عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قبل عام التقيت بالدكتور ميلاد حنا السياسي المصري الضليع بالعاصمة الإسبانية مدريد.. كنا ننتقل في ماراثون حواري ليلي من موضوع لآخر، على طريقة «البينق بونق». يسألني عن السودان فأجيبه ثُمّ أرد عليه بسؤال عن مصر.. فإذا بشيطاني الصحفي يوعز لي أن أسأل ميلاد - القبطي الماركسي - عن ظاهرة انتشار الحجاب في مصر.. وهي ظاهرة لافتة لنظر كل زائر لأم الدنيا.. صَمَتَ ميلاد لثوانٍ ليست بالقليلة.. يبدو أنه راجع فيها حساباته الخاصة.. قبل أن يقدم لي تفسيراً - أراد له أن يكون منطقياً - لا يأتيه شك الاشتباه في أن يكون ملوناً بأصباغ قناعاته الأيدولوجية أو بظلال انتمائه الطائفي.. الرجل الثمانيني اختزل الظاهرة في (الظرف الاقتصادي) باعتبار أن ارتداء الحجاب يلغي من مصاريف اليوم تكاليف تعدد الملابس وتنوعها وتوابع ذلك من أدوات المكياج..!

لم أناقش الدكتور في قيمة ومنطقية إفادته تلك، التي لم تستطع التخلص من ردائها الماركسي.. وبعد أشهر من لقائي بميلاد حنا كنت وصديقي الأستاذ عادل الباز بمطعم إيطالي بالمهندسين في ضيافة الدكتورة أماني الطويل الكاتبة المصرية الشهيرة، فإذا بي أسالها خارج سياق الونسة عن انتشار الحجاب في مصر، وذكرت لها تفسير ميلاد حنا.. الدكتورة أماني - بهدوئها اللاذع -، نسفت تفسير حنا، بتعليق صغير، حين قالت بأن ملابس الحجاب في مصر لا تقل أسعارها عن الملابس العادية، بل أنّها في مراتٍ كثيرةٍ تشهد تنافساً نسائياً يرفع أسعارها إلى حد قياسي، كما أنّها تجد من الإسناد المكياجي ما يتجاوز الملابس الأخرى..!

أماني ردت الظاهرة إلى كونها «موضة نسائية عابرة»،لا تنطلق من قناعة دينية ولا تُعبِّر عن توجه سياسي..!

سائقو التاكسي في مصر لهم مقدرة فائقة في تقديم المختصرات السياسية والاجتماعية في تعليقات ساخرة لا تحتمل الإضافة والتّعليق.. في مرات يُخيّل لي أنهم حزب سياسي له قاموس مشترك وينطلقون من أرضية واحدة.. في موضوع تفسير انتشار الحجاب وجدتهم على خلاف بائن كل يمتطي رأيه في اتجاه مخالف للآخر.

قد أكون أطلت اللفة وأسْهبت في المقدمة قبل أن أعلق على خبر الورشة التي نظمتها هيئة تزكية المجتمع عن المظهر العام وكان أبرز عناوينها: (المتحدثون ينتقدون الفوضى في الزي ويحمِّلون الحكومة المسؤولية)..!

الندوة أتت على خلفية المحاكمة التي تتعرض لها الزميلة لبنى محمد حسين لارتدائها (البنطال).. المفارقة أن هذه الهيئة الدعوية تريد للحكومة أن تقوم بدور عجزت هي عن القيام به، ما لَم تَستطع أن تفعله الهيئة بالجهد الوعظي والمثابرة في حقول الفكر والمعرفة لتسويق قناعاتها، تريد للقوانين والسياط أن تؤدي تلك المهام نيابةً عنها بينما تتكئ هي على أرصفة الانتظار أو على مساطب المشجعين..!

في مصر أجهزة الدولة لا ترغب في انتشار الحجاب وتمدده خوفاً من أن يستثمر سياسيّّاً ضدها.. ولكن المجتمع له موقفٌ آخر يلزم الدولة بالانصياع للظاهرة في الحد الأدنى وهو عدم الدخول في صدام معها.. (وفي الخرطوم ناس تزكية المجتمع يُراهنون على سياط القوانين في فرض الزي).. الحكومة المصرية تدرك بذكاء أن تدخلها لمحاصرة الحجاب سيزيد من تمدده وقد يصبح زيّاً احتجاجياً لمقاومة سلطتها.. كذلك محاولة فرض زي مُحدّد في الخرطوم قد تجعل من نقيضه هو الخيار الاحتجاجي الأمثل.. تحديد الأزياء مهمة أسرية ومجتمعية تقوم بالدعوة لها المنظمات والجمعيات الإرشادية، حتى تتحوّل لقناعة شخصية راسخة.. لا عباءة ظرفية اضطرارية تسقط عندما تغفو عينا الرقيب..!