من المعلوم أن معيار الإثبات المدني ومعيار الإثبات الجنائي يختلفان اختلافاً بالغاً ، فمعيار الإثبات في الدعوى المدنية هو معيار أرجحية البينات ، بينما معيار الإثبات في الدعوى الجنائية هو معيار البت والجزم والقطع واليقين  وإذا تخيلنا معياري الإثبات المدني والاثبات الجنائي في شكل نسب مئوية ، فإن نسبة إثبات قدرها 51% تكفي لكي تمكن المتقاضي من كسب الدعوى المدنية بالمقابل فإن نسبة إثبات قدرها 99% ستؤدي قطعاً إلى خسارة الدعوى الجنائية لأن أي شك ولو بنسبة 1% يجب أن يُفسر لصالح المتهم ، ولذلك يقال في المثل الجنائي "تبرئة ألف مدان ولا إدانة بريء واحد"! ولعل الشخص العادي لا يستوعب كيف تؤدي نسبة إثبات قدرها 51% إلى كسب الدعوى المدنية وخسارة الدعوى الجنائية في ذات الوقت، وربما يُعزى هذا التفاوت إلى حقيقة أن الدعوى المدنية تتعلق بالأموال بينما تتعلق الدعوى الجنائية بالأرواح ومن هنا جاء تخفيف عبء الاثبات المدني وتشديد عبء الإثبات الجنائي لأن الأموال قد تأتي وتذهب ولكن الأرواح إذا ذهبت فلن تعود!

ومن المؤكد أن مسالة وزن البينات تنطوي على صعوبات جمة رغم تقدم علم الإثبات ودقة نتائجه في العصر الراهن، والخطأ في وزن البيانات وارد في كل الأحوال فقد صدرت إحصائية جنائية في إحدى الدول المتطورة قضائياً بعنوان " أخطاء القضاء في خمسين عاماً " ورد فيها أن عشرات المدانين بجرائم القتل العمد والذين تم تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم قد ثبتت برائتهم بعد ذلك بعد اكتشاف أدلة جنائية جديدة! وعلى الرغم من ذلك فقد لا يتمكن ورثة المحكوم عليهم ظلماً بالإعدام من رفع دعاوى مدنية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بهم فمبدأ الحصانة القضائية يمنع تجريم القاضي عند إصداره للحكم بحسن نية ومبدأ حجية الأمر المقضي به يمنع إثارة أي دعوى جديدة حول أي موضوع تم البت فيه بشكل نهائي ومبدأ ارتباط الحكم المدني بالحكم الجنائي يقضي بدوران الحكم المدني وجوداً وعدما مع الحكم الجنائي النهائي ، فإذا كان الحكم النهائي قد صدر بالإدانة فلا يمكن رفع المطالبة المدنية على أساس البراءة! 

ومن المعلوم أن الناس العاديين يتهيبون من أي شخص محكوم عليه في جريمة قتل حتى لو ثبتت برائته بعد ذلك ولعل قصة الجزار الذي تمت تبرئته من جريمة قتل على أساس أنه كان يمارس حق الدفاع الشرعي خير دليل على ذلك ، فقد قامت إحدى العائلات باحضار جزار ليقوم بذبح خروف الضحية في صباح عيد الأضحى وحينما حضر أحد المحامين المنتمين لنفس العائلة احتضنه الجزار بقوة وذكره بأنه قد انقذ حياته حينما دافع عنه ذات يوم أمام المحكمة الجنائية الكبرى، في ذلك اليوم المشهود قام الجزار بالاستيلاء على ربع لحم الخروف بالإضافة إلى أجرة الذبح ثم غادر منزل العائلة المتوجسة دون أن يتجرأ أحد على الاعتراض على قرصنته التي تمت في وضح النهار وعلى مرأي ومسمع من جميع أفراد العائلة فقد كانت السكين الطويلة والسمعة المشبوهة حاضرتان بقوة في تلك اللحظات المفعمة بالمخاوف الجنائية الخفية!

 

فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.