عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

السؤال قد يوضع بصيغة أخرى..تسأل عن من وراء جريمة محددة..ولكن حينما تتعدد الجرائم ويتنوع المجرمون تصبح الضرورة اللغوية والاجتماعية تقتضي تغيير «من» بـ»ما»...!

نعم..الملاحظ على نطاق واسع حجم المساحة التي تشغلها أخبار الجريمة في صدر الصفحات الاولى بالصحف السياسية.. جرائم بالغة الغرابة.. شديدة العنف.. شاذة التفاصيل..!

طبيعة الجرائم الاخيرة تتجاوز الاشكال والانماط المتعارف عليها في سوابق العنف بالسودان...!

بالقطع الأمر لا يحتاج إلى إجراءات وتدابير قانونية واحترازية صارمة..الدولة لا تستطيع أن تضع رجل شرطة يحمي العلاقة بين الأطفال وأبناء الجيران حتى لا يتكرر سيناريو مرام...ووالدة حمادة لا تستطيع أن تحرم ابنها من السباحة، التي يحبها ، خوفاً من ذئب بشري يخبئ أظافره تحت الماء... بل كيف تستطيع ان تحمي الشرطة أباً من سكين ابنه...؟!

بالقطع هناك جهات أخرى غير الشرطة والجهات الامنية من واجبها ان تدرس المتغيرات التي طرأت على أساليب وأشكال الجريمة.. ما الذي يجعل جرائم السرقة الليلية ترتبط بالاغتصاب مثل ما حدث في جريمة الاستاذة فائزة.. ولماذا اصبحت السرقات الصغيرة في الخرطوم تأتي مصحوبة بكثير من الدماء..؟!

أغلب الجامعات لا تدرس الظواهر.. مراكز الدراسات تنام على مقاعد الوظائف في انتظار رواتب الشهر..وان هي درست وبحثت في ظاهرة محددة..إما أن تأتي نتائج الدراسة متحصنة بمسلمات تتجنب الاصطدام بالمفاجآت..أو أن تكون النتائج على نقيض ما يعتقدون، متجاوزة الخطوط الحمراء والأوهام، فيتم اخفاؤها في ادراج المكاتب.. وقبيلة النعام تواجه المخاطر بكف النظر عنها!

سمعنا كثيراً عن بحوث كانت معنية بدراسة أوضاع شرائح اجتماعية محددة . وعندما جاءت الارقام والنسب معبأة بعبوات ناسفة لقناعات اجتماعية - يظن أنها مقدسة - أبطل مفعول تلك الدراسات وذهبت الى الخفاء..!

يذكر الجميع ذلك التقرير الاستراتيجي للعام 1998 في عهد الدكتور بهاء الدين حنفي، التقرير الذي خرج من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للقصر الجمهوري، وحوى معلومات وأرقاماً واحصاءات لم ترق للبعض، ومنذ ذلك الوقت أصبح التقرير السنوي يخرج كل خمس سنوات، ضعيف الصوت، باهت المعلومات، مشوش الرؤية..!

وفي العام 2001 كانت دراسة ذات أهمية عالية عن جرائم الطالبات أعدها بمهارة أكاديمية رفيعة مركز البحوث الجنائية بالشرطة السودانية..هذه الدراسة لم تجد حظها الوافي من المناقشة والأخذ والرد..فذهبت أدراج النسيان... ودراسات أخرى بجامعة الاحفاد وغيرها تظل حبيسة المكتبات والادراج، محرومة من ضوء الشمس.

دراسات المجتمع والاسرة واهتمام الدولة في أعلى مستوياتها بهذه الدراسات، وتوفير الميزانيات المطلوبة ووضع الدراسات كقاعدة معرفية لرسم السياسات واتخاذ القرارات، هذا هو ما يمكن ان يوفر العلاج اللازم لبعض الظواهر المرضية، قبل ان تتحول الى واقع معتاد لا يرفع للدهشة حاجباً.... ولا يرخي للخجل جفناً!

ثمة هاجس داخلي يقول لي: (لا جدوى للصراخ) .. لا صوت يعلو فوق صوت طاحونة السياسة..التي لا نجني منها سوى الضجيج...!

لا نجني منها سوى الضجيج...!