عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

لماذا استطال عمر الإنقاذ؟، ذاك سؤال كان يشغل بال أستاذنا النابه البروفسور عبد الله علي إبراهيم، وقد كتب قبل بضع سنوات في أوائل سنوات هذا القرن في (الصحافي الدولي) سلسلة مقالات محاولاً الإجابة على تساؤله من أفواه غمار الناس، وقد جرجرتني وإياه إحدى تلك المقالات إلى المحاكم في قضية رفعتها ضدنا قوة نظامية اتهمتنا بالتعريض بسمعتها، ربما لم يكن البروف حينها مستعجلاً ذهاب ريح الإنقاذ كشأنه اليوم وقد غدا مرشحاً رئاسياً شديد الإيمان بأنه (سيفوز دز)، كما كتب في إحدى مقالاته أخيراً.

  

ولعل الاستاذ عبد الله لم يختص وحده في الاهتمام بحساب عدد أيام الحكم الإنقاذي أو البحث في سبب طول بقائها وذلك حتى قبل أن تكمل بسنين عدداً التاسعة عشر (عمر الزهور, عمر الغرام, عمر المنى)، فقد كان خصومها في أول أيامها لا يتوقعون لها أن تستمر أكثر من بضعة أشهر في أكثر تحليلاتهم تفاؤلاً، وقد كان في ذلك سوء تقدير كبير وسوء ظن كذلك في قدرة سدنتها على اتقان لعبة البقاء في السلطة، وكلف ذلك خصومها أن يروها وقد استدارت، في آخر تجلياتها، عشرين حولاً. ومن يدرس أسباب استطالة عمر الإنقاذ كل تلك السنوات ربما يجد أنها مدينة في هذا العمر المديد في السلطة، التي لم يحظ به بمثلها أحد ممن سبقوها، لخصومها الذين لم يحسنوا مدافعتها، أو بالأحرى أسهم ضعفهم، وليس قوتها، في مد أجلها.

  

لست في هذا المقالة بصدد النقد أو التقويم للحكم الإنقاذي بهذه المناسية، ولكن أثارت انتباهي مفارقات آخرى تؤكد زعمي جعلتني استدعي ما سردته في هذه المقدمة، إذ ليس سراً أن الفرع الإنقاذي في توليفة الحكم الحالية شهد في الأشهر الماضية أكثر الأوقات صعوبة في تاريخ وجوده في السلطة على خلفية تداعيات وتبعات أزمة دارفور التي أفضت إلى مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس عمر البشير في سابقة مشهودة، خلطت أوراق اللعبة في يد المؤتمر الوطني تماماً في وقت كان يستعد فيه لحصد ثمار اتفاقية السلام الشامل عبر الانتخابات العامة، ووقع الحزب الحاكم تحت ضغوط دولية هائلة لم يعهدها من قبل لم يخفف منها الدعم الذي وجده من المنظمات الإقليمية وبعض اللاعبين على الساحة الدولية مثل الصين وروسيا، ولكن ذلك كله لم يكن كافياً لدرء مخاطر مذكرة التوقيف في ظل تمسك الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بموقف داعم لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية، وتجلى ذلك في رفضها تمرير حتى مجرد قرار لتعليق تلك الإجراءات لمدة عام استناداً على المادة السادسة عشر من ميثاق روما المنشئ للمحكمة.

  

وكانت كل التحليلات تشير إلى أن الضغوط آخذة في التضييق على الحكم الإنقاذي والإمساك بخناقه، وكان التوقع أن مطلع يونيو الجاري سيشهد أقصى درجات التصعيد مع تقديم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لأول تقرير له لمجلس الأمن بعد صدور مذكرة التوقيف، ولكن للمفاجأة هذا ما لم يحدث، فقد مر الأمر بهدوء، صحيح أن الأمر لم تطو صفحته بعد، ولكنه دخل في حالة تجميد سياسي لستة أشهر قادمة فيما يبدو أنه توافق دولي يتوقع، أو ينتظر حدوث انفراج، أو تطور ما، يغير قواعد اللعبة الراهنة.

  

المفارقة الكبرى، حملها تطوُّر آخر أكثر أهمية، فالهدية الثمينة التي تلقَّاها الطرف الإنقاذي في معادلة الحكم، في ذكرى سنته العشرين في السلطة جاءته بعد طول انتظار، من الولايات المتحدة الأمريكية خصمه اللدود منذ مجئيه إلى الحكم، والتي لم تشفع له حتى بعد توقيعه لاتفاقية السلام الشامل التى هندستها إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، ولكن يبدو أن عقابيل الاتفاقية هي نفسها التي عادت لتفتتح أبواب واشنطن للمؤتمر الوطني في وقت هو في أمسِّ الحاجة للتواصل معها، ومحاورتها للخروج من الأوضاع المأزقية الراهنة.

  

ولذلك كانت سابقة نادرة في عهد الحكم الإنقاذي أن تفتح له أبواب الحوار على مصاريعها في واشنطن مع صناع القرار الأمريكي في الدوائر التنفيذية والتشريعية ومؤسسات العصف الذهني، صحيح أن الوفد ذهب في إطار دعم عملية السلام المترنحة، وصحيح أن ذلك لم يأت بجديد على ما هو حادث من تشاحن بين شريكي نيفاشا يوشك أن يعيد سيرة الحرب، ولكن مهمة وفد المؤتمر الوطني شهد منافع أكثر أهمية وهي تنخرط في حوارات غير مسبوقة بشأن العلاقات الثنائية وسبل التطبيع، ولعل الطريق ما يزال طويلاً لتحقيق نتائج نهائية على هذا الصعيد، ولكن في هذه المرحلة، وبالمعطيات الراهنة، فإن المؤتمر الوطني لا يطمع في أكثر من أن تكون قنوات الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية مفتوحة بصورة مباشرة بدون وسطاء أو أوصياء، وكما ذكر رئيس الوفد الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، الذي كان حذراً وهو يصف نتائج مهمة وفده في واشنطن، أن الحوار لا يعني تسليم أي طرف بمنطق الطرف الآخر، ولكنه يتيح مجالاً للتواصل المباشر وتبادل الحجج، وسَوق البراهين، ودحض المعلومات المغلوطة، والتحليلات المسرفة في المبالغة، والتي تقود لنتائج خاطئة كارثية.

 

وكون أن هذه هي المرة الأولى التي يتاح فيها لوفد إنقاذي على هذا المستوى أن يزور واشنطن، ويدير فيها حواراً طليقاً على النحو الذي حدث، فهي مسألة ذات دلالة ولها ما بَعْدَها، وليس من الخفة في شيئ اعتبارها أهم هدية يتلقاها الإنقاذيون من ألدِّ خصومهم وأقواهم شكيمة، بعد رجاء طال عشرين عاماً في علاقات طبيعية بين الخرطوم وواشنطن، بدت مستحيلة في أكثر الأوقات، وهي ليست متاحة بعدُ ولكنها مع ذلك أصبحت ممكنة في وقت لم يكن أحد على الإطلاق يتوقَّع حدوثها.

  

ولكن السؤال ما الذي حدث، وبدت معها الامور وكأنها تنقلب فجأة رأساً على عقب، هل آمنت واشنطن، أم كفرت الخرطوم؟، وما الذي جعل واشنطن بعد طول جفاء وتربص .. تفتح أبوابها للمؤتمر الوطني وتقلل من حدة لهجتها تجاهه، بل ترى فيه شريكاً يستحق الحوار معه بشأن رسم مستقبل السودان؟، وما الذي جعل المؤتمر الوطني الذي لم يكف عن اتِّهام الإدرات الأمريكية المتعاقبة بأنها ظل تسعى باستمرار للإطاحة بحكمه بشتى السبل، وكيف تبدلت لهجةُ قادتِه من المواجهة إلى طلب الودِّ والتقرُّب إلى واشنطن والبحث عن أسباب الوصل والتعاطي معها والتغاضي عما سلف؟، هل ثمة صفقة ما تُمرَّر تحت الطاولة تعيد رسم قواعد اللعبة، وتعيد تشكيلة اللاعبين، هل التي تبرر كل هذه التحولات الدرامية التي تشهدها ساحة العلاقات بين الخرطوم وواشنطن؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نتيجة مباشرة للعقلية البراغماتية في السياسة الأمريكية التي قد تكون تعلمت أكثر من الدروس القاسية لمدِّ أذرعها طويلاً ما وراء قدرتها على تفهم طبيعة حدود القوة.

  

بالطبع من المبكر للغاية الإفتاء في شأن المصير الذي سيقود إليه هذا التواصل المباشر بين الإدارة الأمريكية والمؤتمر الوطني، وما الثمن الذي سيتوجب دفعه لتمرير صفقة تطبيع العلاقات بين الطرفين، والمدى الزمني الذي سيتطلبه ذلك، ولكن من المؤكد أن لهذا الارتباط الذي يمكن وصفه بالبناء نتائج مهمة على المستوى القريب ليس أقلها نزع فتيل التوتر الذي أوشك أن يبلغ أقصى مداه، وباتت هناك ثمة فسحة من الوقت لإعادة تحديد الأولويات، وترتيب الأوراق، وفي مجملها تشير إلى أن المؤتمر الوطني هو المستفيد الأوفر حظاً بلا منازع من هذه النتائج، فهي من جهة فكَّتْ عنه جدار العزلة السميك مع أهم لاعب في الساحة الدولية، ووفَّرتْ له فرصة ليثبت أنه لاعب لا يمكن الاستغناء عنه في أي محاولة لإعادة ترتيب البيت السوداني، فضلاً عن استعداده للالتزام بقواعد اللعبة بعد سوابق وتجارب مريرة في التمرد عليها والخروج من النص، وأهم من ذلك كله أن يجد فرصة جديدة يمدد بها وجوده في دست الحكم.

 ولكن يبقى السؤال ما علاقة التطورات المستجدة على صعيد العلاقات بين المؤتمر الوطني والإدارة الأمريكية بما افتتحنا به هذه المقالة عن لماذا (استطال عمر الإنقاذ)؟, وعن دور خصومها في إطالة عمرها على الرغم من أن غرضهم هو إقصائها والقضاء على سلطتها؟.

لعل المؤتمر الوطني، وللمفارقة، مدين بالكثير في هذا التطور المفاجئ في علاقته مع واشنطن لشريكه اللَّدود الحركة الشعبية لتحرير السودان، كيف ذلك؟.

  

من المعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية بذلت الكثير من الجهود حتى تمكنت من تحقيق اتفاقية السلام الشامل، وهي مسألة تتعدى بكثير مجرد وقف الحرب الأهلية في جنوب السودان، إلى وضع سيناريو لتشكيل مستقبل السودان على نحو يعيد تعريف المسلمات الراهنة المركوزة، ويقدم سوداناً جديداً مرتكزاً على بُعدٍ أكثر أفريقانية، وأقل ارتباطاً بمحيطه العربي والإسلامي، والقوة الدافعة التي كانت ترتكز عليها الرؤية الأمريكية لتنفيذ هذا السيناريو تستند بشكل كامل على الحركة الشعبية التي كانت واثقة من الرؤى التي رفعها زعيمها الراحل الدكتور جون قرنق لتشكيل سودان جديد بمعطيات جديدة، ولم يأت توقيت التسوية التي أطلقتها واشنطن اعتباطاً، ولكن جاءت استباقاً لتأثير عنصر النفط الذي دخل المعادلة السودانية أوائل هذا القرن في تغيير معادلة وموازين القوى بشكل حاسم لصالح الشمال، مما يدل على أن تأخير التسوية سيعني تحقيق مكاسب أقل للجنوب.

  

ولقد حققت تسوية نيفاشا أفضل خيارات ومكاسب ممكنة للجنوب، وهي تسوية لا يمكن التفريط فيها، ولكن يبدو مع اقتراب الاستحقاقات النهائية لتسوية نيفاشا، وعلى وجه الخصوص استحقاقات الانتخابات العامة والاستفتاء على تقرير المصير، أزف موعدهما ولكن يبدو أن واشنطن لم تعد واثقة في أن الحركة الشعبية جاهزة حقاً لهذين الاستحقاقين، فسجل أداء الحركة الشعبية كسلطة حاكمة، سواء على مستوى المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية أو على مستوى سيطرتها الكاملة على الحكم في الجنوب، يبدو بعد أربع سنوات ضعيفاً ومتواضعاً بدرجة أثارت قلق واشنطن بدرجة كبيرة، فضلاً عن انفلات الأوضاع الأمنية في الجنوب والحروب القبلية وخسائرها الفادحة من الأرواح.

  صحيح أن واشنطن درجت على تبني وجهة نظر الحركة الشعبية في اتهامها للمؤتمر الوطني بعرقلة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، ولكنها مع ذلك تدرك أن المؤتمر الوطني لا يتحمل في الواقع الأسباب الحقيقية لتعثُّر الحركة الشعبية في الوفاء بالتزاماتها أيضاً تجاه اتفاقية السلام.

ويبدو أن مخاوف واشنطن تعززت أكثر بأن السودان بدلاً من أن يتجه إلى تحقيق أهم ثمرات اتفاقية السلام في إقامة (نظام سياسي مستقر، واقتصادي ناهض، وفي سلام مع شعبه ومع جيرانه) كما يرد ذلك نصاً في رؤية المبعوث الرئاسي الأمريكي للسودان الجنرال سكوت قريشن لمهمته، ربما يكون في طريقه للوقوع مرة آخرى في براثن الحرب الأهلية ما لم يتم تدراك ذلك.

  

والملاحظ أن الجنرال قريشن يعتبر الأولوية في مهمته هي (أن الولايات المتحدة بالتعاون مع المجتمع الدولي ستعمل على دعم التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل، بما في ذلك إجراء انتخابات عامة ذات مصداقية، وكذلك الاستفتاء على تقرير المصير)، وتلي ذلك في اولويات الجنرال قريشن ( تسهيل اتفاق سياسي لإنهاء العنف في دارفور، وعودة النازحين، والعنف العابر مع الجارة تشاد)، أما البند الثالث في أجندته كما يثبتها في موقعه الإلكتروني هي (دعم التعاون الإقليمي الذي يحقق مكافحة فعالة للإرهاب، وتحقيق الاستقرار) .

  

وفي وقت كانت الأنظار تتوجه فيه لواشنطن لتحريك تسوية أزمة دارفور وفرضت ضغوط أشد على الخرطوم، جاء مؤتمر دعم عملية السلام ليؤكد أن الأولوية التي تشغل بال الولايات المتحدة فعلياً بصورة أكبر ، ليس أزمة دارفور بل الوضع في الجنوب، وسارعت إلى تجاوز الحواجز وعقد هذا المؤتمر ليس فقط لدعم عملية السلام الشامل، بل لإنقاذها من الإنهيار في أشد الأوقات حساسية حتى يصبح ممكناً تنفيذ أهم استحقاقاتها. وتحقيق التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام لا يمكن النجاح فيه بغير التعاون الكامل مع المؤتمر الوطني.

  

ويبدو أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر إدراكاً من أن سياساتها الضاغطة على المؤتمر الوطني بشأن أزمة دارفور تؤثر سلباً على جهودها لضمان التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام، وإنقاذ الجنوب من العودة للحرب، في وقت ضعُفت فيه قوة الحركة الشعبية السياسية، وتراجعت قدراتها التنظيمية، وتعيش حالة من الرخاوة المتوقعة من الانخراط في الصراع على امتيازات السلطة ومغانمها.

  

ولهذا كله فإن تخفيف الإدارة الأمريكية لضغوطها على الخرطوم بشأن دارفور، والتي أثارت غضب واستياء جماعات الضغط واللوبيات التي صعَّدت قضية دارفور وحتى بعض الأطراف داخل الإدارة الأمريكية، لم تأت من باب الرفق أو إحسان الظن بالمؤتمر الوطني، ولكن لأن واشنطن تدرك جيداً أن (التانغو يحتاج لراقصَين اثنين)والحركة الشعبية وحدها لا يمكنها أن تحقق النجاح المطلوب، ووجود المؤتمر الوطني كلاعب ثانٍ لا بديل عنه لضمان رقصة منسجمة الأداء.

  

والغضب الذي يبديه بعض قادة الحركة الشعبية من التواصل المباشر لواشنطن مع المؤتمر الوطني، بما يتجاوز دورها كوسيط أو وصيٍّ  تفترضه لنفسها في هذا الخصوص، يعبر عن خيبة الأمل من أن الإدارة الأمريكية تعيد ترتيب أوراق لعبها في السودان بمعزل عن نصائح أو توجهات الحركة الشعبية، فضلاً عن أنه يؤكد أن الحركة  الشعبية لم تعد تحظى بثقة واشنطن الكاملة في قدرتها على لعب دور حاسم في إعادة صياغة وتشكيل سودان جديد طالما وعدت به.

  

والسؤال الأهم كيف سيغتنم المؤتمر الوطني رياح التغيير الأمريكية، هل يحسن قراءتها ويجيد استثمار الفرصة السانحة، ويفتح لنفسه فصلاً جديداً في قيادة البلاد مستنداً على تعاون مثمر مع إدارة ابن العم أوباما، أم يبددها شذر مذر في معارك دون كيشوتية؟.

 (عن صحيفة إيلاف السودانية)