بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع


بيد أن هذا الاتجاه الذي تتبناه الدراسة في تبنيها للرؤية الإسلامية، كمرجع معرفي لفهم الظاهرة السياسية الواقعية قد يتعرض لنقد مفاده أن ليس بالضرورة أن كل القضايا العلمية الموجودة في عالم ظواهر السياسة، هي قضايا مثارة في الخطاب الديني، بمعنى أن العالِم الذي ينطلق من الخطاب الديني، كنموذج نظري إنما تنحصر اهتماماته في التساؤلات والاهتمامات التي يهتم بها الخطاب الديني، والعكس ليس صحيح، والحق أن الأمر كذلك عندي، فمنهج البحث العلمي الذي نقرره في الانطلاق بالنماذج السياسية من الوحي المنزل، هو منهج يهتم ابتداءاً بمدى أهمية القضايا والبيانات العلمية المطلوب دراستها، حتى تقرب أكثر من غيرها من النموذج الأخرى إلى الحقيقة الحقيقية للسياسة. وليس معنى هذا أن الوقائع السياسية غير المثارة في الوحي قد لا توصل إلى الحقيقة، بيد أن العلاقات والقضايا المثارة هي الأهم في الاقتراب منها.
ذلك أن «الحقائق» العلمية السياسية في الخطاب الديني ليست عبارة عن سرد أعمى أو تراكم آلي للحقائق، كما في بعض النظريات والاتجاهات المعرفية الوضعية للسياسية، وإنما الحقائق والعلوم في الخطاب الديني، هي حقائق وعلوم انتقائية تمثل الحقائق والعلوم الأكثر أهمية، فيما يتعلق بحالة الرشد المرتجاة، يقول تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) {الإسراء/85}، ويرجع ذلك في تقديرنا إلى قيمتها الذاتية الأزلية الخالدة من جهة، وإلى أنها النماذج تشكّل المفاهيم السياسية الأكثر فاعلية من الجهة الأخرى، وبالتالي تجعل الخطاب الديني ومن ثم المنطلقين من نماذجه يتحملون مسؤولية المخاطر والابتلاءات الراهنة للمعرفة العلمية السياسية في العصر الراهن وفي كل عصر قادم، تماماً كما تحملها بالنسبة للعصر الذي نزل فيه أول مرة، فأهميه الوحي تكمن في الحلول ذات المغزى التي يقدمها للبشر مقارنة بوظيفته من جانب، وبالحلول المقدمة بواسطة الرؤى والفلسفات والتصورات الوضعية الأخرى من الجانب الآخر، يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإيمان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشوري/52}. ويقول: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) {يوسف/111}. بمعني أن الوحي على هذا يهتم بمدى أهمية القضايا المثارة على صعيد وظائف العلم أكثر من اهتمامه بعدد الوقائع التي تؤيد هذه النظرية أو تلك.   
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الرسالة آتية من الخارج أي من خارج الاجتماع، لإدراكنا أن مرد وجوهر الأمر والنهي في الاجتماع إنما يرجع إليها، بوصفها مرجعية متعالية عن النسق الاجتماعي نفسه تهديه وتوجهه نحو المثل العليا المتعالية، معنى ذلك أن مشروع المجتمع السياسي لا يتضمن فحسب التحرر من أي ولاية خارجية منافية لماهية الدين، وإنما يقود إلى جعل الدين المنزل ذاته هو محل السيادة والولاية العليا في المجتمع السياسي إلى الدرجة التي تستمد منه السلطات والتشريعات وما إلى ذلك. وعلى هذا فلا مجال هنا للقول بسلطة تشريعية تشرع في أمور الحياة بصفة مستقلة عن الرؤية الاسلامية، وإنما التشريعات تستمد ويجتهد فيها من الرسالة، ويأتي دور الاجتماع هنا في اتباع هذه التشريعات، فلا وجود إذاً لمفهوم الهيئات التشريعية مجسدة سيادة الشعب كما في المفهوم الليبرالي. إنما ينتهي دور مثل هذه الهيئات في الاجتهاد والتقويم والمناصحة لزمرة الحكم والحاكمة ومتابعة مدى التزامها بتوجيهات الشريعة المقررة في المجالات المختلفة. وعلى هذا فإن الفقيه يعمد إلى البحث عن مغزى وغاية المشكلات السياسية ومدى أهميتها، وليس من عدد الوقائع السياسية المؤيدة لنظرية بعينها، ومن هنا فإن أهمية النظريات السياسية العلمية كنظرية «الولاية»، تأتي من قدرتها على تأليف إجابات تكون حلولاً ذات مغزى للمسائل السياسية المثارة، وهي الأهمية التي يقررها كون القضية أو التساؤل الإنساني مثار في الوحي أم لا؟ وما هو وجه إثارته؟ وما درجة أهميته بالنسبة للتساؤلات الأخرى في الوحي؟ وفي هذا السياق يأتي التوجيه بالاكتفاء بتساؤلات الوحي دون الخروج عليه، وهو المفهوم الذي يقرره الله سبحانه وتعالى مخاطباً الذين آمنوا في الآية، بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ* قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) {المائدة/101-102} وليس معنى هذا أن السياق القرآني مصدر يعاني من الانغلاق طالما أنه يهدي للتي هي أقوم، أي يهدي العلماء مباشرة إلى القضايا التي توصلهم للتي هي أقوم، وهل يبحث العلماء إلا عن هذا، يقول تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) {سبأ/6}، فضلاً على كونه سياقاً لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء كما هو معروف، فهو يمد العالِم بتفسيرات وشروحات لا متناهية عن حوادث الإنسان المتناهية، ولكن في سياق أهميتها ومغزاها يقول تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) {الكهف/109}.
أما إذا كان الفهم الديني لعلم السياسة الإسلامي قد انقطع عن تواصله واختفى ولم يعد يلقى الاستحسان بين علماء السياسة المعاصرين لاسيما المنتمين للمدرسة الوضعية، إلا أنه بدأ مؤخراً يحقق عودة جديدة على أثر صعود التيار الإصلاحي الإسلامي، وبروز الحنين للفكر السياسي الديني، الذي يبحث في المسائل والقضايا الفلسفية الكبرى، كالعدالة والمساواة والحق، وكيفية تحقيق الصلاح للبشرية، التي وعلى الرغم من كل التقدم المادي الذي حققته لازالت تعاني من الغربة والضياع، وتفشي الفساد السياسي، وانخفاض أداء السياسيين كما يستمد التيار الإصلاحي الجديد حيويته من حاجة الاجتماعات الإنسانية مجدداً إلى المثل والقيم الأخلاقية، وذلك على ضوء دخول البشرية إلى مرحلة جديدة في التاريخ نتيجة التطورات العلمية والحياتية المتسارعة، وما أثارته هذه التطورات من تساؤلات كبرى حول مصير البشرية، ومستقبل الحياة، وقدرة الحكومات على إدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على القيم، والمسلمات الإنسانية السائدة، التي تتعرض لتحديات شديدة نتيجة التسارع المذهل لتداعيات الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة، والتي تثير تساؤلات ومشكلات لا يمكن حلها حلاً علمياً أو تقنياً. لأن هذه المشكلات هي من فعل العلم نفسه الذي يقدم الاكتشافات دون الاكتراث بالتداعيات، ولا يمكن لها من حلول إلا بإعادة تأسيس السياسة على المعنى الديني، بما في ذلك علم السياسة نفسه.   
fadel ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]