بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع



حتى تصبح السياسة علماً من العلوم، يجب أن تؤسس على أساس من النماذج المتعالية الواردة في الخطاب الديني، لا القيم المثالية العقلية، أو الإجراءات العلمية الوضعية، ولكن هذا المفهوم لا يعني بالضرورة تجاهل المعرفة السياسية بالمعنى الواقعي للعلم، وإنما يعني استيعابها في العلم المتعالي المنزّل من عند الله تعالى، فلقد لاحظنا أن الاختلاف يكثر بين اتجاهات الفكر السياسي، لاسيما في ميادين البحث العلمي عندما يتعلق الأمر بتصور القيم والعالم ووضعية الإنسان فيه، وحدود علاقاته، وطرق المعرفة السياسية الصحيحة التي تمكّن من الاستفادة من العالم وتسخيره، وأن الاختلاف والتباين يزداد أكثر في مجالات المعرفة السياسية التي يبتعد فيها الإنسان بتفكيره عن هدي الوحي المنزّل على الرسل، حيث يتناول الفقيه السياسي بالبحث ألتأملي الفلسفي، أو التجريبي ألوصفي أموراً وأشياءً لا سبيل للإحاطة بها وسبر أغوارها وغاياتها الأولى ونهاياتها القصوى، ليهتدي إلى صحة التفسير والوصف لجوهرها وحقيقتها بواسطة التجربة أو العقل أو الحدس مجتمعة أو على حدة، كمصادر للعلم والمعرفة السياسية العلمية الحقيقية.
والمعنى أن النماذج العلمية دائماً تظل في حاجة إلى المراجعة والتصحيح، لتتجدد وتقترب من الحقيقة النهائية، يكون ذلك من خلال الانطلاق والمصادقة بالحقيقة المتعالية المقررة في الخطاب الديني، كلام الله تعالى، الذي خلق الإنسان وخلق الطبيعة. وعندئذٍ فقط يمكن الاقتراب من بلوغ بدايات الحقيقة الأولى ونهاياتها الأخيرة، وهو الأمر الذي فات على هؤلاء المعاصرين، كما فات على الوضعيين الكلاسيكيين، وفي ذات الوقت يمكن إدراك ودراسة الحركة والتحولات في الواقع الحي، ومعرفة الاتجاهات التاريخانية تجاه سنن الفساد وسنن الصلاح في العلم والمعرفة، وبالتالي في الحياة السياسية.     
والمعنى أن المعرفة السياسية في التصور القرآني تستوعب وتتجاوز في آن جملة المفاهيم السائدة في المفهوم الوضعي للسياسة، لاسيما قصر المفهوم الوضعي للمعرفة السياسية على الجانب المقابل للملاحظة والتجربة والنشاط السياسي، وجعل هدف المعرفة السياسية محدداً في محاولة قهر الطبيعة والسيطرة عليها، مما يجعل الإنسان وفقاً لهذه الفكرة الوضعية سيداً للكون والذي يشغل مركزه، مما كانت نتيجته في الفلسفات السياسية المعاصرة الوقوع في أزمة التمركز حول الذات، وزيادة النزعات الفردية والأنانية والمذهب الفردي الليبرالي، وثنائية الأنا والآخر، وهي جملة الإشكالات التي لا يمكن تجاوزها إلا بالرجوع إلى النظرة التوحيدية المقررة في الوحي المنزّل، والقائلة بأن الله هو سيد الكون وخالقه، والله تعالى متجاوز ومفارق لعالم الظواهر المادية، أما الإنسان فمستخلف من قبل الله في الكون، والله أنزل الوحي هداية للعقل الإنساني في حياته الاستخلافية حتى لا يفسد الكون بعد صلاحه، وهو الراجع إلى الله يوماً ما لينال جزاءه ثواباً أو عقاباً.
وفي هذا السياق فإن الوضع المعرفي لعلم السياسة الحديث، «علم التنمية السياسية المعاصرة»، سيكون أبعد ما يكون عن الحياد والموضوعية، فالمسألة التي نطرحها هنا (أعني علم التنمية السياسية الوضعي) ليست مسألة صواب أو خطأ، بل هي مسألة حق وباطل، هي مسألة استيراد قيم ومواقف أخلاقية وفلسفية، وكأنها «علم» محايد يتجاوز حدود الزمان والمكان والثقافة، ومن ثم فإن الخطر الذي نتعرض له نحن «السودانيون» خطر مقصور علينا دون غيرنا، فحينما نقوم باستيراد القيم والميتافيزيقا السياسية الوضعية باسم العلم، فإننا نتخلى عن قيمنا وأصولنا الخاصة، ليس لصالح العلم، ولكن لحساب القيم والميتافيزيقا الوضعية. وهو المنزلق الايديولوجي الذي يقع فيه بعض الكتاب المسلمين المعاصرين، إن لم يكن أغلبهم، أولئك الذين لا يتعاملون مع المسلّمات الميتافيزيقية المسبقة للتاريخ الوضعي، فغالبيتهم يؤمن بعالمية علم السياسة الوضعي وحياده، وبذلك يغفلون عن أن النظريات السياسية الوضعية كثيراً ما تقوم على مسلمات مستمدة من مجرد الحدس، أو من موقف ميتافيزيقي أو أخلاقي أو فلسفي قبلي، لا يمكن أن يخضع للتمحيص العلمي، فنحن عندما نتقبل مواقفهم وحسهم الأخلاقي الخاص مغلّفاً بالنظريات العلمية التي تصبح (كحصان طروادة) فإنما نتبنى مواقف لا علاقة لها بالعلم، فإذا عمد عالم السياسة أو الإنسان الغربي إلى اتخاذ «الفرد» أو «الجماعة» أو «الدولة الحديثة» بدلاً من «الفرد في الأمة» كوحدة للتحليل في دراسته، ألا يكون بذلك قد اتخذ موقفاً قيمياً لا يمكننا إلا أن نرفضه؟.   
ولذلك لا بد من العمل على استيعاب وتجاوز المفاهيم الإجرائية لنظريات التنمية الحديثة، في المجال السياسي، والتأسيس لمفاهيم إجرائية أخرى في تفسير الحياة السياسية أكثر ملائمة لخصوصية مجتمعاتنا السودانية، ونابعة من مكونها الثقافي الديني، لاسيما وأن مفهوم التنمية يواجه تعقيدات كبيرة في الأوضاع الراهنة لمجتمعاتنا السودانية، بعضها معرفي فكري وبعضها الآخر ثقافي وتاريخي وسياسي...الخ. إذ ليس الاعتراض الأساسي على مفهوم التنمية السياسية منحصراً في جانبه المؤسساتي فحسب، أي الاعتراض على معني التداول السوسيولوجي للمفهوم وغلبة الصياغة المادية والإجرائية عليه. كونها الصياغة التي تهدف إلى تقليل حدة المتعارضات والمتناقضات في الحقل الدلالي للمفهوم، بتركيزها على القواسم المشتركة والعناصر الثابتة، التي ألح عليها أغلب من ساهموا في تأسيس المفهوم وبلورته، وعلي وجه الخصوص على مستوي أصوله الفلسفية البعيدة، بيد أن الاعتراضات الأكثر أهمية علي المفهوم، يكمن في طبيعة القيم والأخلاقيات والثقافة المدنية اللا دينية التي يساهم المفهوم في نشرها داخل المجتمعات السودانية، بحيث تتحول إلى معايير وأسس تحكم السلوكيات السياسية وتوجهها.    
إذ نجد تاريخياً أن مفهوم التنمية الرأسمالي، قد ظهر في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين، يهدف في الأساس إلى إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية المتزايدة لأعضائه، بالصورة التي تكفل زيادة درجات قضاء تلك الحاجات، عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال.   
ثم انتقل مفهوم التنمية الرأسمالي إلى حقل الاقتصاد منذ ستينيات القرن العشرين، حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية، وعندئذٍ تعرف التنمية السياسية، «بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية»، ويقصد بذلك إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية...الخ.   
ولاحقاً تطور مفهوم التنمية الرأسمالي ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية، فأصبح هناك حقل التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية المجتمعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، والجماعة والمؤسسات المجتمعية المختلفة، والمنظمات الأهلية، بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية الاقتصادية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع، ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية الرأسمالي ترتكز على عدة مسلمات، أهمها غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة. ونفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس، أي بإبعاد فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية، فضلاً عن كون أن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
ولذلك فإن نظريات التنمية السياسية تنطلق من توظيف جدلية التفكيك والإحلال في نظرتها للأخر غير الأوربي، فهي تعمد إلى نفي الثقافة المحلية للمجتمعات غير الأوربية وإحلال الثقافة الليبرالية اللا دينية محلها، وإحلال الأطر الثقافية الحديثة التي منبتها الغرب، حيث يرى منظرو التنمية أن تحقيق التنمية والانطلاق من التخلف، يكون بالقضاء على الثقافة التقليدية التي تبناها الشعوب المتخلفة والتي وصفت علي أنها دينية وراثية ذات طابع تكنولوجي جامد بخلاف الثقافة الغربية. كما يتم من خلال ذلك نفي المؤسسات التقليدية وإحلال المؤسسات الحديثة محلها، بالعمل على تفكيك المؤسسات المجتمعية المحلية التي يرى النموذج المعرفي الغربي أنها غير مؤهلة، لأن تقوم بعملية التنمية السياسية في المجتمعات البدائية المتخلفة، كون أن هذه المؤسسات التقليدية هي مؤسسات معاقة وهي عقبة في طريق التنمية على الرغم من عمقها في الموروث الحضاري للمجتمعات التي توصف بالتخلف ومثالاً على ذلك الأسرة، المسجد...الخ. ومن هنا فإن ربط مفهوم النهضة في المجتمع السوداني بالنموذج الغربي للدولة المركزية وجدليتها مع مفاهيم المجتمع المدني الحديث، خطأ تاريخي وعلمي فادح، يصبح معه تقليد الغرب الحلم والمثال بالنسبة لشعوب المجتمع السوداني. وتأخذ معها مفاهيم التنمية السياسية المعاصرة بعضاً من صفات القداسة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.