بعد ما يقارب الثلاثين عاما من الفشل والانهيارات والفساد وبيع مؤسسات الدولة وتبديد مواردها وتجنيب المال العام وسرقته من قبل المقربين والمحا سيب وقطط المؤتمر الوطني السمان وبطانته من الطفيليين تحت ستار القانون لا يجد الرئيس ومن معه حرجا في أنفسهم من أن يقولوا إننا نواجه أزمة اقتصادية وسنعمل على معالجتها لإصلاح معاش الناس في ثلاثة آلاف ساعة من خلال قرارات صادمة وحكومة رشيقة .

ليس لأن ذلك أصلا من واجبات أي حكومة منذ المئة يوم الأولى كما في كل بلدان العالم التي تحترم شعوبها ولكن لأن الرئيس يعتقد فقط ان ذلك سيفتح له الطريق لتبرير استمراره في الحكم في 2020 وإلى أن يشاء الله ويبقى الحديث حول الإصلاح على سبيل الدعاية وبيع الوهم وبالطبع لن تصلح ثلاثة آلاف ساعة وإن صدقت فساد ثلاثين عاما قضى على الأخضر واليابس .

ولأن هذا النظام الذي يعد الأطول عمرا والأكثر فسادا والأوفر فشلا في تاريخ القارة لم يصل قادته بعد إلى قناعات حقيقية حتى الآن بضرورة الإصلاح برغم ضوضاء المطبلين للحكومة الجديدة التي فور إعلانها تكشفت حقيقة أنها نفس الوجوه والقدرات العاجزة تسير على نفس السياسات الفاشلة وبالتالي فهي لن تقترب أصلا من أي خطوط حمراء تستوجب الاختراق أو قرارات تردع المفسدين وتعيد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة لكنها ستفسر بعد جهد الماء بالماء وسيبقى الحال كما هو عليه وعلى المتضرر من الشعب المغلوب على أمره اللجوء إلى الشارع إن استطاع إلى ذلك سبيلا .

ولذا فإن أهل السودان ينظرون إلى ما يحدث كونه محض مسرحية بتفاوت في التقدير فأهل الخبرة والسياسة لا يرون فيها إلا مسرحية سيئة الإخراج والمتفائلون من عامة الناس ينتظرون دلائل ملموسة سيطول انتظارهم لها وحتى أنصار النظام وكبرائه ممن يضعون أنفسهم في موضع المشفق على النظام يشككون في جدوى الإصلاح في ظل الحفاظ على امتيازات الفساد وحماية أثرياء النظام الذين اكتنزوا ثرواتهم من المال العام بطرق مختلفة .

ويدلل على ذلك تساؤل وزير المالية الأسبق عبدالرحيم حمدي عن جدوى الإصلاح في ظل استمرار تجنيب المال العام لبعض المؤسسات والتساهل في قضايا الفساد وتهريب موارد البلاد والتي تتم من قبل نافذين و مقربين من النظام وفي ظل ضبابية البرامج المعلنة وابتعاد الكوادر السودانية المؤهلة لعدم وجود بيئة العمل الحر وإعمال القانون ولعدم ثقتهم في النظام وبعدهم عن خطر التلوث بسوءات النظام لا استنكافا عن خدمة بلادهم .

وما يدلل على استمرار مسرحية الفوضى والتخبط والفشل أن التشكيل الوزاري الجديد وخريطة الحكم التي رسمها البشير وأهل ثقته تكرس جميع السلطات في يد البشير وتهمش دور المؤسسات على شكليتها بل أن تلك السلطات المطلقة التي تأتت للرئيس بعد إقصاء جميع المناوئين له داخل حزبه دفعته إلى اختيار أقربائه وأهل ثقته من خاصته ومؤيدي استمراره في الرئاسة من الذين سيعملون حتما على تنفيذ رغباته وتحقيق طموحاته بغض النظر عن مقتضيات الإصلاح وشروطه وقوانينه وقرارته التي ستكون صادمة على حساب المواطنين فقط وسوف لن تكون صادمة بالطبع لأصحاب الثروات ولن تعمل قانون من أين لك هذا ولن تفعل محاربة الفساد في وجه الطفيليين سواء من أقرباء الرئيس أو المقربين منه أو من يحتمي به .

قال أحد قيادي المؤتمر الشعبي في ندوة تلفزيونية إن الحكومة تحصلت من عائدات النفط خلال الفترة الانتقالية قبل الانفصال على ما يقارب المئة مليار دولار ، هل يستطيع رئيس الوزراء الجديد أن يوضح للشعب السوداني اين ذهبت تلك الأموال ولمصلحة من وفيم صرفت ؟

هل يستطيع رئيس الوزرء الجديد استعادة الأموال العامة المنهوبة بشتى الطرق من قبل رموز وقيادات النظام خلال الثلاثة عقود الماضية والتي تحولت إلى مصانع وشركات وعقارات في العواصم العربية والغربية وودائع في الداخل والخارج إلى الخزينة العامة بغض النظر عن محاسبة المفسدين أو عدمها ؟

هل يستطيع رئيس الوزراء الجديد وقف تجنيب المال العام للمؤسسات الأمنية ومؤسسة الرئاسة والتحقيق في بنود الصرف وإعادتها إلى وزارة المالية ؟

هل يستطيع رئيس الوزراء الجديد إلغاء جميع لجان المشتريات في المؤسسات والوزارات التي بددت المال العام دون رقابة وإعادتها إلى وزارة المالية كما كان الحال قبل الإنقاذ ؟

وفي ضوء كل هذا وذاك أليس لنا أن نقول إن ما يحدث الآن وما نشاهد من صور ومشاهد ودعاية أقرب إلى كونه مسرحية سيئة الأداء والإخراج والمحتوى من كونه عملا جادا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فشل نظام الإنقاذ في ظل الواقع المعاش ؟.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.