جنوب السودان
مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال 1/3
تأليف: الدكتور محمود قلندر
عرض وتحليل:  د. أحمد إبراهيم أبوشوك
تقديم
إن القراءة التاريخية لأحداث الماضي البشري تحكمها منطلقات شتى، تختلف باختلاف التوجهات الفكرية للباحثين، ودرجة استيعاب القُرَّاء للمادة التاريخية التي يعرضونها، فالإطار الفكري لكل باحث يمثل البِنْية التحتيَّة التي يقوم عليها صرح مفردات الحدث التاريخي المُدوَّن من وجهة نظر ذلك الباحث، الذي يستقي مرجعيته من تراث الماضي وفق حزمة من الأسئلة المتأثرة بإسقاطات الحاضر، والمرتبطة بقضايا الـهُويَّة، والأصالة، وإثبات الوجود البشري الفاعل في تحديد مسارات حياة الناس العامة والخاصة. فإسقاطات الحاضر على الماضي تؤثر سلباً أو إيجاباً في توجيه دفَّة الحياة الإنسانية، لأنها تصوغ مرجعية الماضي من منظور انتقائي، قائم على تعتيم الجوانب المظلمة من حركة التاريخ، وتسليط الضوء على الجوانب المشرقة، فهذا الاتجاه من التأليف يصب في وعاء ما يُعرف بالتربية الوطنية، أما الاتجاه القائم على جمع شتات السلبيات دون الإيجابيات فهو اتجاه معاكس يقضي بتفتيت وحدة البناء الوطني، وذلك إذا افترضنا جدلاً أن الدولة القُطرية هي الوعاء الأنسب لمناقشة وقائع التاريخ الحديث. ومن ثم فإن القراءة التاريخية الفاحصة يجب أن تكون قراءة شاملة في إطار ظروف العمران البشري الذي تشكلت فيه أحداث الماضي، ومن خلال فهم ثاقب للمقاصد الكامنة وراء تلك الأحداث، بعيداً عن إسقاطات الحاضر المعششة في مخيلة التراث الشعبي. وبهذه الكيفية تستطيع مثل هذه القراءة أن تسهم في تأسيس وعاء معرفي لفهم الجوانب التاريخية التي لديها حضور كثيف في تشكيل مفردات الحدث التاريخي المعاصر.
    وتقودنا هذه التوطئة إلى القول بأن قضية الصراع السياسي والحرب الأهلية في جنوب السودان هي من أهم القضايا التي تستند معطياتها الأولية إلى الفعل التاريخي البشري، الذي تتبلور معالمه في مجاهدات إنسان الجنوب المحارب من أجل تراثه المحلي، وفي سيادة المستعمر (التركي، والانجليزي-المصري) الذي سعى بشتى السبل والوسائل لفرض سلطانه على السودان وتحقيق تطلعاته الاستعمارية، وفي تركة إنسان الشمال الذي ورث سيادة دولة السودان القُطرية المستقلة، إلا أن هذه السيادة قد طعن في شرعيتها شريكه في الجنوب، وبذلك انهارت الثقة بين شقي القُطر الحر المستقل، وتدريجياً تحوَّل هذا الانهيار إلى حالة أزمة، ثم بلغت هذه الأزمة ذورتها في الصراع السياسي المسلح الذي جثم على صدر بلد المليون ميل مربع قرابة نصف قرن من الزمان. وبذلك أضحت مشكلة جنوب السودان تمثل محور اهتمام العاملين في الحقل السياسي، والباحثين في الشأن السوداني، وترهق مخيلة رجل الشارع العادي الذي أثرَّتْ الحرب الأهلية في لقمة عيشه التي يكتسبها بجهد الأنفس في أرض الوطن المتصدع أو في بلاد المهجر التي شدَّ إليها رحاله بغية العيش الكريم أو الهروب من صلف السياسة في السودان. وعلى هدي هذه الخلفية تنوعت آراء العاملين في الحقل السياسي والباحثين في المؤسسات الأكاديمية وغيرها حول تحديد الأسباب الكامنة وراء مشكلة الجنوب، وكيفية معالجتها من خلال أطروحات تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم الـهُويَّة، وطبيعة المشاركة في السلطة، وكيفية توزيع الثروة، تعللاً بأن حل هذه القضايا المصيرية ومثيلاتها وفق معاهدات يتراضى عليها الخصوم سيسهم في ترميم شبكة الاتصال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي بين أبناء السودان الواحد، وفي إعادة الثقة المفقود بين الخصوم، ثم الاسهام في دفع عجلة النماء والتطور التي تمثل بُعد اتصال آخر. 
    فقد وقفنا في هذا الشأن على جملة من الأطروحات التي روج لها ونشرها نفر من أعلام أهل السودان، ونذكر منهم الاستاذ الجامعي محمد عمر بشير، ورجل القضاء والسياسة الأستاذ أبيل ألير، والدبلوماسي-السياسي الدكتور منصور خالد. فلا شك أن هذه الأطروحات تحمل بين ثناياها كثيراً من القواسم المشتركة وخطوط التماس المختلف عليها، لكن هذا الاختلاف لا يؤثر في قيمتها المعرفية، لأنها تقدم المعطيات التي تقوم عليها مادة الحوار الهادف، الذي يسهم في وضع الحلول المناسبة، وتقديم صوت العقل على صوت الرصاص.
ومن تلاميذ المؤسسة العسكرية التي ترعى صوت الرصاص خرج إلينا اللواء معاش الدكتور محمود قلندر بكتابه الموسوم بـ "جنوب السودان: مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال، 1900-1983م"، والكتاب في مجمله عبارة عن قراءة تاريخية لحيثيات مشكلة الجنوب من خلال منهجية جديدة تسمتد شرعيتها من أدبيات "علم الاتصال الاجتماعي"، الذي يُدرِّس مادته الدكتور قلندر في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا. والكتاب موضوع مُدارستنا صدر عن مطابع دار الفكر الدمشقية، في هذا العام (2004م)، فهو يتكون من 342 صفحة من الحجم المتوسط، تتصدرها كلمة أستاذ علم السياسة الدكتور مدثر عبد الرحيم الطيب، الذي ثـمَّن مادة هذا السفر القيم، ووصفه بأنه "دراسة لا تقوم على التعميم المبتسر الذي درج عليه كثير ممن عرضوا للموضوع، ولا سيما من ذوي النـزعات الحزبية، والتوجهات الدعائية المعلنة أو الخفية، بل على الاستقاء المتأني لتفاصيل الأحداث والوقائع التاريخية عبر مرحلة محددة بالغة الأهمية، ... تنامت في أثنائها عوامل الفرقة وفقدان الثقة بين طرفي القطر، بصورة تراكمية مأساوية." (قلندر:ص 13) وتلت هذه الكلمة مقدمة الكتاب وفصوله الستة، ثم الخاتمة وثبت المراجع العربية والانجليزية.  
وفي مراجعتنا لهذا الكتاب القيّم في موضوعه سيدار النقاش عبر ثلاثة محاور أساسية، وذلك حسبما جاء عليه الترتيب الموضوعي لمادته التاريخية، ولا شك أن كل محور سيقدم المعطيات الموضوعية التي تقودنا إلى استيعاب نتائج المحور الذي يليه. ويمكننا من خلال هذا العرض أن نري إلي أي مدى استطاع الدكتور قلندر أن يوثق لرصيد مشكلة الجنوب المترابط الحلقات والمتداخل الأدوار من خلال قراءة جديدة تقوم على مفهوم انهيار الاتصال، الذي أطَّر له لويس كوزر (Lewis Coser) في خمسينيات القرن الماضي، كحالة "اجتماعية-نفسية ناتجة عن وجود واقع اجتماعي وثقافي ونفسي شديد التباين بين الأطراف المشتركة في عملية الاتصال". وتظهر هذه الحالة في شكل نزاع منبثق عن إحساس أحد الأطراف بأن الطرف الآخر يخالفه في المواقف، أو الآراء، أو يزاحمه على موارد الكسب المحدودة، ويَعقُب ذلك غضب عارم، يتراكم في شكل حقد وكراهية تجاه الطرف "الظالم"، ومحصلة ذلك تكون الاقتتال، الذي يفضي إلى انهيار الثقة وردم جسور الاتصال بين الخصوم (قلندر: ص 16-17). ومفهوم الاتصال المستخدم في هذه الدارسة هو مفهوم شامل للواقع الثقافي والاجتماعي الذي يحيط بالأفراد والجماعات، ويشكل قدرة استيعابهم للبيئة التي يعيشون فيها، وطبيعة قنوات الاتصال التي تعارفوا عليها، وفاعلية القوانين التي استنوها لتحكم دقائق بيئاتهم المحلية. هكذا يشكل الدكتور قلندر الهيكل النظري لدراسته، الذي يقوم على فرضية مؤداها أن مشكلة الجنوب في أساسها "صراع اجتماعي وثقافي، قبل أن يكون صراعاً سياسي الأبعاد." (قلندر: ص 18)  لذا فإن الحلول السياسية، من وجهة نظره، هي عبارة عن مسكِّنات لوقف نزيف الدم الذي يمثل مراحل الصراع في ابشع صورها، إلا أنها لا تسهم إسهاماً مباشراً في معالجة معطيات الأزمة الاجتماعية والثقافية، القائمة على انعدام الثقة وانهيار قنوات الاتصال. ومن ثم فإن المعالجة المثلى، كما يرى قلندر، تكمن في خلق أرضية اجتماعية وثقافية، تُشق فيها قنوات الاتصال الأفقية بين عامة الناس، والرأسية بين الحاكم والمحكوم، وعلاوة على ذلك يجب أن ترعى هذه القنوات وتصينها مؤسسة سياسية واعية بأبعاد المشكلة الحقيقية.  

مشاهد من التاريخ على طريق انهيار الاتصال
يقدم هذا المحور عرضاً تحليلياً للفصل الأول الموسوم بـ "مشاهد من التاريخ على طريق انهيار الاتصال"، وذلك من خلال قراءة تاريخية تسلط الضوء على علاقات الاتصال التي نشأت بين الشمال والجنوب، ودواعي الانهيار التي لازمت مراحل نشأتها وتطورها في الاتجاه المعاكس، وذلك إبتداءً بالعهد السناري (1405-1821م)، وبمروراً بالعهدين التركي (1821-1881م) والمهدوي (1881-1898م)، وانتهاءً بالحكم الإنجليزي-المصري (1898-1955م) وتداعياته. ويوضح الدكتور قلندر في مدخل حديثه عن هذه القضايا ومثيلاتها، أن واقع الحال في الجنوب كان واقعاً احترابياً آنذاك، قوامه الصراع والاقتتال، الذي فرضته ظروف الحياة القبلية، التي كانت تشكو من عدم وجود أية سلطة مركزية تنظم علاقاتها الاجتماعية، وتشرف على تقسيم موارد الثروة المحدودة بطريقة عادلة تكفل حق الجميع. ويبدو أن هذا الواقع قد دفع اللواء قلندر إلى القول بأن الصرع بين القبائل في الجنوب كان "متصلاً ومستمراً" إلى حد يرقي إلى درجة "الفوضى" السائدة في أواسط المجتمعات البدائية. ويرجح الرأي بأن مثل هذا التناحر كان سبباً تاريخياً دفع "سلاطين السلطنة الزرقاء إلى الحذر من التعامل السياسي مع الجنوب، باعتبار أن مثل ذلك التعامل يمكن أن يغرق الدولة في مستنقع من الصراعات الجانبية التي تلقي بظلالها على الاستقرار الهش لتلك السلطنة" (قلندر: ص 30). ومن هذه الزاوية ينظر المؤلف إلى مؤسسة الرق في ذلك العهد باعتبارها ظاهرة اجتماعية، أفرزها واقع الحال القائم في الجنوب والشمال على مبدأ الصراع ذي البُعد الاقتصادى، الذي تجسدت حصيلته في جيوش من الأسري تمَّ استرقاقهم، وأصبحوا جزءاً من المغانم القبلية في الجنوب، ومغانم السلطنات الإسلامية في الشمال. إلا أنه يقر بأن مؤسسة الرق لم تكن مؤسسات جامدة في السودان، بدليل أنها قد اكتسبت بُعداً أيديولوجياً وعرقياً مزدوجاً، عندما حُصرت مصادرها في القبائل اللادينية، وارتبط دورها الوظيفي بمؤسسات السلطة والولاية في شمال السودان.
أما العهد التركي فقد كان يمثل مرحلة هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية أعمق، تجلت معالمها، حسب رأي المؤلف، في بسط سلطان الحكم التركي السياسي على بعض اجزاء الجنوب بقوة القهر والسلاح، وفي تمكين نفوذه الاقتصادي بتوسيع دائرة التعامل في الرق ونهب خيرات البلاد الأخرى، وفي تنشيط عمل الهيئات التبشرية المسيحية، والسماح لبعض القيادات المسلمة، التي قدمت إلى الجنوب إما في صحبة الحاكم التركي، أو بدافع التجارة في الرقيق وسن الفيل وريش النعام، بممارسة نشاطها الدعوي الإسلامي في أحراش الجنوب. وحصلية ذلك كله تبلورت في "مرحلة القهر المسئ، حيث استغل الضيف القادم بساطة المضيف، فعاث فساداً في أرضه، وانتهك حرمة المجتمع، وسعى لخلخلة تماسكه الاجتماعي بتجريده من مقوماته الأساسية، وإفراغ النظام الاجتماعي الراسخ لقرون من محتواه بالقتل أو الاسترقاق، أو حتى التناسل." (قلندر: ص 75). وبهذه الكيفية ضعفت فرص الاتصال الاجتماعي والثقافي القائم على التراضي بين الطرفين، وبدأت مظاهر النفور والحقد والكراهية تطفو إلى السطح.
وهذا الواقع لم يتغير بمجئ الحكومة المهدية (1881-1898)، لأن المهدية نفسها لم تنجح في بسط سلطانها على الجنوب، ولم تفلح في إعادة ثقته المفقودة في الشمال، لذا "فإن القبائل الجنوبية عادت إلى سابق حالها من الصراع والاحتراب، إلى أن جاءت الإدارة البريطانية، وأخذت في بسط نفوذها على المنطقة مرة أخرى." (قلندر: ص 54) بيد أن بسط نفوذ المستعمر البريطاني في جنوب السودان، كما يرى قلندر، لم يتم بين عشية وضحاها، ولم تستقبل القبائل الجنوبية المستعمر الجديد بالبشر والترحاب، بل واجه المستعمر حرباً ضروساً، انطلقت من حرص إنسان الجنوب الفطري على سيادة نظامه  التقليدي وسيطرته، ومحاربة أي نظام اجتماعي دخيل يقضي بتقطيع أواصر مؤسساته التقليدية العتيقة. ويعلق قلندر على هذا الواقع الصدامي بقوله: "تحول الإداريون [البريطانيون] إلى حكام متسلطين لايهمهم من أمر الجنوب إلا أن يدين لهم بالقهر. فوجدت قبائل الجنوب نفسها في مواجهة عنف أحمق، تصدت له بما يستحق من ثبات، وأقبلت على ما رأته واجباً في حماية الموروث الاجتماعي، بفدائية تجبر على التقدير والاحترام". (قلندر: ص 60)  وبعد أن دانت القبائل الجنوبية لسلطة القهر والاستبداد حاول المستعمر أن يمزق أوصال الاتصال الثقافي-الاجتماعي بين الشمال والجنوب، حيث حرص على تشجيع التبشير المسيحي، ووضع التعليم المدني تحت إشراف مدراس الإرساليات الكنسية، وجعل الإنجليزية اللغة الرسمية في جنوب، وحارب مظاهر الثقافة العربية الإسلامية، حيث منع رؤساء القبائل من اتخاذ أسماء عربية أو لبس الزي العربي، ثم أبعد التجار الشماليين من الأسواق الجنوبية، والعاملين المسلمين من وظائف الدولة في الجنوب. وبلغت هذه الروح الانفصالية ذروتها بإصدار قانون المناطق المقفولة الذي سعى إلى عزل الجنوب إدارياً، وثقافياً، واجتماعياً من الشمال، وبذلك غُرست بذور الفرقة والشتات بين أبناء الوطن الواحد، وشُيد حاجز نفسي بين طرفي القطر، يقوم على تراث مؤسسة الرق، واختلاف العرق والدين. وبذلك استطاعت الإدارة البريطانية، كما يرى  المؤلف، أن "تـُمدِّن" جنوب السودان في إطار قيمها الغربية وبعض ثوابت تراثه المحلي، ونجحت أيضاً في "اجتثاث كل نبتة اتصال اجتماعي نمت أو تحاول أن تنمو بين الشمال والجنوب." (قلندر: ص 78).

نقلاً عن الأحداث

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]