أول إكتشافي لمجلة العربي كان خلال سنوات دراستي في السبعينات بجامعة بغداد. كانت تصدرها وزارة الثقافة من دولة الكويت. كانت تتميز عن غيرها في مواضيعها الدسمة المتنوعة وأيضاً في شكلها العام ونوع أوراقها الممتاز وجمال طباعتها وصورها الملونة الرائعة الممتازة من مصور وصحفي لعله يدعي أوسكار ميتريوالمحرر الذي كان هو دكتور أحمد زكى. أذكر بعضاً من عناوين غلاف المجلة تلك التي تصحبها صورة فتاة جميلة مختارة لها علاقة بموضوع متخصص يضمن شهرياً زيارة بلد عربي. مثلاً تجد غلافاً عليه صورة تقول لك " أنا فتاة من بسكرة أو أنا فتاة من أبها" .. إلخ كان لتلك الصور جاذبية تأخذ عقل المشاهد وتجعله يحلقمسافراً بخياله في أنحاء تلك المدن البعيدة مستمتعاً بمناظرها وجمال فتياتها الساحر الفتان.


أنا من كافوري!. عنوان يصلح ليتصدر غلاف مجلة العربي . لكن لعل مجلة العربيالمعاصرة لم تسمع بعد عن كافوري الجميلة فاتنة الخرطوم المدللة وموطن علية القوممن سفراء ووجهاء ونجوم المجتمع السوداني الأروستوقراطى البرجوازي حديث التكوين. أما أنا فأيضاً أقول "أنا من كافوري" وهذا إشهار للذين لا يعلمون أن الكثير مثل شخصي الضعيف من مهنيين مغتربين قد حباه الله بحر ماله بفرصة إقتناء سكن في كافوري. فهل كل سكان كافوري أغنياء وبرجوازيين؟؟؟


في عهد حكم الرئيس جعفر النميري ظهرت شريحة عشوائية من الناس وانتفخت جيوبها إلي درجة الخيال الفاحش فكان أن ظهرت نتيجة ذلك كلمة "سدنة" في قاموس لغة الشارع السوداني تعيّر كل إنسان " قفز بالعمود" من غير أن يكون صاحب إمكانيات أو نجاحات تحمد له فصار من الوجهاء وأصحاب المال والعجبالعجاب. أذكر بهذه المناسبة أنه قد ظهرت آنذاك بين المغتربين موضة إدخال السيارات المستعملة أو حتي الجديدة من دول الخليج والسعودية إلي السودان بهدف الربح المجزئ رغم خطورة تلك التجارة لما تتخللها من صعوبات ومجازفات مع مافيا شركات الترحيل عبر البر أو البحار. من بين الذين حاولوا هذه الطريقة سريعة الربح مرة واحدة في العمر شقيقي د. بابكر الذي يعمل بإمارة أبوظبي فقد أرسل بالفعل سيارة جيب جديدة من ذوات الدفع الرباعي ماركة باجيرو للمتشوبيشي. وصلت السيارة بسلام وحطت بعجلاتها الألمونيومية وإطاراتها السوداء العالية الامعة أرض الخرطوم الغبراء وبدأت هكذا برونقها ولونها الفضي الزاهي تتهادى في شوارع العاصمةبقيادة أحد أشقائي فكانت في حالة عرض مستمر وجمال كان لا يناسب ظروف الشارع السوداني آنذاك. لم يسلم شقيقي أثناء قيادة ذلك الباجيرو من مضايقات وصيحات الآخرين في الطرقات نحوه وهم يرددون "سدنة ..... سدنة ... سدنة" .وفي إحدي العصريات كان في طريقه لزيارة أسرة صديقة في حلفاية الملوك فيصطدم بهمتهوراً سائق تايوتا بوكس هايلوكس مسرعاً من الاتجاه المعاكس فتنقلب السيارةالباجيرو ثلاثة مرات كادت تقضي علي حياة كل ركابها لكن اللطف من السموات العلا قد ضمن النجاة لهم جميعاً عدا السيارة التي صارت لا تصلح إلا لتجارة الخردة وبالفعل إنتهي أجلها هكذا.


"أنا من كافوري"، ومن الأوائل الذين اشتروا أرض السكن (التي كانت بقايا جداول وحيضان قفر) خلال النصف الأول من الثمانينات دافعاً القيمة نقداً بالدولار جمعتهابصعوبة أثناء عملي بدولة الإمارات العربية المتحدة. عندما عرضت علينا خطة السكن أيام حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري ، كانت حلماً جميلاً يتمناه كل مغترب وإغراءاً لكل من يرجو داراً تأويه وجاراً يناسب مستوي علمه وثقافته وسلوكه وأسرته عند مايعود إلي الوطن. الأفكار التي كانت آنذاك (معروضة علي الورق) تروّج إليّ منطقة سكنية راقية تنقسم إليّ مربعات وفي كل مربع ميادين خضراء ومركز تسوق ومدرسة والخدمات المْضٓمّنة المضمونة لابد أن تدفع قيمتها مقدماً. أيضاً قيل إن هذه المنطقة ستكون للصفوة من المهنيين ذوي التعليم والثقافة العالية. فهل يا تري أوفت مصلحة الأراضي والآسكان بوعدها ذاك؟؟؟


أنا من كافوري وغيري من كافوري ولكن قد دخل علي كافوري للأسف من شوهها بناطحات سحاب قامت عشوائية كالنبت الشيطاني وسط بيوت متواضعة كانت آمنة مستورة الحال فانكشف سترها. فمن همو السدنة ياتري؟؟ أخشي أن أكون أحدهم في عين الآخرين!.


والله إني لأخشي علي كافوري الجديدة أن يصير مصيرها كمصير حي الرياض الذيكان أرقي أحياء العاصمة فصار الآن أقبحها بفعل غزو شوايات الشاورما والمطاعم التركية أو السورية عدوة البيئة عدوة الصحة السليمة. انتبهوا يا أولي الألباب فكسيرة في عقر داري أحب إليٓ من أكل الرغيف. انتبهوا يا مسؤلي تخطيط المدن ورونقهاومستقبلها. أناشدكم بإيقاف التطاول في البنيان وسط الأحياء السكنية المفروض أنتكون آمنة مستورة الحال فنحن لا نزال أمة محافظة ولها تقاليد كما يجب أن تكون للمدن ومبانيها نظم وتقاليد تحكمها.


كافوري ضاحية حديثة العهد ، ولدت في منطقة كانت زراعية خلال أواخر النصفالأول من ثمانينات القرن الماضي لذلك نجد أن آسعار أرضها كانت فلكية نسبة لأنها آخر منطقة سكنية توجد داخل حرم مركز الخرطوم إضافة إلي أنها خططت كاملة الخدمات. فأي خدمات توجد الآن؟أين الحدائق والميادين الخضراء وغيرها التي وعدنابها؟. فالطرق الداخلية لا تزال تشكو بداوتها. الحفر وبقايا نفايات البناء من طوبمكسر وحصباء وإسمنت وأشجار ومصطبات أسمنتية قبيحة المنظر أمام بعض المنازل جعلت التنقل خلالها يكاد يكون مستحيلاً. للأسف بعض السكان قد خرقوا القانون وتصرفوا كما يحلوا لهم في أي مساحة خارجية تحيط بدارهم مما تسبب ذلك في ضيق الشوارع الداخلية والأزقة . أذكر أن إمتداد الخرطوم الجديد كان قبلة الأنظار في زمنه الأول لما فيه من تنسيق للمباني وجمالها وتخطيط الشوارع المعبدة ومرقمة ولكن من الذي يحس الآن بذلك الجمال وقد غلبت علي تلك الأحياء ( الإمتداد والرياض) تجاعيد الشيخوخة المبكرة وبداوة القرية؟. أخشى أن يكون مصير كافوري مستقبلاً كمصير بقية أحياء الخرطوم القديمة المتهالكة ، فكلها تحتاج إليّ عناية مكثفة حتي يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لذلك أري أن أهم سمات ومؤهلات مدير عاصمة كبيرة كالخرطوم يجب أن يكون علي الآقل فناناً تشكيلياً أو مهندساً معمارياً يتمتع بخبرة طويلة وذائقة فنية راقية يتذوق ويصنع الرقي والجمال. الأوضاع في كافوري الجديد بل الخرطوم كلها تحتاج إليّ مراجعة بل إنقاذ علي يد فنان يعرف ويجود مهنته ومنثم سيأتي من علي يديه وأفكاره التطوير سهلاً ميسوراً.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////////