ربما   يطالع   القراء  هذا المقال  قبل  حلول  موعد الفجيعة  الديمقرطية  المتوقعة  فى  مساء  الثلاثاء  الموافق  الثانى  من نوفمبر  عندما    يكون الشعب  الامريكى  فى طول القارة الامريكية   الشمالية قد بدأ  يتحفز  للإدلاء  باصواته  فى الانتخابات   النصفية  لمجلسى  الشيوخ . وبحلول  الساعة  السابعة  من مساء  نفس  اليوم تكون النتائج  الاولية لعملية الاقتراع  قد بدأت  فى الظهور.  ولن يمضى وقت طويل  حتى تبدأ  مراكز  الرصد  الحاسوبى فى  بث  تكهناتها الاولية بالنتائج . جماهير  الحزب الديمقراطى  والجماعات  المتحالفة  والمتعاطفة معه  ظلت  تكابد  قدرا كبيرا  من القلق منذ أن بدأت  استطلاعات الرأى  العام  تظهر  حجم  التحول  الشعبى  الانتخابى  لصالح الحزب  الجمهورى  . او بالاصح  حجم  الهجرة  شبه  الجماعية للكتلة الانتخابية المستقلة  بعيدا عن الحزب الديمقراطى  . و ومعروف  ان  اصوات  هذه  الكتلة  هى  التى  ترجح  كفة هذا  الحزب  أو ذاك .  ذلك لأن  عضوية  الحزبين   المسجلة رسميا   تتقارب  عدديتها  ويبقى  الصوت  الانتخابى  المستقل  هو  صاحب  الكلمة  الفصل  فى هذا السباق.  كاتب  هذه السطور هو عضو ملتزم  فى  الحزب الديمقراطى. لم يبخل عليه  بأى نوع  من الدعم  الفعلى  ، سواء  أكان  على  صعيد التطوع  بالوقت  الغالى  جدا  فى امريكا . او بالدعم المالى  المباشر مما  يتيسر له   من مال  يقتطعه  من قوت عياله . ذلك لأن الحزب الديمقراطى  نصير مخلص  للطبقات  الفقيرة  و للمهاجرين  والنقابات  وعدو  صميم  للاحتكارات  الرأسمالية الفاجرة  .  والأمر كذلك ، فإن هزيمة  الحزب الديمقراطى   المتوقعة  اليوم تؤرقه  لأبعد  الحدود . فلا احد يمكن  أن يتغاضى  عن  الحقيقة التى  تقول ان  الحزب  الجمهورى  وزعيمه  السابق  جورج  بوش  الابن  وحلفاؤه  من  المحافظين  الجدد  واللوبى  اليهودى  فى واشنطن  والاحتكارات  الرأسمالية – هذه الكتلة  الشريرة  هى  نفسها  الكتلة   التى دمرت  العراق ،  وقتلت  شعبه  بمئات الألوف  واهدرت  كرامة  الانسان  العراقى  ومعه  اهدرت  ممتلكاته  ومقدراته.           و لن يكون  فى مقدورنا  الا أن  نقول  أن   فوز حزب  جورج بوش اليوم  لن  يسعد  احدا  من  الذين كابدوا  الاحساس بمحنة  العراق  والشعب  العراقى  الذى يكفى ان نقول انه يعيش بلا حكومة   وبلا أمن  وبلا  جيش  يعتد  به ،   ويكابد  الفقر  والحرمان  والامراض   لأن   الأموات  الطائفيين  الذين  احيتهم  امريكا فى مارس  من عام  2003 ظلوا   يتعاركون   حول انصبتهم  من  الغنيمة .  وليس  حول  انجع  السبل  للتصدى لمشاكل  الشعب  العراقى .  ولكننى ابدأ  الحكاية  من اولها – حكاية   تفريط  باراك  اوباما  فى  كنزه  التشريعى  الذى كان  مصدر  قوته  التنفيذية ،  وأعنى  بالكنز  التشريعى  الأغلبية الديمقراطية  فى  مجلسى  الكونجرس  الامريكى  ، ذلك التفريط  الذى   سيوره  اليوم   موارد  التهلكة  او  قريبا  منها   عندما  تعلن   النتائج  النهائة  لانتخابتات   الجديد  النصفى ، وايضا  فى  نوفمبر من عام 2012  عندما   يواجه الرئيس اوباما  الناخب  الامريكى  مجددا بحثا  عن ولاية  ثانية .
*  فوز اوباما  الكاسح  فى نوفمبر  2008   لن  يستطيع  القلم ان يحيط  به  . قد  تكون هذه  الاحاطة ميسرة  لمخرج  سينمائى  يلتقط  كل  شاردة  واردة  من الملحمة  الانتخابية  التى  نظمها  و ادارها  باقتدار غير  مسبوق  فتى لم يتجاوز العقد  الرابع من عمره  بصورة  جعلت  خصمه  العجوز يتهالك  و لما تمض  على  بداية  المعركة  الا اسابيع  قليلة  . تدافع  الملايين  من   الشعب  الامريكى  من كل  الملل  والنحل   فى  نوفمبر من عام 2008 ، ووقوفها  من  الساعات الاولى  من الفجر  تحت لفح  البرد  القارص  فى  صفوف  طويلة  متعرجة  ،  وفى صمت  وتصميم   مكتوم  انتظارا  لتلك  ا للحظة  التى  يتمكن   كل  واحد  منها  من ايداع  صوته  فى  جهاز  الحاسوب. ، كان  رسالة مبكرة  ارسلها  الشعب  الاامريكى   فى ذلك  اليوم الى  ادارة  الجمهوريين . اما  النتيجة  الفاجعة  فقد كانت   رصاصة  فى  قلب  باطل  المحافظين  الجدد  وغرورهم ،  و حكما  بالاعدام  السياسى  على  الحزب  الذى  سمح  لزعيمه  جورج  بوش  ان  يعيث  فى ديار الشعب  الامريكى ،   و فى ديار  الآخرين  ما  يعيثه  ثور اسبانى هائج  فى  مستودعات  الخزف  الجميل  .  كان  قرار طرد الحزب  الجمهورى  من دست  الحكم   فى  البيت  الابيض  وفى  مجلسى  الشيوخ  والنواب  وفى العديد  من  حكام  الولايات  ، كان  قرارا  قطعيا غير قابل  للمراجعة  والاستئناف . وكان قرارا مكافئا  للجرم  السياسى الذى ارتكبه  جورج بوش  فى حق  الشعب  الامريكى  حين  دخل  باسمه   فى  حروب  سياسة  مستفزة   مع  اقرب  حلفاء  الشعب  الامريكى  فى اوروبا  وفى الشرق الاوسط  وفى  آسيا .  وحين  استباح  ديار الشعوب  الاخرى  وحرماتها  ودمر مدنها ،   وقتل  ابناءها  ، ورمل  نساءها ،  واهدر كرامتها ،   ودمر مقوماتها   وممتلكاتها  وأعاد الى  بعضها   الفتن الطائفية  والقبلية  والفساد  الذى ازكم  من نتانته الانوف  والارجاء  بحروبه  الاستباقية  .  كان  صوت  الناخب   الامريكى  فى  ذلك   اليوم هو رصاصة  الرحمة التى ازاحت  كل ما  كان  موجودا  فى ذلك  اليوم   بلا  لزوم . ليقف العالم  و الشعب  الامريكى  ينظر  فى  ابتهاج    نتائج  تلك  الهبة  الانتخابية  القاسمة .  نعم ، وقف  العالم، ، كل  العالم ،  مشدوها  ومنفعلا  ،  وشامتا  على  الذين  فعلوا  بشعبهم  ،  و  بشعوب  العالم ، كل  تلك  الافاعيل  التى  ازرت بهم  وبحياتهم  على المستوى الشخصى  والفردى ،  واساءت  الى  صورة الشعب  الامريكى  على  مستوى العالم  ، الذى شاهد ،  وسمع  ذات   رئيس  الدولة   القطب  ،  و هو  يزدرى  العالم  ،  ويهدده  ،  ويطلب   من  كل  دولة   من  ودوله  ان تحدد  موقعها  من  الاعراب  السياسى  الامريكى . وأن  تبلغ  الكاوبوى  الامريكى  المكان  الذى  اختارته  فى  ميدان  الحرب  الامريكية   ضد  الارهاب  !  هل  هو  الى  جانب  امريكا   او الى جانب  اعداء  امريكا !  لم  يترك  الكاوبوى  المغرور  يومها  منطقة  وسطى  لكى يقف  عليها  من  لا  يرى سببا  للانغماس  مع  امريكا  فى  حرب  البسوس  الامريكية  الاختيارية ،   التى  تدير  فيها  امريكا  حربا   ضد  اعداءا   تتخيلهم  ، وهم يتربصون  بها  الدوائر  عند كل ركن ،  وكل  منعطف .
 * و آذنت  شمس  ذلك  النها ر النوفمبرى  من عام  2008  على الرحيل  ثم رحلت .  واخذت معها  كل كل  ذلك  الباطل  الحنبريت  الذى  اعتور حياة  الشعب  الامريكى  والشعوب  الاخرى  على  مدى  سنوات  ثمان  عجاف  أكلن  كل  ما ادخر العالم  من سنبلات  السلام  والعيش  المشترك . وكان  فارس  الحوبة  الذى دفع  بكل  ذلك  الخراب  فى  الهاوية  السحيقة  هو  الشاب  الاسمر  الصقيل  القادم  من سهول  وهضاب  بلاد  الوادى  المتصدع ، حسب  تعبير  الجغرافيين  العرب ، الذى كانوا   يفضلونه  على تعبير الاخدود  الافريقى  العظيم  الذى  اتخذه  الجغرافيون الغربيون . نعم ،  انحدر الفتى   من ذات  البلد التى   قدمت  ذات  يوم  لحركة  التحرر الافريقية   ابطال  الماوماو   من  امثال  جومو كنياتا  ، و توم مبويا  الذين  خلصوا بلدهم الجميل  من براثن  الاستعمار  الاستيطانى   الغشيم .   كان  اسمه غريبا .  واغرب  منه كان   لون  بشرته  الذى  حير  المحللين  :  فى أى خانة عرقية   يضعونها :  هل  هى بشرة  سوداء . هل  هى  بشرة  قمحية  . ام  هى  بشرة  خليط  من  لونين  ، ام ماذا ؟  وكانت  فصاحته  المدهشة  مكان  استغراب مماثل  ومصدر تساؤل  كبير :  من  أين  لفتى  يتيم ، تسوح  فى  صغره  بين  قارات العالم ،   وبلدانه ، من أين  له  ان   يحصل  على  الاستقرار الذى  مكنه  من تحصيل  كل  ذلك  العلم  ،  وكل  تلك  الفصاحات .  ودينه  كان هو  الآخر غريبا  بالنسبة  للبيئة  الديمغرافية  التى  فتح  عيونه عليها  أول مرة   . كان ذلك سببا  بدا  كافيا  لكثير  من المتشككين  لكى  يزيدوا  من شكوكهم  فى دينه :  هل  هو مسلم  يتخفى  فى  زى النصارى ؟  ام  هو  نصرانى  حقا  وحقيقة .  ومكان مولده  : هل  هو  ولاية  هاواى الجميلة أم  اندونسيا  الاكثر  جمالا . ولكن  الفتى  لم يعبأ  بكل  ذلك  الهزر . و  مضى  فى  طريقه  كالسهم  القاصد  لا  يلوى  على شئ . كان مثل مهر جامح  انطلق  من  قبوه   نحو الغايات  الكبرى  التى  بانت له  من بعيد .  وجاءت  اللحظة الخالدة :  ومثلما   وقفنا  فى  البرد  القارص  صفوفا  صفوفا امام  مكاتب  الاقتراع ، قبعنا  فى  منازلنا  امام شاشات التلفزة المختلفة ساعات ساعات ،  نتابع  نتائج  الانتخابات  وهى تذاع  علينا على مدار الدقيقة  الواحدة . كانت تلك اللحظات بعينها  هى اللحظات  التى اكدت   فيها  الامة  الامريكية   على   انها قد  نظفت   وجدانها  من البغضاء  والادران  والاحن التاريخية  القديمة .  الشاشة  العملاقة  تعرض  بحروف  عملاقة  الخبر العملاق :  لقد  تم انتخاب باراك  حسين  اوباما  لمنصب  الرئيس  الامريكى  الرابع  والاربعين . وشاهدت  البلايين  فى ارجاء  المعمورة  القس جسى جاكسون  وهو ينتحب  من الفرح  الفياض . وصرخ احد  كبار المعلقين " نحن  أمة  عظيمة   تجاوزت محنها  القديمة.  فها   نحن  ننتخب شابا  اسود  رئيسا  للولايات  المتحدة  الامريكية  . هذا انجاز  لا تقدر عليه  غير أمة عظيمة "  
* وبعد : هل  تبلغنا  نتائج  الانتخابت  النصفية  التى  سيطالعها  قراء  (الوطن ) مساء اليوم  ، هل  تبلغنا  أن كل ذلك  الجلال التاريخى  قد  انتهى  بين  غمضة عين  وانتباهتها .  إن  حدث هذا ، فلابد  من تساؤل  :  لماذا  حدث .  وهل كان  يمكن تفاديه .  تهمس  عضوية  الحزب   الديمقراطى  بما  يشبه  حديث  السر  المكتوم أن  رئيسها  الشاب  قد عاد وارتكب   غلطة  العمر  نفسها  التى ارتكبها  ذات  يوم رئيس  ديمقراطى  شاب  آخر هو  وليام  جفرسون الملقب  بيل  كلينتون .ولم  يستفد  الرئيس اوباما  من غلطة  صنوه كلينتون  . تمثل  خطأ  كلينتون  الماحق  فى اندفاعه  الكبير نحو   تنفيذ  اصلاحات عملاقة  فى اكثر  المجالات التشريعية حساسية  بالنسبة  للشعب الامريكى  والتى   تتجذر  حولها خلافات عميقة  على مدى  تجاوز الآن  الاربعين عاما .  واختار كلينتون ان يبدأ بمشروع  اصلاح  نظام  الرعاية  الصحية  المكلف  والذى  يمس  كل  شخص  فى الولايات  المتحدة  بصورة  شخصية  كان هذا  الشخص كهلا او  طفلا . و اختار كلينتون  زوجته هيلارى  كلينتون لكى    تكون المشرفة  على تنفيذ  ذلك المشروع  الضخم  ،  رغم انها  لم  تكن  تحتل  أى منصب  دستورى  او  تنفيذى  فى  ادارة  الرئيس  كلينتون غير منصبها  كزوجة  للرئيس   كينتون . وثارت  ثائرة  الشعب  الامريكى  عندما وقف  على  التصور القاصر  الذى  قدمته  السيدة  كلينتون  لإصلاح  نظام الرعاية  الصحية  فى مقابل اصرار الرئيس كليتنون  علىة  الاخذ  بتصور  زوجته القاصر .  واسقط  الكونجرس  الامريكى   المشروع  بصورة  مهينة  بينما  اهتبل  الشعب  الامريكى  فرصة  الانتخابات  التكميلية  فى عام 1994  وطردالحزب  الديمقراطى  من  مقاعد  الاغلبية  فى  مجلسى الشيوخ  والنواب.  ولكن الرئيس  كلينتون  ،  و هو  رجل   لماح  ، استطاع  ان يستعيد  تماسكه  وتماسك حزبه ، و تمكن من الفوز بولاية  ثانية بسهولة  مشهودة . وايضا استعاد اغلبية  حزبه فى  الكونجرس  واحدث ثورة  اقتصادية  مدهشة فى ظل معارضة جمهورية  عنيفة  لكل  تصوراته الاقتصادية .
الرئيس  اوباما  كرر خطأ الرئيس  كلينتون  وخطأ حزبه  فى عام 1994   بحذافيره  بدلا من  الاستفادة  من  تلك التجربة  الخاطئة  كما  يقتضى  الحال  ،  باعتبار اننا  نتعلم  من اخطائنا  اكثر مما  نتعلم  من  الكتب  والدروس  وذلك  حين  بدأ باعقد   المشروحات  الاصلاحية مجددا  مثل  مشروعات   اصلاح   انظامة   الرعاية  الصحية   والبيئة  والهجرة   واصلاح  المؤسسات المالية  الفدرالية  التى  ظل  اداؤها  محل  نقد كبير منذ  عقود  سحيقة . ولسؤ  حظ الرئيس اوباما وحظ حزبه  أن ازمة اقتصادية  عالمية فاجأته  وحاصرته  وهو  فى  خضم  جهده  لتنفيذ  تلك الاصلاحات ، فشلت  حركته تماما .  وانتهزت  الكتلة  اليمينية  الممثلة  فى  اليمين الامريكى العريض ،  واليمين الجمهورى ،   والمؤسسات  المالية  الكبرى  المتضررة   من  سياسات  الرئيس  اوباما  المالية  الاصلاحية  ، انتهزت  الفرصة  لتوسع  دائرة  الحصار  حول الرئيس  اوباما   وادارته .  وكان   من مظاهر  حصار  الكتلة  اليمينية   للرئيس  اوباما  ان المؤسسات  المالية  التى   انقذها  الرئيس اوباما  من  وهدتها  المهلكة   بضخ  بلايين  الدولارات  فى  شرايينها المالية  المتيبسة  ، لم  تتجاوب  مع خططه  فى  فتح  المزيد من مجالات الاقراض  والتوظيف  ودعم  قطاع  الاسكان  ، احد  اكثر  القطاعات  توفيرا  للوظائف   ودعما  للاقتصاد  القومى . وكانت  النتيجة المباشرة  لهذه  المؤامرة  الاقتصادية  اللئيمة  ان جهود  الرئيس اوباما  فى  تحريك سوق   العمالة  قد  ذهبت هدرا . وظلت نسبة  البطالة العالية  تراوح  فى مكانها  حينا او  تصعد  فى احيان اخرى . ولكنها  لم  تهبط  ابدا . هذا  الواقع  وحده  كفيل  بأن  يجعل   ليلة  الحزب  الديمقراطى اليوم   ليلة حالكة السواد .
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]