وثائق اميركية عن السودان (14):
كتاب السفير الاميركي السابق في السودان:
السوادنيون من اكثر شعوب العالم نبلا، ربما بسبب ثقافة عربية افريقية لا مثيل لها"
"لا يقدر السودانيون على تحديد الابعاد اللانهائية لتنوعهم."
اشترى مصريون رقيقا من الشمال، واشتري شماليون رقيقا من الجنوب
الامام المهدي: مرتزقة؟ او زعيم مجدد؟
"صارت لغة القرآن لغة الكنائس"
واشنطن: محمد علي صالح: الشرق الاوسط
 
مؤخرا، اصدر تيموثي كارني، السفير الاميركي السابق في السودان كتاب "السودان: ارض وشعب." هذا كتاب مصور وعملاق ومن الورق المصقول، وبه اكثر من ثلاثمائة صورة متنوعة (ومتناقضة احيانا) عن واحد من اكثر شعوب العالم تنوعا (وربما اكثرها).  ربما الهند هي اكثر الشعوب تنوعا، لكن يتفوق عليها السودان في كثرة التنوع العرقي والاثني، خاصة لأنه يغور في اعماق القارة السوداء.
التقط صور الكتاب المصور البريطاني العالمي مايكل فريمان، واشتركت في كتابته الصحافية فكتوريا بتلر.
يمكن القول ان كارني من الدبلوماسيين "الواقعيين"، لا "المثاليين"، داخل وزارة الخارجية.  هذا تقسيم قديم، لكنه اشتهر بعد ان اعلنت اميركا الحرب على الارهاب:
في جانب، يريد "المثاليون" نشر الديمقراطية في الدول العربية والاسلامية سريعا، وحتى لو بالقوة (كما يفعلون في افغانستان والعراق).  
في الجانب الآخر، يريد "الواقعيون" اصلاحات تدريجية بسبب الاختلافات الكبيرة والكثيرة بين الاميركيين والمسلمين.
طبعا، فاز "المثاليون" (داخل وزارة الخارجية وخارجها) عندما اقنعوا الرئيس بوش بغزو العراق.  وانهزم "الواقعيون"، ليس فقط في وزارة الخارجية، ولكن، ايضا، في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آى ايه)، وهم الذين شككوا في وجود اسلحة الدمار في العراق.
 
سفير شجاع:
 
على اي حال، بعد اربع سنوات من الاحتلال الاميركي للعراق، غير الشعب الاميركي رأيه (بفضل المقاومة العراقية).  كان ايد الغزو بنسبة ثمانين في المائة.  لكن نسبة المؤيدين الآن ثلاثين في المائة فقط.  
وبدأت كفة "الواقعيين" ترتفع.  
والسفير كارني مثال لذلك: بعد غزو العراق مباشرة، ارسله الرئيس بوش الى هناك للأشراف على اعادة البناء.  لكنه جمع شجاعة كافية، واستقال احتجاجا على الفوضى هناك، وعاد الى اميركا.   وقبل شهرين، بعد ان قال الرئيس بوش انه استفاد من الاخطاء في العراق، ارسله مرة ثانية الى هناك للعمل في نفس الوظيفة السابقة.  
واعتبر هذا انتصارا للسفير كارني.
لكن، لا يعلن السفير، وهو الدبلوماسي المحنك، حقيقتين:
اولا، انه ينتمي الى جناح "الواقعيين"، ولهذا اختلف مع "المثاليين".
ثانيا، ان "المثاليين" خارج وزارة الخارجية هم جزء من "النيوكون" (المحافظين الجدد: تحالف المسيحيين المتطرفين، واليهود الصهاينة).
 
الكتاب:
 
كتاب "السودان" ليس كتاب رأي، لكنه كتاب معلومات: تاريخ، وجغرافيا، وشعب.  
كتب الرئيس السابق جيمي كارتر مقدمة الكتاب، واشار الى دور "كارتر سنتر"، التابع لجامعة اموري في اتلانتا (ولاية جورجيا)، لحل مشاكل السودان، سواء السياسية او الصحية.  
وصف كارتر السودان بأنه "دولة متنوعة، عرقيا، وجغرافيا، وثقافيا."  (لم يقل "دينيا"، وكان يجب ان يقول ذلك.  لأن نظرة المسيحيين الاميركيين المتطرفين نظرة دينية في المكان الاول، وهم يؤثرون كثيرا على السياسة الاميركية نحو السودان).
ووصف السفير السودان بأنه "اكثر تعقيدا مما نقرأ في الصحف، ونشاهد في التلفزيونات."  وقال انه، لهذا، قرر اصدار كتاب مصور لأن "الصورة تساوي الف كلمة."  ووصف السودانيين بأنهم "اغنياء، او فقراء، من اكثر شعوب العالم نبلا." ربما بسبب "ثقافة عربية افريقية لا مثيل لها."
سأل السفير، في آخر جزء في الكتاب، السؤال الابدي: هل السودانيون عرب او افارقة؟  واجاب: "يسأل الاجانب السودانيين هذا السؤال.  لكن، يسأل السودانيون انفسهم نفس السؤال.  ربما لأنهم لا يقدرون على تحديد الابعاد اللانهائية لتنوعهم."
 
التاريخ:
 
عكس ما يقال بأن المشكلة هي بين "الشمال المسلم" و "الجنوب المسيحي والوثني"، اوضح الكتاب ان السودان كان مسيحيا لمئات السنين، قبل دخول الاسلام.   
وعكس ما يقال بأن الشماليين اشتروا الرقيق من الجنوب، اوضح الكتاب ان الشماليين انفسهم كانوا ضحية تجارة رقيق مصرية، عندما غزا محمد علي باشا، حاكم مصر، السودان (سنة 1821) مع الامر الآتي: "تعلمون ان هدفنا الاساسي هو جمع الزنوج."
لكن، في نفس الوقت، بنى محمد علي باشا واولاده السودان الحديث: "بنوا ادارة مدنية، وشجعوا التنمية الصناعية، وطوروا الاقتصاد، وبنوا ميناء سواكن على البحر الاحمر."  بالاضافة الى: نشر الاسلام واللغة العربية.
وضع السفير في الكتاب صور لمدارس بناها المصريون في ذلك الوقت، وصور تعليم القرأن الكريم واللغة العربية، ليس فقط في الشمال، ولكن، ايضا، في الجنوب.
معنى هذا نشر الاسلام واللغة العربية في مدارس حديثة توسع، خلال مائة وخمسين سنة، من حدود مصر الى حدود يوغندا.    
 
المهدي:
 
وصف السفير محمد احمد المهدي (جد الصادق المهدي، زعيم حزب الامة الآن) الذي قاد ثورة طردت الاستعمار المصري البريطاني (سنة 1885) انه كان "مجددا."  وانه "وحد القبائل الشمالية وراء عقيدة اسلامية لطرد حاكم اجنبي" (غردون باشا البريطاني).  وان المهدي، لولا وفاته المبكرة، "كان يريد تطهير العالم الاسلامي، بعد ان وضع اول اساس للدولة الاسلامية الحديثة."
(ارسل المهدي خطاب تهديد، وعرض زواج، الى الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا.  وكان يريد عدم قتل غرودون مقابل اطلاق سراح احمد عرابي الذي قاد، في ذلك الوقت، ثورة ضد الاستعمار البريطاني في مصر).
لكن، لم يلق المهدي من البريطانيين، في ذلك الوقت، غير التهكم.  وكأن اي زعيم من دول العالم الثالث لا يقدر على ان يقدم طلبا "معقولا".  مثلما اوضح اسم كتاب بريطاني عن السودان صدر في ذلك الوقت: "ارض النبي الكاذب."
وقال السفير ان دعوة المهدي (الذي اعتمد على كثير من سكان كردفان ودارفور) ضد الظلم انعكست، بعد مائة وخمسين سنة، على ما يجري الآن في دارفور، مثل ان اسم واحدة من منظمات دارفور الحالية هو "حركة العدل والمساواة."
 
روبرتسون:
 
لم يقلل السفير دور الشماليين في ظلم الجنوبيين بعد استقلال السودان (سنة 1956)، وانتقده.  
لكنه قال ان الحكم البريطاني، قبلهم، كان يريد فصل الجنوب عن الشمال فصلا كاملا.  في سنة 1922، اعلن البريطانيون قانون المناطق المقفولة "لوقف تجارة الرقيق، ووقف انتشار الاسلام".   وتعمدوا ان يربطوا ربطا قويا بين تجارة الرقيق والاسلام.
لكن، بعد ربع قرن فقط، اقتنع البريطانيين ان الجنوب "يرتبط ارتباطا قويا في المستقبل مع الشرق الاوسط، والجزيرة العربية، وشمال افريقيا."
نقل السفير هذه العبارة من خطاب القاه، سنة 1947، جيمس روبرتسون، ثاني مسئول بريطاني في السودان في ذلك الوقت.
والآن، بعد نصف قرن من اعتراف البريطانيين بخطأ فصل الجنوب عن الاسلام والعروبة، تريد منظمات اميركية، مثل "النيوكون" (تحالف مسيحيين متطرفين، ويهود صهاينة) و "البلاك كوكس" (كتلة النواب السود في الكونغرس) تكرار محاولة فصل الجنوب.  
الفرق الوحيد: ربط البريطانيون بين الاسلام وتجارة الرقيق، وهذه المرة يربط الاميركيون بين الاسلام والارهاب.
 
تعليق (1):
 
نشر السفير جملتين وصورتين توضح حقيقة تاريخية هامة، وهي انه لا توجد قوة في الارض تقدر على وقف انتشار الاسلام واللغة العربية، ليس فقط في جنوب السودان، ولكن، ايضا، في كل افريقيا السوداء:
الجملتان:
الاولى: "رغم ان هناك قادة جنوبيين يعارضون نشر اللغة العربية، صارت اغلبية اربعة ملايين جنوبي هاجروا الى الشمال تتكلم اللغة العربية."
الثانية: "صارت اللغة العربية في جنوب السودان لغة العمل في المكاتب، ولغة العبادة في الكنائس."
وحكي السفير ان قسيسا في قرية كدوك، في جنوب السودان، قال له: "تغيرت الاوضاع.  صارت لغة القرآن لغة المسيحيين."
ونشر الكتاب صورتين:
الاولى: من قرية لولى، في جنوب السودان، فيها تلاميذ مدرسة ابتدائية يتعلمون اللغة العربية التي قال الكتاب انها اصبحت "لنغوا فرانكا" (لغة  التخاطب) وسط الجنوبيين.
الثانية: من خلوة ود ابو صالح (قرب الخرطوم)، فيها تلاميذ يتعلمون القرآن، وكتب واحد على لوحه آيات تبدأ بألاية: "وما المسيح بن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل ..."
 
تعليق (2):
 
قال السفير ان المصريين غزوا السودان سنة 1821 للتنقيب عن الذهب، ولجمع الرقيق.  لكن، في نفس الوقت، ساهم المصريون في تأسيس السودان الحديث.  
يجب الا يبدو هذا تناقضا.  طبعا، كان الافضل لو طور المصريون السودانيين بدون استغلالهم.  لكن، لم يحدث هذا.  غير ان عدم حدوثه لا يقلل من الدور المصري في حضارة السودان.  ولا يقدرعاقل على ان ينكر ذلك.
ويمكن تطبيق نفس هذا المنطق على دور الشماليين (العرب والمسلمين) في جنوب السودان:
صحيح، استغل بعضهم الجنوبيين، واشتركوا في تجارة الرقيق.  لكنهم، في نفس الوقت، ساهموا في تطوير الجنوبيين.  طبعا، كان الافضل لو طور الشماليون الجنوبيين بدون استغلالهم.  لكن، لم يحدث هذا.  غير ان عدم حدوثه لا يقلل من دور الشماليين في تطوير الجنوبيين.  ولا يقدر عاقل على ان ينكر ذلك.
 
تعليق (3):
 
كأن السفير، عندما اعطى المهدي حقه، ووصفه بأنه "مجدد"، اراد تصحيح خطأ كبير ارتكبه، قبل سنتين، رئيسه روبرت زويلك، نائب وزير الخارجية السابق.  
وضع زوليك "دراسة تصحيحية تاريخية" عن السودان. (يقال انه تأثر في ذلك بعدد من المثقفين الجنوبيين في اميركا، منهم د. فرانسيس دينغ، الذي كان وزيرا في حكومة الرئيس جعفر نميري، وهو الآن خبير في معهد بروكنغز في واشنطن.  وهو من الذين ساعدوا الحكومة الاميركية على تنفيذ سياستها في جنوب السودان).
ذهب زوليك، في ذلك الوقت، الى الكونغرس، وقال: "في القرن التاسع عشر، حاول تجار ومرتزقة (ميرسيناريز) في الخرطوم تأسيس دولة بالقوة في وادي النيل."  
كان يقصد ثورة المهدي.  لكن، الحقيقة هي ان هذا "المرتزق" قاد واحدة من اهم ثورات العالم الثالث في القرن التاسع عشر.
واضاف زويلك: "سيطرت على حكم السودان زمرة (كليك) صغيرة من التجار والجنود والاداريين، ينحدر معظمهم من ثلاث قبائل تقع شمال الخرطوم."
كان يقصد قبائل مثل: المحس، والدناقلة، والشايقية، والرباطاب، والجعليين.  لكن، الحقيقة هي ان هذه "الزمرة" من اكثر القبائل تحضرا في السودان.
وكان واضحا ان زويلك (وهو، بداية ونهاية، موظف حكومي) سخر نفسه (او اجبر) لخدمة اهداف الكونغرس، و"النيوكون" في افغانستان، والعراق، والسودان، وغيرهم من الدول العربية والاسلامية.

(عن جريدة "الشرق الاوسط")

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
مممممممممممممممممممممم
 وثائق سابقة:
1.    تقرير المعهد الديمقراطي في واشنطن: مسح لأراء الشماليين والجنوبيين (2005)
2.    تقرير المعهد الجمهوري في واشنطن: جهود احلال السلام في الجنوب (2005)
3.    تقرير الخارجية الاميركية: خلفية مشاكل السودان (2005)
4.    تقرير مجلس الامن السنوي عن السودان (سنة 2005)
5. محضر نقاش في الكونغرس عن قانون سلام دارفور (2005)

6. محضر نقاش في الكونغرس عن قانون محاسبة السودان (2005)
7.    تقرير مجلس الامن السنوي عن السودان (سنة 2006)
8.    تقرير معهد بروكنغز في واشنطن: الحماية الدولية وسيادة السودان (2006)
9.    تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: تركيز السلام في الجنوب (2006)
10. محضر نقاش في الكونغرس عن دارفور (2007)

11. محضر نقاش في الكونغرس عن الجنوب (2007)

12. من كتاب جديد: اميركا ودارفور (2007)

13. من كتاب جديد: "اولاد البحر" و "اولاد الغرب" (2007)
14: كتاب السفير الاميركي : "السودان: ارض وشعب"
مممممممممممممممممممممم
الاسبوع القادم:
1.    فيلم اميركي عن الجنوبيين: دعاية مسيحية؟
ممممممممممممممممممممممم