك فإن «قضي الأمر الذي فيه تستفتيان» بشأن الانفصال، فالأجدى أن ندرك خيار الكونفدرالية تعبيداً للطريق من أجل علاقات أفضل بين طرفين آثرا ألا يبقيا معاً مع كل الذي يجمعهما.

 

نقلاً عن صحيفة (إيلاف) السودانية