شن اللواء ادوارد لينو، القيادي البارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان (الشريك الاكبر الثاني في الحكم) هجوما عنيفا على المؤتمر الوطني (الشريك الاكبر)، معتبرا ان ترويج اشاعات متكررة بمقتل زعماء جنوبيين، القصد منه خلق مناخ لالغاء اتفاقية السلام والعودة للحرب. وقال لينو في حوار مع «الشرق الأوسط» في جوبا عاصمة الجنوب، ان «انفصاليين» داخل المؤتمر الوطني هم الذين يروجون لتلك الشائعات. واتهم لينو، وهو رئيس جهاز مخابرات الحركة الشعبية السابق، القوات المسلحة السودانية بدعم جيش الرب الاوغندي المعارض لكمبالا، وقال انه يملك الادلة على ذلك، داعيا المثقفين والسياسيين السودانيين الي اجراء حوار مع المؤسسة العسكرية التي قال انها ذات تأثير كبير في الحياة السياسية. واتهم في الخصوص الاستخبارات العسكرية، وقال انها مرتبطة بكل السلبيات في الحياة العامة للشعب السوداني، واشار الى انها تقف مع جيش الرب، والجنجويد، وتقوم بتسليح المليشيات في جنوب السودان وشرقه وتساند الحركات المناوئة للدول المجاورة. وأوضح ان «الجميع يعمل من اجل السلام، لكن هذه المؤسسة تقوم بأعمال مناوئة تتعارض مع السلام»، واشار الى انها تخطط لارسال من يسمون بـ«الدبابين» الى دارفور لانتظار الاميركيين هناك. مشيرا الى ان مثل هذه التصرفات هي التي توجد المبررات للاميركيين والامم المتحدة للتدخل في دارفور. وقال ان ادارة المجاهدين والدبابين والجنجويد والمليشيات في الجنوب وجيش الرب تحتاج الي ميزانية ضخمة، واصبحت لدينا الان ميزانية محددة للجيش. واضاف لا احد يعلم تعداد الجيش السوداني وكل من يتحدث عن ذلك يلقى تهديدا بالقتل.
وهذا نص الحوار:
* روجت مرارا اشاعات بمقتل النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق سلفا كير ميادريت (زعيم الحركة الشعبية) بصفتك كنت مسؤولا استخباراتيا سابقا كيف تنظرون لذلك؟
ـ اشاعة مقتل شخصية مثل سلفا كير تكررت مرتين، وفي تقديري أن الذين يتمنون ذلك والقائمين بهذا المشروع هم الانفصاليون الشماليون، لكي يخلقوا مناخا يلغي اتفاقية السلام الشامل والعودة إلى الحرب مجدداً، ولكن تقديراتهم خاطئة. هل يعتقد هؤلاء انهم يستطيعون احتلال جنوب السودان، اذا فقدنا سلفا كير، لا سمح الله. لقد فقدنا اشخاصا عزيزين في الشمال والجنوب، على مر سنوات الحرب، واستمرت المسيرة التي انتهت بالسلام، لكن نجد أن بعض الصحف السودانية تتحدث بلغة الأطفال وتلعب بالنار، ولا يعلمون خطورة ما يسودون به صحفهم.
نحن نعلم أن الذين يروجون الاشاعات وخلق البلبلة، هم أعضاء في حزب المؤتمر الوطني الشريك في اتفاقية السلام والحكم، هم يريدون الاستمرار في نهجهم القديم وأن تستمر المشاكل، مثلا وصلنا الي حل في قضية جنوب السودان باتفاقية السلام في نيفاشا، ظهرت قضية دارفور ولم تستطع الأطراف الوصول الي حلول، كذلك هناك شرق السودان وهنالك المشكلة الكبرى في التنمية التي يريد المؤتمر الوطني تنفيذ مثلث التنمية، الذي اختلقه وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي، يحصرها في الشمال النيلي ووسط السودان. الاشاعات لن تتوقف وستتكرر وسيستغلون الحريات الصحافية لزرع الفتنة.
* كيف تنظر للأداء السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، وكيف تقيمون الترتيبات الأمنية بعد عام من الاتفاقية، وأنت أحد الذين شاركوا في مفاوضاتها؟
ـ رغم مضي اكثر من عام على توقيع اتفاقية السلام، لا يزال المؤتمر الوطني ممسكا بكل تفاصيل الدولة.. المؤسسات تطبعت به.. جيش جهادي وأمن يؤمن بأنه مؤتمر وطني، وهناك نسبة 20% من الجهاز التنفيذي على مستوى السودان ينبغي ان تؤول لنا، لم نشرع فيها لأسباب تقنية وسياسية، ووجود معارضة من بعض شركائنا. أعتقد أننا توصلنا الي اتفاق ولكن جدول التنفيذ اضيق، ونعترف ان هناك قصورا.. وفي بعض الوزارات اصبح هناك ما يشبه الحرب الباردة، مثلا في وزارة الطاقة، لا بد من النظر في نسب عائدات البترول خاصة، ولا بد من دفع تعويضات من قبل الشركات العاملة الى اهل المنطقة التي تعمل فيها بالتنقيب، واذا لم يحدث ذلك فإن هذا يمثل مشكلة في تقاسم الثروة، ناهيك من نسبة الـ2% المنتجة في المنطقة وغيرها من المشاكل التي ينتظر ان تناقش مع وزير الطاقة عوض الجاز.
* وماذا عن اداء حكومة الجنوب؟
ـ بالنسبة لأداء حكومة جنوب السودان، فعند تشكيلها قبل 4 اشهر كان وزراؤها يسكنون في الخيام، ولم يكن هناك جهاز اداري في الجنوب، هم الآن في مرحلة التأسيس، صحيح تم تعيين وكلاء الوزارات، ولكن الجميع يمضي الي المراحل الأخرى خطوة خطوة والبرلمان في الجنوب بدأ عمله، وصحة المواطنين بدأت في التحسن والمدينة بدأت شكلها المدني وقريبا سنبدأ رصف الطرق في جوبا وكل الجنوب.
أما عن الاجراءات الأمنية، فعقد اجتماع لهيئة القيادة المشتركة، وبدأ التنفيذ في البرنامج وفي الجنوب بجوبا بدأ الجيش الشعبي في صرف مرتباته، واعتقد أن الحالة في تحسن. وفي تقييمي العام وكما قال الفريق سلفا كير لا بد من تنفيذ الاتفاقية من دون رجعة.
* لكن الملاحظ أن السقف الزمني المحدد لتنفيذ الاتفاقية تم تجاوزه وهناك حديث عن خروقات وخوف من العودة إلى الحرب؟
ـ لا يوجد طرف من الأطراف لا يعترف ببطء تنفيذ الاتفاقية وفي مجال الأمن بدأنا العمل في استيعاب مجموعتنا في الخرطوم، وستحدث تغييرات. لكن داخليا هناك الامور التي تأخذ وقتا، حتى افكار الناس وذهنياتهم تأخذ وقتا لكي تتغير، لكن كل الأطراف لن تعود الى نقطة الصفر والحرب. والرئيس البشير قال انه لا عودة للحرب وأن الحرب لا طريق لها، ولا اعتقد أن هناك سوء نية من طرف من الأطراف بالعودة الي الحرب مرة أخرى.
* هناك صراع في مسائل التعيين في الوظائف واستيعاب الجنوبيين في الوزارات، ما حقيقة هذا الصراع، خاصة في جوبا، وأن الحركة تريد ان تستأثر لوحدها؟
ـ ليس الحديث عن وجود صراعات، بل الموضوع هو أين هي الكوادر؟ سواء في الحركة أو من هم موجودون في جوبا أو الجنوب كله، وزير الخدمة في حكومة الجنوب عندما راجع كشوفات الموظفين التي كانت من حكومة مجلس تنسيق الولايات الجنوبية قبل اتفاقية السلام، وجد أن هناك قوائم بمائة الف موظف وعامل، وهم لا يعملون، هذا فساد رهيب ونجد ان الكشوفات تشمل الزوجة والصهر، هذا يعتبر دعما ذاتيا لمساعدة الأسر. مشاكلنا كبيرة، فكيف نتعامل معها، مثلا وجدنا في وزارة الاتصالات وخدمات البريد مبنى من دون ادارة هنا في جوبا، والآن الوزير يبحث عمن يستوعبهم مدركين لطبيعة هذا العمل، وتجد ان لدينا أكبر مشكلة في بلادنا موت مصلحة البريد والبرق، كما أن شبكة الاتصالات في الهاتف السيار والثابت غير عاملة.
* هل تمانع حكومة الجنوب في أن تستخدم شماليين إذا ارادوا العمل في الجنوب، خاصة أن هناك حديثا أن على الشماليين أن يأخذوا اذونات للجنوب؟
ـ ليس هناك ما يمنع.. هذا يذكرني بما قاله القيادي في المؤتمر الوطني الطيب مصطفى، ان التاجر الشمالي اذا اراد الوصول الي جوبا فإنه يحتاج الي اذن وتصريح، لكن على الطيب مصطفى أن يسترجل ويأتي الي الجنوب، ومحلات التجار الشماليين هي الأفضل وقد تمت اعادة تأهيلها، وهناك أماكن لتاجر يدعى صديق كوراك الآن استؤجرت من قبل شركة لبنانية، عليه فإن مسألة عودة الشماليين الى الجنوب لا يقف أمامها شيء وما يقال في الخرطوم حديث فارغ.
* هناك اتهام بأن أماكن ومنازل التجار الشماليين صادرتها الحركة خلال الحرب ورفضت اعادتها ما صحة ذلك؟
ـ الجيش الشعبي لم يفعل ذلك، وليس من حق هؤلاء اتهامنا بذلك. المدن التي دخلها الجيش الشعبي كانت خالية والمساكن لم يكن بها أحد، لكن ليس هناك قرار بالاستيلاء على منزل أي شخص، لا يوجد مثل هذا القرار، كما لا يوجد قرار ألا تعاد المنازل لاصحابها. أذكر ان احدى الصحف نشرت صورة لاستقبال تاجر، قال انه كان في سجون الحركة، وكان على صاحب تلك الصحيفة ان يسأل نفسه كم من الذين اسرتهم الحركة الشعبية واطلقت سراحهم قبل وبعد اتفاقية السلام، وفي ذات الوقت كم هي اعداد الذين اسرهم الجيش الحكومي من جنود وضباط الجيش الشعبي؟ نحن قمنا بتسليم اكثر من 5 الاف اسير.. وأنا شخصيا قمت بترحيل 82 شخصا للخرطوم في ذات اليوم الذي تم فيه قصف مصنع الشفاء عام 1998. لكن الصحف لم تبرز هذا الخبر، وهذا الرجل الذي تحدثت عنه تلك الصحيفة كان يعمل بائعا للشاي في منطقة اليورا بالكنغو، وليست له علاقة بالحرب ولم تعتقله الحركة الشعبية، هذه محاولات لتصوير الموقف في جوبا بأنه وضع خطير وهناك خطورة على حياة الشماليين، أنا كنت مسؤول الأمن في 9 يناير 2006، أعلن الراحل قرنق اطلاق سراح جميع الاسرى، وهم الآن بين ذويهم.
* طالبتم بفتح ممثليات ومكاتب للحركة في الخارج رغم ان وزارة الخارجية هي من نصيبكم ألا يمثل ذلك تضاربا؟
ـ المؤتمر الوطني لديه مكتب في القاهرة وفي ذات الوقت سفارة، لكن في زمن الحرب كانت السفارات معيقة، وأنا شخصيا بعد توقيع السلام ذهبت للسفارة السودانية في نيروبي للتحية وقلت لهم نفتح صفحة جديدة والآن امتلك جواز سفر سودانيا لأنني في السابق كنت احمل عدة جوازات من الدول الصديقة كي استطيع التنقل من دولة لاخرى لطبيعة عملي.
* هناك تململ وأحاديث داخل حركتكم عن ضرورة تغيير وزير الخارجية الدكتور لام أكول كيف تتعاملون مع هذا الأمر؟
ـ هذا الأمر يحسم داخل التنظيم، ولن أتحدث أكثر من ذلك. هناك من كتب مذكرة تم تداولها في الخارج عن لام اكول، متهما اياه بانه يعمل ضد الحركة، لكن الذي اعيبه فيه أنه رد على حديث لرئيس الحركة الشعبية الفريق سلفا كير ميارديت، وهو احد اعضائها، كان يمكن ان يقول ذلك داخل اطر الحركة، وهذا شيء مبالغ، أما بقية الاتهامات الاخرى التي جاءت في المذكرة فمتروكة للتنظيم وليس هناك من هو معصوم عن الخطأ، والحركة ستنظر في هذه القضايا عند انعقاد المؤتمر العام.
* ما صحة وجود تيارات داخل الحركة تتصارع؟
ـ ليس صحيحا لا توجد تيارات متعددة داخل الحركة. الجسم الرأسي أعلنه سلفا كير لجميع قيادات الحركة في المكتبين السياسي والتنظيمي، هذه هي روح الوحدة داخل الحركة، صحيح أن بعض الناس قد يتفاجأون بتعيين شخص ما في موقع ما، واثناء الحرب كان هناك اشخاص يقومون بعمل كبير، ولم يتم الكشف عنهم في ذلك الوقت لسرية العمل الذي كنا نقوم به، ولدينا اشخاص داخل حزب المؤتمر الوطني، وهم اعضاء في الحركة الشعبية ومنهم من ظهر، لكن لا وجود لتيارات متنافرة.
* هناك احاديث كثيرة عن وجود لجيش الرب الأوغندي في جوبا والجنوب، وأن الفريق سلفا كير اتهم الاستخبارات السودانية بمواصلة دعمها لهذا الجيش من دون أن يقدم دليلا عن الذي يجري تحديدا؟
ـ أنا موجود في جوبا، وهنا يسمون جيش الرب باسم محلي (التونق تونق) ورأيي أن هذا المسمى ليس هو الأصل، ويبدو وأنا مقتنع بذلك، أن هذا الاسم تم اختلاقه لينسحب تحته جيش الرب في الجنوب، وقبل أيام قليلة دخلت قوات جيش الرب الي الحدود السودانية، ولا يمكن أن يصلوا الي مناطق إلا إذا وجدوا مؤنا. لقد سبق ان تحدثت عن جيش الرب، وكذلك رئيس الحركة الشعبية سلفا كير، واتهم الجيش السوداني انه لا يزال متعاونا ولديه اليقين بان الجيش السوداني ما زال يدعم جيش الرب، وأنا أؤيده بكل التأييد والادلة التي لم يقدمها سلفا انا أملكها، لأن هذا من صميم عملي، وعلى الناس أن يتركوا المهاترات في الصحف.
* تحديدا من الذين تتهمونهم في القوات المسلحة السودانية؟
ـ أود أن أرسل رسالة للاستخبارات العسكرية، لأن الموضوع يتعدى جيش الرب وهذه المؤسسة ارتبطت بكل السلبيات في الحياة العامة للشعب السوداني، اذ تجد أن الاستخبارات العسكرية تقف مع جيش الرب، وتسلح المليشيات في جنوب السودان، التسليح والوقوف مع الجنجويد في دارفور، وتقف هذه المؤسسة ضد المعارضين في شرق السودان بتسليح قبائل اخرى، اضافة الى كل ذلك فان الاستخبارات تساند الحركات المناوئة للدول المجاورة. سياسيا تجد ان الجميع يعمل من اجل السلام لكن هذه المؤسسة تقوم بأعمال مناوئة تتعارض مع السلام، تقوم بعمل ضد جيران السودان وضد الشعب السوداني، زد على ذلك بدأ تنظيم من يسمون بالدبابين وارسالهم لدارفور لانتظار الاميركيين، لكن دعونا نرى كيف ان الاميركيين والامم المتحدة يبررون الدخول في دارفور، ومثل هذه الاشياء هي التي تجعلهم يأتون اليها. عليه فان على الاستخبارات العسكرية ان تراجع نفسها.
* ما هو الحل في نظرك؟
ـ أدعو الي حوار مغلق أو مفتوح حول ما اثرته في هذا الحديث، لأن ادارة المجاهدين والدبابين والجنجويد والمليشيات في الجنوب وجيش الرب تحتاج الى ميزانية ضخمة، ان ميزانية الجيش مسألة سرية لا يعلم بها احد، والعالم تخطى هذا الموقف، ونحن نعلم كم هو تعداد الجيش المصري والبريطاني والاميركي والاوغندي ليس هناك ما يخفى الآن، لكن لا احد يعلم تعداد الجيش السوداني وكل من يتحدث عن ذلك يلقى تهديدا بالقتل، وأنا أقول هذا الحديث وأعرف خطورته لكن على الناس أن يعلموا ذلك. وادعو كل مثقفي السودان ان يأخذوا مسألة الاستخبارات العسكرية بجدية، لان لديها موقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا ولديها بصمات واضحة في الاوضاع السياسية في السودان كثيرة جدا.