( عمارة البنا )- البطانة - 1972م

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

   هذا هو زمانك أيها الأب المبجل .

أنت في الثمانينات  ، ولك ابن في الخامسة  ، و أبنك البِكر في الخمسينات من العُمر. تتمدد أنت جسداً خُرافياً منذ الزمان القديم ، تُمسك دفة الزمن و تطوي الدهر ، وتترك الأحداث ترقص حولك .

   أنت وليد القرن الذي مضى . شببت ووطنك قد دان لمملكة  " فكتوريا " التي عَظُمت بضعف الآخرين ، إذ أشرقت شموسها عبر ظلمة القهر . طغت المروج الاستعمارية على التربة التي غسلتها البطولة في كرري . انهزمت النخوة ، التي فضّلت المعركة من بعد صلاة الفجر ، على مقولة " الحرب خدعة " . واستباح   " كتشنر " أم درمان والخرطوم ، بكل لغات الاستباحة التي نعلم .

   حدثتني الجّدة "خريف" أن جنود" كتشنر" كانوا يبحثون عن الأطفال الذكور لقتلهم بعد معركة كرري ، و كانت الأمهات تحفر   " مطاميراً "لحفظ الذكور ، يتم تغطيتها بجذوع الأشجار و"البروش " ، و تجلس عليها النساء " مُبلّمات "عند مرور كتائب البحث عن سُلالة  المقاتلين لإبادتهم . على هذا التأسيس البشع  بدأ الاحتلال الإنجليزي يسعى لترويض أهلنا .

   مضى الزمان ، و ركض غُبار المعارك . بدأت الحياة سيرتها من جديد ، وكان على الأم الولود أن تنجب أفراساً جامحة على شاكلة أخرى . نمت بذرتك  و شقت طينة هذه الأرض ، ومع تلك الزمرة شببت وقوي عودك. أزهرت و أثمرت ، وها هو خريف العمر على قاب قوسين وأدنى ، وأنت لم تزل مكتهل الشباب .

    الآن أشرق علينا صباح ريف البُطانة الحقيقي ، الأفق بلا حدود ، تلمس الأرض السماء وأنت تنظر . " اللاند روفر"  يعبر الفيافي و يطوي السهل الممتد من أرض الطمي المتشققة وهي تضحك لنا ، تزهو بنقشها . بساط تطويه السيارة أربع أو خمس ساعات بسرعة ثمانين كيلومتراً للساعة ، في طريق مهدته الطبيعة . تنظر أنت في  كل الاتجاهات و لا ترى أحدا  . ها نحن نصل الدار التي نطلب أخيراً. أشار دليلنا العم عثمان :ـ

ـ ديك ( عمارة البنا ) يا ود الحَلاب.

على مقربة من دار العُمدة  توقفت السيارة . برهة من الزمن  ثم التقيناه . بكل الحفاوة وكرم أهل البُطانة ، استقبلنا في مضيفته العامرة رجل مُكتهل ينضح نُضرة . إنه الشاعر الأديب ، العُمدة     ( عبد الله محمد عمر البنا ) . هذا ضُحى يوم من الأيام التي لا تُنسى ، و برهة من العُمر لن تندثر . بادرنا المُضيف بالترحاب : ـ

ـ أهلاً ومرحبا بالكرام أبناء الكرام...

ثم ألتفت يخاطب آخر .

ـ يا ولد أكرم ضيوفنا .

    و حضر المُنادى وهو رجل في سن آبائنا ، ببشاشة كمن يعرفنا منذ زمن . حيانا بأدب جم ، فعند الضيافة يلبس المُضيف ثوب       ( خادم القوم ) . كان برفقته طفل في الخامسة  ، كنا نحسبه ابنه  ولكننا علمنا أنه الأخ الأصغر غير الشقيق ، ووالدهما هو             ( عبد الله البنا ) . استأذن الرجُل و اختفى على عجل .الذبيحة عند مقدم الضيوف ، عادة متأصلة . ساعة زمان  ثم فُرش السجاد على البسيطة .

ـ وجبة الضُحى و مائدة تكفي ثلاثة أضعافنا ! . نحن قد أفطرنا قبل نصف الساعة ، ما العمل ؟

   همس الحاج عثمان رفيقنا و دليلنا :

ـ العُذر هنا إهانة ... إياكم و صراحة أبناء المُدن . الأكل غصباً رغم أنوفكم .

نظر العم عثمان بقلق ، و هو يبتهل إلى المولى أن نتبع رأيه ، و قد كان . الطعام للضيوف ولا يشاركنا أحد من أهل الدار  . همسنا تعجباً ، فأوضح دليلنا:ـ

ـ " الناس هِنا ما بياكلوا مع الضيوف و لا تتعجبوا ، الأكِل من زاد الضيوف عيب ."

سيد القوم ( عبد الله البنا ) يتخيّر لنا الأطعمة ، وهو بعيد عنا .  يسامرنا ونحن نستطعم ، بحديث جذاب وأريحية أذابت فارق العمر بيننا .  ذاكرة متوهجة تنزف بالذكريات ، تشتَم من خلف السرد حسرة على ماضٍ تهدم  ، و فترة زاهية خلت و خبا وهجها .

ـ  كلوا من اللحم ، "دي من بهيمة حُرة " ، للكرام  من أبناء البلد . أنتم مكسبنا هذا اليوم ونعم المكسب ، فقد سعدنا حقاً بمقدمكم . إنني أنتظر أمثالكم منذ زمان ، فقد أصبحت  في جزيرة معزولة . ابني الأكبر مزارع ، مثل أخواله . أنا عُمدة القبيلة هُنا ، معي أبنائي و العشيرة ، و لكنني أفتقد الصُحبة التي تنهل من نبع الثقافة أو تلثم رياحينها . لذا أنتم رزق هبط عليّ من السماء ، فأهلاً و مرحباً . نعمتم في دياركم ، ونعُمت هي بكم  .

ـ أنت في منزلة الأب ، وقد رفعّتنا  أكبر من قدرنا ،  وما كنا نحلم أن نلقاك ،  فنحن من بعد طلاب معرفة في مُقتبل سنوات الجامعة.

ثم عرفنا أنفُسنا  :

ـ يوسف إدريس و  فاروق سيد إمام و عبد الله الشقليني ، أبناؤك قدمنا من جامعة الخرطوم ، في عمل أكاديمي ميداني ضمن فريق متكامل ، لتنفيذ استبيان يتعلق بأطروحة الدكتوراه لأحد أساتذتنا في شعبة هندسة العمارة بكلية الهندسة .  ومعنا من الرفاق ، عبد الرحيم الحَلاب و العم عثمان .

      استأنس " عبد الله البنا " برفقتنا ولا ينفك يسأل عن الجامعة و أحوالها .حكا لنا كثيراً عن كلية "غردون" التذكارية ، و ذكرياته مدرّساً فيها ،و ذكر البروفيسور          (عبد الله الطيب)  كأحد طلابه المرموقين . أطلعنا على كتاب تخيّر كاتبه أزاهير من شُعراء العربية في الوطن العربي ليترجم لكلٍ قصيدة ، و كان لمُضيفنا الشاعر (عبد الله البنا) قصيدة مترجمة ضمن تلك الأزاهير . قرأ هو علينا النص بالعربية و الإنجليزية و أمتعنا.

     تعجبنا  كيف يسكن هذا العملاق تلك القرية الوادعة ! . ونحن من بعد لا نبخل على أهلنا بمثله ، أو ننكر شرا كتهم دنياه ، و نبخس عمق إسهامهم المفرط في دعم اقتصاد الوطن بالزراعة والرعي ، وأن يكون "عبدالله البنا " راعياً تلك المسيرة . إلا أن مُضيفنا يفتقد رفقة الفكر ومشاغل الثقافة ورفاهيتها. وهي  تذكرنا ببطل رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " ، حين اختار قرية وادعة ليقضي فيها بقية عمره هرباً من ماضٍ رمادي ، لكن بطلنا الآن لديه صفحة ماضٍ ناصعة البياض . أحسسنا أن  في دواخل الرجل ضجيجاً صاخباً يرفض بطء الحياة في القرى ، فكيف أختار أن يستسلم لشيخوخة هادئة في قريته  تلك ؟. أهوعِطر نسيمها الذي  يمُده عُمراً و يزيده عافية ؟. ففي الأربعينات من القرن العشرين كان الرجُل يُدرِّس في " كلية غردون التذكارية " ، و هو الآن في السبعينات من ذات القرن يقطن قريته التي تبعد عن رفاعة مئات الكيلومترات ، إنه التوحد ولا شيء غيره . أم ترى هو صمود شجرة " السرو" ذات الاخضرار الأبدي ؟ ، تهاجمها الريح بعنف فتلويها ، و لكنها لا تقصفها . يحاول المطر خلع ثوبها فيبلله و لا يثلمه .  خرجت هي من جوف الأرض و تأبى أن تعود إليه ميتة، بل تستمسك بالحياة  وتصد الأعاصير ولا تستسلم .

    أحسسنا من الوقت القليل الذي أمضيناه معه ، أن شخصيته يتجاذبها صراع غير ما اعتادت البيئة من صراعات . فهو رجل القرية و سيد قومه و الوالد الحنون بكل بساطته و طيبته ،  ولكنه أيضاً رجل المدينة بزُخرفها و تعقيد حياتها الذي فارق منذ زمان وهو يحِن لأيامها من جديد . بلغ الصراع أوجه بحضورنا المفاجئ لزيارته ذلك اليوم . أججّنا نيراناً حامية تعتمل في صدره . ولا نعرف إلي أي مدى يبلغ به الأمر بعد أن نودعه .

من بعد السمر ، و تعلق مُضيفنا بنا ، كان سيف الوقت أمضى من الرغبات . استأذنّا  مضيفنا في شرح أسباب الزيارة ، التي أتت على غير ميعاد . من طبع أهل القرى ألا يسألوا ضيوفهم ، بل يلهونهم بطقوس التكريم فيتقلبون بين مُتع الطعام و الحديث الشجي . لذا استوضحنا أمرنا بأنفسنا ، ومن ثم  بدأنا العمل .

    تم تسجيل أسماء أرباب الأسر في القرية . الترقيم المتسلسل ، ثم الاختيار العشوائي وفق الجداول والمنهاج . اخترنا عشرة منهم ، وبالمقابلة الشخصية مع الشروح المتأنية أكملنا تعبئة الاستمارات وفق النُظم العلمية المُتّبعة . وكان سيد الدار مشاركاً لنا في الشروح ، نشطاً فرحاً  . وَعَدنا عند الختام  بالسهر على إتمام العمل الميداني في مرحلته اللاحقة  كما ينبغي أن يكون . كانت الإرشادات صارمة من قبل خبراء علم الاجتماع ، الذين يشرفون على العمل الميداني ، في الوضوح و الشفافية ، والشروح باللهجة المحلية . الصبر والترغيب بدون الوعود الكاذبة أو غش أهلنا الطيبين بأننا سنبني مدرسة أو مشفى .  كما يدور في ذهن الجميع أن مآل المباحث في نهاية الأمر ليس الحفظ في أضابير المكتبات ، بل لينهل من ريعها الوطن عند الحاجة ، وإلا فالمصير كله إلى جُهدٍ وضيع يبتني به الأكاديمي هرم مستقبله لنفسه وينسى أهله . ونحن نربأ بأنفسنا أن يكون هذا هو المقصد ، وتلك هي الخاتمة .

     إن هندسة العمارة تتكامل مع علوم المجتمع ، فالتُحفة المعمارية تحفر في باطنها بيئة تتسع لمن يستخدمها . و لن يطمئن أحد قبل أن تتواءم نُظم الحياة الاجتماعية للمستخدمين مع الطرز المعمارية المتنوعة . ثم يأتي الخيال من بعد ليثب إلى المستقبل بأفق أرحب يزاوج بين البيئة وطموح العصر. تلك من أسس المنهاج عندنا في شُعبة هندسة العمارة في ذلك الزمان. وهو أيضاً المبرر لقدومنا أرض البُطانة  في عمل ميداني أفدنا منه كثيراً في مُقبل أيامنا ، و تعرفنا من خلاله على تلك النجوع ، القُرى والفرقان . هموم أهلها ومشاغل حياتهم ، يعتمد عليهم اقتصاد البلد ، ويفتقدون أبسط متطلبات الحياة العصرية  . تسربلنا برداء البداوة وسماحة  الفطرة . و تعطرنا بطيب أهل البُطانة ، ولمسنا عند شموسها الساطعات  كرم أهل السودان الأصيل .

   لروح سيدنا في عليائها ، نهدي بعض  أزاهير الدنيا : الزنبق والشقائق و العنبر و الأقحوان والقرنفل . ألف سلام عليه في مرقده وألف تحية .

 

عبد الله الشقليني

20/05/2004