قراءة وتعليق في وثائق المؤتمر العام الثالث لحركة القوى الديمقراطية الجديدة (حق)
قضية اللون كمفتاح للنظر للقضية السودانية (2 من 5)
تكاد حركة حق؛ من خلال الوثائق المعروضة في هذا المؤتمر؛ أن تتحول من حركة تستخدم أدوات التحليل الاجتماعي المختلفة؛ والدراسات والعلوم  المجربة ؛ والإحصائيات الكمية والكيفية ؛ أو  اختصارا المنهج العلمي؛ والذي قال عنه الخاتم في صياغته لبرنامج الحركة السودانية للديمقراطية والتقدم:
" المنهج العلمي القائم علي الملاحظة؛ والقياس الكمي للظواهر؛ والمسوح الإحصائية؛ والدراسة الميدانية؛ وتصنيف الحقائق وترتيبها؛ وطرح الأسئلة الصحيحة؛ وتكوين الفرضيات وابتداع النماذج؛ وإعمال الأساليب المنطقية من استنتاج واستقراء وإزالة للتناقض؛ وامتحان النتائج بالتجربة؛ وجعلها قابلة للنقض كما هي قابلة للإثبات " (الخاتم عدلان: المنطلقات النظرية لبرنامج الحركة السودانية للديمقراطية والتقدم)
إلي حركة تستخدم عاملا واحدا وحيدا؛ هو عامل المركزية العرقية ؛ أو عامل لون بشرة الإنسان؛ بصورة أكثر تحديدا؛  في تفسيرها للوقائع الاجتماعية ؛ وفي ذلك فان ورقة الحركة عن دار فور؛ والمسماة : دار فور: أتون الجحيم على وجه البسيطة؛ تشكل نموذجا صارخا على ذلك.
 إن هذه الوثيقة عن دارفور؛ يبدو أنها تعتمد بصورة كبيرة؛ في تأسيسها النظري؛ على ورقة كان قد كتبها الأستاذ الباقر العفيف ؛ تحت عنوان : " أزمة الهوية في شمال السودان :متاهة قوم سود... ذوو ثقافة بيضاء" ؛ وهي ورقة كتبها الأستاذ العفيف بالإنجليزية؛ وترجمها للعربية الخاتم عدلان؛ كما أنها تستند أيضا على معلومات وملاحظات ما سمي بالكتاب الأسود؛ وان كانت تتجاوزه بالسير في طريق المركزية العرقية لرؤية الأزمة في السودان؛ إلى حدود أقصى مما ذهب اليها الكتاب الأسود؛ والذي ركز على ثيمة التهميش؛ وليس على ثيمة اللون؛ كما ترى الأوراق الأخيرة لحركة حق .
إننا ننقل هنا ؛ لمصلحة القراء؛ خلاصة الورقة المذكورة عن دارفور؛ كما لخصتها الورقة نفسها؛ والتي تم تبنيها من قبل المؤتمر الثالث لحق؛ فماذا تقول الخلاصة :
"الخلاصة:
هذه محاولة للتنقيب عن الجذور الأكثر عمقاً للحرب في السودان. إننا على قناعة بأن أسباب الحرب الأهلية في السودان تنبثق جذرياً من مكمن الهوية العرقية. نعم، للحرب أسبابها السياسية، والاقتصادية والتنموية، ولكن جذورها الأعمق تظل سايكولوجية. إن السبب الأعمق جذراً، والمسكوت عنه، هو الهوية ومكوناتها العرقية والثقافية، ولذلك لم يك اعتباطاً ولا صدفة أن أصبحت الهوية هي الخيط الناظم لمجموعتي النزاع . إن محاولة تصوير الصراع بأنه اقتصادي بحت بين الرعاة البدو الرحل والمزارعين المستقرين تتجاهل الإرث الثقافي لنمط الحياة البدوية الرعوية، وهو الإرث المشبع بالنزعة القتالية العدوانية الممجدة للغزو والسبي والنهب والاستباحة والضرورية من أجل التوسع المستمر في رقعة الأراضي التي يترحلون فيها دون قيود. وكما ينظر البدو الرحل إلى أنفسهم كمقاتلين أشاوس وسادة أحرار، فإنهم ينظرون بقدر لا متناه من احتقار لحياة الاستقرار والدعة عند المزارعين والتي يرون فيها حياة ومهنة لا تليق إلا بالعبيد. أما الذين يحاولون قصر الأزمة على رغبة النظام في بناء حزام عربي إسلامي في دارفور تمهيداً لتوسعه غرباً، فإنهم يتجاهلون ما كشفت عنه الأزمة في ثناياها عن الوجه العنصري لتيار الاسلام السياسي، وعن تصنيفه لأخوة الدين على أساس عرقي يتربع على قمة هرمه العرب الخلصاء في فلسطين والعراق وما جاورها، ويقبع في أسفله الزرقة في دارفور الذين لا يجوز أن تصرف تأوهات عذابهم وصرخات شقائهم ولا نواح ثكالاهم وأيتامهم أنظار العالم عن مؤامرات الصهيونية والغرب على الأمة وعن فضائحهما في أبو غريب وغوانتنامو.
هناك الكثيرون، ومن بينهم ثوار دارفور أنفسهم، ممن تحدثوا عن سياسات التهميش كسبب للحرب، وذلك صحيح إلى حد معين. ولكن السؤال الذي يتفرع من ذلك سيكون عن السبب في سياسات التهميش نفسها . صحيح تماماً أن جميع مناطق السودان، ربما باستثناء الخرطوم وبعض مناطق الجزيرة، هي في درجة ما من درجات التهميش في التنمية باختلافات نسبية بينها، ولكن ليس من الصحيح القول بأن أسباب التهميش هي نفس الأسباب في كل المناطق. وكمثال فإن منطقة الشمالية، مسقط رأس الطبقة الحاكمة، مهمشة، ولكنها ليست مهمشة لنفس أسباب تهميش مناطق الجنوب والغرب والشرق. إنها مهمشة لأن معظم سكانها نزحوا إلى وسط السودان والخرطوم والجزيرة وكونوا الطبقة التجارية في البلاد كلها ومن ثم احتل أبناؤها مقاعد السلطة في الخرطوم. بمعني آخر، في حين أن منطقة الشمالية مهمشة فيما يتعلق بفقدان البنية الأساسية والصناعة، فإن أهل المنطقة ذاتها ليسوا مهمشين، تبعاً للمثل الشهير "الفي إيدو القلم ما بكتب نفسو شقي". لقد ظل الذين بقوا في المنطقة، ومعظمهم من كبار السن، يدعمون بالتحويلات النقدية من أبنائهم وبناتهم في وسط السودان قبل زمان أطول بكثير من بداية هجرة السودانيين لدول الخليج. إن هناك عاملاً عرقياً يعزز من أسباب التهميش في جنوب وغرب وشرق السودان، وهذا العامل غير موجود في الأسباب التي قادت إلى التهميش في شمال السودان. وتحكى رواية أنه في بداية 1969 في الفترة الديمقراطية الثانية في السودان، تم تشييد مستشفى جديد على طراز المباني الجاهزة في الحوش في وسط السودان، و كان الناس يتندرون وهم يشيرون إلى إسم "جوبا" المكتوب على أغلفة المواد التي كانت تركب منها المستشفى. لقد كانت المستشفى مهداة من جهة ما خارج السودان لمدينة جوبا ولكن وزير المالية حينها وكان هو النائب عن دائرة الحوش الانتخابية في الجمعية التأسيسية اختطف المستشفى وحولها إلى دائرته. فهل يمكن أن يكون هناك تفسير لذلك غير القيمة العرقية للناس؟ إن جذور الحرب تفصح عن نفسها في كلمات "حكمة" تلك السيدة الدارفورية التي قالت لهيلاري أندرسون أنها سمعت مهاجميها يقولون "السود عبيد، السود أغبياء، إقبضوا عليهم أحياء، قيدوهم، وخذوهم معكم".
إن القسوة التي تميزت بها الطبقة الحاكمة الشمالية في قمع المكون الأسود للبلد، ليست إلا انعكاساً لرغبة الشماليين الجارفة في قتل المكون الأسود في ذواتهم. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الأغلبية العظمى من النخبة الشمالية تؤمن أنها متحدرة من أب عربي وأم أفريقية، ولكنها تتماهى مع الأب وتقصي الأم عن وعيها. ومثل الشاعر الجاهلي الكلاسيكي البطولي عنترة فإن الشماليين يخجلون من أمهاتهم ويرونها بعيونه، تجسيداً للقبح، ضبعة، بساقين كساقي النعامة وشعر كحب الفلفل الأسود. إن اضطهاد الجنوبيين والنوبة والأنقسنا والدارفوريين ما هو إلا تعبير خارجي عن القمع الداخلي المستمر للأم في داخل الذات الشمالية. لقد ذكرنا من قبل في ورقة "أزمة الهوية في شمال السودان" أنه "يمكن لمشكلة الحرب في الجنوب أن تحل عن طريق انفصال الجنوب عن الشمال. ربما يكون في ذلك حل لمشكلة الجنوب مع الشمال، ولكنه لن يحل أزمة الهوية الشمالية. ومن الواضح أن أزمة الهوية في الشمال قد وصلت إلى قمتها، وبدأ التوازن يختل من جديد. وقد طرحت التساؤلات حول الهوية وعلي الشماليين أن يختاروا : أما أن يتشبثوا بالهامش، أو يخلقوا مركزا خاصا بهم". لذلك فإننا نطرح هذه الدعوة للشماليين السودانيين كي يواجهوا حقيقة أنفسهم، أن يعترفوا بتناقضات هويتهم المتخيلة وأن يعيدوا النظر فيها وأن يقبلوا ويعترفوا بالأم في داخلهم، حتى يصبحوا سودانيين من الدرجة الأولى بدلا من أن يكونوا عربا من الدرجة الثانية . وما لم يحدث هذا فإنهم لن يقبلوا "الآخرين" كمساوين لهم، وسنستمر في فقدان الفرص الضخمة والتي تحمل وعوداً عظيمة لمستقبل بلادنا وربما لسلام المنطقة بأسرها. " (حركة حق: دارفور: أتون الجحيم على وجه البسيطة)
نذهب اكثر ونأتى بمقطع مهم؛ أتي به كاتب الوثيقة دون أن يقف منه موقفا نقديا؛ ويتضح من كامل السياق انه متفق معه ؛ يقول الكاتب تحت عنوان" إعادة صياغة الهوية ":
"لقد قطعت الأحداث الأخيرة في دارفور تواصل تلك العملية، وأجبرت المركز وكذلك الأطراف على إعادة النظر في قناعاتهم السابقة، فبعض مجموعات الزرقة والتي كانت تزعم أن لها نسباً عربياً بدأت تعيد النظر في ذلك الآن. وكما يقول ذلك الباحث، فوسط تلك المجموعات "استطاعت الأفريقانية أخيرا أن تخلف اللغة والإسلام ونفوذ الثقافة العربية كعامل حاسم في تحديد الهوية. بالنسبة لهم فإن الأفريقانية تعني الانتماء التاريخي للأرض وكذلك الفخر بسواد بشرتهمً، ولكن فوق كل ذلك فإنها تعني التميز عن أعدائهم الجدد العرب ." (المرجع السابق).
ويبدو أن كاتب الورقة لا يقبل حتى باطروحات الكتاب الأسود؛ والذي تحدث عن مسالة التهميش من منطلقات جهوية ؛ لا عرقية ؛ حيث ينتقد الكاتب تسمية الكتاب؛ لماذا هو أسود ؛ في فقرة عنونها ب" الكتاب الأسود: لماذا هو "أسود"؟ ؛ وهو سير في نفس نسق العرق بل اللون؛ الذي سارت عليه وثيقة أزمة الهوية في شمال السودان؛ قوم سود بثقافة بيضاء ؛ وهو نسق لا يمكن أحالته لمنهج الخاتم عدلان العلمي المشار إليه أعلاه؛ وذلك عندما نقرأ مثل هذه الجملة المفرطة في عموميتها وخطلها :
"كيف ولماذا قبلت القبائل العربية في دارفور، وهي نفسها قبائل مهمشة، أن تصبح أداة في يد السلطة لاستخدامها ضد جيرانهم من الزرقة المهمشين مثلهم، بدلاً من أن توجه أنظارها نحو الطبقة الحاكمة في مركز السلطة باعتبارها العدو المشترك؟"  (المرجع السابق)

إن الكاتب هنا يبدأ بمقدمة خاطئة؛ لكيما يحاول تقديم الإجابة على سؤاله الخاطي .. فالكاتب بعد أن تطرق في الورقة لتجربة الجنجويد وتاريخها بصورة علمية إلى حد كبير؛ يقفز فجأة للقبائل العربية؛ ويماهيها مع الجنجويد ؛ بل ويفترض إن القبائل العربية قد أصبحت أداة في يد السلطة ؛ دون أن يثبت لنا هذا الاتهام الفج والخطير؛ ويذهب للإجابة على السؤال الذي لم تثبت بديهيته؛ وهو أن القبائل العربية - وليس مجموعات الجنجويد - قد أصبحت أداة في يد السلطة الخ الخ .
وفقا لهذه الوثيقة التي تعتمد على مركزية الأعراق؛ او بصورة أكثر دقة على مركزية الألوان ؛ فان أعداء القبائل الزنجية في دار فور الجدد هم العرب؛ وليس النظام الحاكم والنخب المهيمنة؛ وان القبائل العربية في دارفور أصبحت أداة في يد السلطة؛ وليس مليشيات الجنجويد؛ كما إن أسلوب العنف والقسوة في حرب السلطة ضد مواطنيها لا يرجع للطابع الفاشي للسلطة الحالية وحزبها الحاكم ؛ والذي يشكل العنف الغاشم واحدة من ركائز أيدلوجيتها الأساسية؛ وإنما هو انعكاس "لرغبة الشماليين الجارفة في قتل المكون الأسود في ذواتهم" .
هذا التحليل اللوني الذي لم يأت به احد في السياسة السودانية؛ ربما منذ حركة اليد السوداء في الأربعينات؛ والتي نعلم اليوم أنها خدمت مصالحا مشبوهة لقوى اليمين السوداني؛ يصبح مرجعا نظريا أساسيا لحركة تقول أنها تناضل من اجل الديمقراطية والعلمانية والاستنارة والحداثة ؛ فأين الحداثة والعلمانية والتغيير الاجتماعي من النظريات العرقية واللونية ؛ وكيف تريد الحركة أن تناضل في مجتمع تقسم فيه الناس على أساس اللون؛ وتحمل جرائم أنظمته القمعية ؛ لنوازع سيكولوجية مجهولة؛  تنسبها لقسم واسع من مواطنيه؛ تسميهم  العرب مرة؛  والشماليين مرات  .
إن هذا التحليل لا يمر عبر نظريات التهميش؛ والتي رغم اعتراضنا على بعض أجزائها؛ فانها تفسر بعضا من جوانب الأزمة ؛ ولا في نظريات الهوية ؛ والتي أيضا تلعب دورا في تفسير بعض جوانب الأزمة السودانية ؛ وإنما يخط طريقا جديدا وفريدا؛ وهو  نظرية اللون كأداة تحليل اجتماعي؛ تسقط أو تقلل من دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية العميقة ؛ ومن عامل التخلف كالعامل الأساس في خلق الأزمة السودانية ؛ والذي أشار إليه الخاتم في عدد كبير من كتاباته؛ ومن مسؤولية النخب والأنظمة الحاكمة والأحزاب الطائفية والفاشية ومن مسؤولية لوردات الحرب وتجار الحروب ؛ لتلقي باسباب الأزمة على المواطنين الشماليين وهويتهم الخ
يقول البيان الختامي لمؤتمر حركة حق حول قضية دارفور:
"ج. قضية دارفور:
ناقش المؤتمر ورقة "دارفور: أتون الجحيم على وجه البسيطة" وإجازها مشيداً بالجهد الفكري الذي بذل في إعدادها.
يتفق المؤتمر تماماً مع طرح الورقة في أن أسباب الحرب الأهلية في السودان تنبثق جذرياً من مكمن الهوية العرقية. نعم، للحرب أسبابها السياسية، والاقتصادية والتنموية، ولكن جذورها الأعمق تظل هي الهوية ومكوناتها العرقية والثقافية.
لقد كشفت الأزمة في دارفور عن الوجه العنصري لتيار الاسلام السياسي وللسلطة ولمناصريها من دعاة هيمنة الثقافة العربية الإسلامية، وعن افتضاح وجههم العرقي البغيض رغم دعاويهم العريضة حول الأخوة الدينية. كشفت أحداث دارفور عن عقلية تؤمن بهرم عرقي يتربع على قمته العرب الخلصاء في فلسطين والعراق وما جاورها، ويقبع في أسفله الزرقة في دارفور الذين لا يجوز أن تصرف تأوهات عذابهم وصرخات شقائهم ولا نواح ثكالاهم وأيتامهم أنظار العالم عن "مؤامرات الصهيونية والغرب على الأمة وعن فضائح أبو غريب وغوانتنامو".
إن القسوة التي تميزت بها الطبقة الحاكمة الشمالية في قمع المكون الأسود للبلد، ليست إلا انعكاساً لرغبة الشماليين الجارفة في قتل المكون الأسود في ذواتهم. إن اضطهاد الجنوبيين والنوبة والأنقسنا والدارفوريين ما هو إلا تعبير خارجي عن القمع الداخلي المستمر للأم السوداء في داخل الذات الشمالية. لذلك فإننا نطرح دعوة للشماليين السودانيين كي يواجهوا حقيقة أنفسهم، أن يعترفوا بتناقضات هويتهم المتخيلة وأن يعيدوا النظر فيها وأن يقبلوا ويعترفوا بالأم في داخلهم، حتى يصبحوا سودانيين من الدرجة الأولى بدلا من أن يكونوا عرباً من الدرجة الثانية. وما لم يحدث هذا فإنهم لن يقبلوا "الآخرين" كمساوين لهم، وسنستمر في فقدان الفرص الضخمة والتي تحمل وعوداً عظيمة لمستقبل بلادنا وربما لسلام المنطقة بأسرها" (المؤتمر الثالث لحركة حق: البيان الختامي والتوصيات)

هل يمكن إن يصبح مثل هذا التحليل الفطير  والخطير لأزمة دار فور؛ وللازمة السودانية؛ برنامجا ومدخلا للتحليل والعمل ؛ لقوة ديمقراطية مثل حركة حق ؟؟ تطمح لبناء بديل علماني وديمقراطي ومدني ؟
لا نستغرب إذن على ضوء هذه النظرة اللونية ؛ أن خلا البيان الختامي للمؤتمر وتوصياته؛ من اى توصيات عملية ومحددة وديمقراطية؛ لوقف الحرب في دارفور؛ وإنقاذ النازحين والمهجرين ؛ وإعادة السلام الأهلي واللحمة الاجتماعية بين مواطني دارفور؛ ومحاكمة المجرمين المحددين باسمائهم؛ كما طرح مجلس الأمن؛ وهو الأمر الذي وافقت الحركة عليه من قبل؛ وكذلك إعادة تأهيل إقليم دارفور ؛ ومحاربة الكارثة البيئية الخطيرة فيه؛ وحل مشكلة الأرض وعلاقات ملكيتها؛ واستشراف الآفاق التنموية في الإقليم؛ وتقوية المواطنين والمؤسسات المدنية ؛ الخ الخ ؛ من الاطروحات الديمقراطية والعملية.
هذه المطالب البديهية تعيد الصراع لطابعه الاجتماعي والسياسي؛ وتعالج مشكلة التخلف في الإقليم وفي كل السودان؛ وتواجه قضية السلطة الحاكمة مباشرة؛ والنخب السودانية والدارفورية الفاشلة؛ وتكشف ضعف نظرية اللون في التعامل مع الأزمة ؛ والتي لا تقدم اى برنامجا عمليا لحل الأزمة في دارفور؛ او في عموم السودان.
إن المجال هنا لا يتسع لنقاش نظرية اللون وقضية المركزية العرقية في ورقة الباقر العفيف الاولي؛ عن ازمة الهوية في شمال السودان؛ وعن مجمل الاطروحات المقدمة في ورقة دارفور الحالية؛ ولكننا نكتفي بالقول اننا نرفض منهجها تماما؛ حتى نعود لها في مجال أوسع . إلا إننا نقول إن مثل هذه الورقات خطيرة عندما تصبح برنامجا واطارا نظريا لحركات ديمقراطية؛ مثل  حركة حق؛ ورغم أن الخاتم  قد تقبل - صراحة أو ضمنا - ورقة الباقر العفيف الأولي؛ بدليل ترجمته لها؛ وعدم نقدها علنا؛ إلا إنها كانت ورقة شخصية يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف؛ ولم تكن وثيقة رسمية للحركة؛ يفترض أن تعالج بجدية واهتمام وحرص..
إن المجال أيضا  لا يتسع لصياغة ما نراه حدا ادني لاتفاق القوى الديمقراطية حول النظر لقضية دارفور واطر معالجتها؛ وان كنا قد حاولنا ذلك في منابر أخرى ؛ ولكننا نعتقد أن القوى الديمقراطية قد طورت مواقفا متقدمة يمكن الاستناد عليها؛ ومن بينها بيانات حق نفسها حول الأزمة في دارفور؛ وموقفها من قرار مجلس الأمن ؛ وكذلك اطروحات كل من الحزب الليبرالي السوداني ؛ والحزب الدستوري الديمقراطي ؛ والتحالف الفيدرالي ؛ وكذلك مساهمات مثقفين دارفوريين وسودانيين مختلفة؛ وفي القلب منهم مساهمات الدكتور على دينار.
في نفس الإطار يمكن الاستفادة من مبادرات أهلية متعددة ؛ من بينها لقاء الفاشر الأول للقيادات الأهلية في 2003 ؛ وغيرها من المساهمات؛ بل وحتى اطروحات منظمات عالمية مثل منظمة العفو الدولية وراصد حقوق الإنسان ومجموعة الازمات العالمية الخ ؛ والتي قدمت تحليلا أكثر شمولية واتساعا من الورقة أعلاه؛ وهي تحليلات اعتقد أنها تتفق مع اطروحات القوى الديمقراطية ؛ ويمكن ان تقدم اطرا  واقعية ومناسبة ؛ للنظر للازمة في دار فور ومعالجتها؛ يمكن تبنيها وتطويرها؛ بعيدا عن التفسيرات العرقية واللونية ؛ والتي لا تنتج مقاربة صحيحة؛ ولا تقدم حلولا عملية ؛ لواقع الأزمة المتشابكة في دار فور وفي عموم السودان .