حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (1)
بقلم/ كمال الجزولى

(1)
(1/1) أحيت البشريَّة أجمعها فى السادس والعشرين من يونيو المنصرم الذكرى السنويَّة لليوم العالمى لمناهضة التعذيب ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة لهذا الغرض النبيل ، بموجب قرارها الخاص الصادر فى ديسمبر عام 1997م. والحقُّ أنه ما من ممارسة يمكن أن يقشعرَّ لفكرتها ، مجرَّد فكرتها ، ضميرُ الإنسان السوىِّ ، أو ترتجُّ لها دواخله حدَّ الزلزلة ، كقهر المستضعَف بإذلاله وتعذيبه ، حالة كونه بلا حَوْل ولا طوْل ، جسدياً كان ذلك أم معنوياً! وليس أكثر انحطاطاً ، بالمقابل ، مِمَّن لا يجد فى نفسه ذرة واعز من دين أو خلق أو حتى أوهى شعور إنسانىٍّ ، فى أدنى درجة من درجات التطوُّر ، يحول دون استقوائه ، فى لحظةٍ ما ، بسلطةٍ ما ، لارتكاب عمل شنيع كهذا ، فى مواجهة كتلة آدميَّة واجفة العينين ، يابسة الشفتين ، مغلولة الأطراف ، مسحوقة الأعصاب ، منزوعة قسراً من سياق الحياة الطبيعيَّة وضجَّتها ، ومغمورة حتى فروة الرأس بالدم والصديد والعرق!
(1/2) سوى أننا نعيش ، للأسف الشديد ، فى عالم يتعرَّض الآلاف من رجاله ونسائه وأطفاله سنوياً ، وفى أكثر من مئة بلد ، لهذا الصنف من الخسَّة والدناءة ، حيث يخرج بعدها من كتبت لهم حياة أخرى وهمُ موتى فى الأحياء ، إلا مَن عصم ربك .. محضَ أشباح هائمةٍ ، مهشَّمةِ الأنفس ، مثخنةٍ بالجراح ، متوجِّسةٍ خوفاً حتى من ظلالها ، تلتمس الأمان فى العزلة عن الآخرين ، وتتقى حتى بهرة الشمس الساطعة براجف الأكف فوق عيون كابية يترقرق فى مآقيها دمع زئبقىٌّ لا يجفُّ ولا يسيل ، دون أن تجرؤ سوى القلة منها على الافصاح عَمَّا وقع لها أو شاهدت فى رحلة الرعب تلك ما بين الزنازين الضيَّقة التى تكلست الحياة على جُدُرها الشائهة ، وأقبية الموت المعتمة برطوبتها الخانقة وروائحها الزنخة!

(2)
(2/1) وكان قد تعيَّن على البشريَّة فى هذا العصر أن تقطع ، هى الأخرى ، رحلة شاقة قبل أن تتمكن ، رغم كلِّ هذه الأوضاع البشعة ، من رفع قضية (مناهضة التعذيب) إلى قلب أولويَّاتها ، من فوق رهق ثقيل عانته ردحاً طويلاً من الزمن ، وأوزار كثيفة ناء بها ضميرها تاريخاً بأكمله ، حيث عرفت أساليب التعذيب منذ أقدم العصور ، مقترنة  أكثر شئ بأنظمة ومناهج الاعتراف الجنائى. لكن ، ما أن وضعت الحرب الثانية أوزارها ، وانطلقت رايات المفاهيم الجديدة للحريَّة والديموقراطيَّة ترفرف فوق أجواء كوكبنا بأسره ، حتى تكوَّنت (منظمة الأمم المتحدة) عام 1945م ، كإحدى ثمار تلك المتغيرات العالميَّة ، حيث:
أ/ أصدرت جمعيَّتها العامة فى 10/12/ 1948م (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) الذى نصَّت (المادة/5) منه على عدم تعريض أىِّ إنسان للتعذيب أو الحط من كرامته.
ب/ ولئن لم يكن لذلك (الاعلان) صفة إلزاميَّة ، أول أمره ، فقد رفدت الجمعيَّة العامة ما أصبح يُعرف لاحقاً (بالشرعة الدوليَّة لحقوق الانسان) بوثيقتين أساسيَّتين ذواتى صفة إلزاميَّة فى 16/12/1966م:
الأولى: (العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) الذى دخل حيِّز التنفيذ فى 23/3/1976م ، وتنص (المادة/7) منه على عدم جواز إخضاع أىِّ فرد للتعذيب أو لأيَّة معاملة قاسية أو غير إنسانيَّة أو مهينة. وكذلك تنص (المادة/2/3) على التزام كل دولة طرف فيه بأن تكفل لكل فرد تقع عليه مثل هذه الاعتداءات علاجاً فعَّالاً لحالته بوساطة السلطات القضائيَّة أو الاداريَّة أو أىِّ سلطة أخرى مختصَّة ، وأن تضمن تنفيذ ذلك العلاج. كما تنص (المادة/14) على عدم إلزام أىِّ متهم بالشهادة ضد نفسه أو الاعتراف بأنه مذنب.
الثانية: (البروتوكول الاختيارى الثانى الملحق بالعهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) ، والذى دخل حيِّز التنفيذ أيضاً فى 23/3/1976م ، وتنص (المادة/1) منه على إقرار كل دولة طرف فيه ، وبالضرورة فى العهد ، باختصاص (اللجنة الدوليَّة لحقوق الانسان) ، المنشأة بموجب (المادة/28) من العهد ، باستلام ودراسة تبليغات الأفراد الخاضعين لولاية تلك الدولة، مِمَّن يدَّعون أنهم ضحايا انتهاكها لأىٍّ من الحقوق المبيَّنة فى العهد. كما تنص (المادة/2) على حق هؤلاء الأفراد فى التبليغ المشار إليه.
ج/ وفى 9/12/1975م إعتمدت الجمعيَّة العامة (إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، وذلك بموجب قرارها رقم/3452 (د ـ 30). فى هذا (الاعلان)  جرى تعريف (التعذيب) بأنه: "كلُّ فعل يُنزل بشخص ، عن تعمُّدٍ ، ألماً أو أنواع حادة من العذاب ، بدنيَّة كانت أو ذهنيَّة ، وذلك من جانب موظفين عموميين ، أو بتحريض منهم ، بهدف الحصول منه ـ بصفة خاصـة ـ أو من شخص ثالث على معلومات أو اعترافات ، أو معاقبته على فعل ارتكبه ، أو يُشتبه أنه ارتكبه ، أو تخويفه ، أو تخويف أشخاص آخرين". كما حدَّد (الاعلان) معيار معاملة الأشخاص المقبوض عليهم باتساق مع قواعد الحدِّ الأدنى المعياريَّة لمعاملة المسجونين ـ Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة الأول بجنيف حول منع الجريمة ومعاملة المجرمين لسنة 1955م ، والتى اعتمدت من قِبَل (المجلس الاقتصادى ـ الاجتماعى للأمم المتحدة) عام 1957م.
د/ ويذهب فقهاء القانون الدولى والجنائى إلى القطع بأن التعذيب ، بهذا المفهوم ، غير مبرَّر ، لا من جهة الأخلاق ولا من جهة القانون ، علاوة على كونه بلا طائل من الناحية العمليَّة ، حيث لا تنتج عنه ، فى الغالب ، سوى أقوال ومعلومات زائفة. ذلك أنه إذا كان من السهل إرغام شخص على الكلام ، فمن العسير إجباره على قول الحقيقة. ومن ثمَّ ، فإن أىَّ تأثير على المتهم ، سواء كان عنفاً أو تهديداً أو وعداً ، إنما يعيب إرادته ، ويفسد بالتالى اعترافه (د. محمود محمود مصطفى ، ورقة إلى المؤتمر الدولى الثالث لقانون العقوبات ، روما 1953م ، المجلة الدولية لقانون العقوبات 1953م ، ص 194).
هـ/ وفى قرارها رقم/32/62 الصادر بتاريخ 8/12/1977م طلبت الجمعيَّة العامة من (اللجنة الدوليَّة لحقوق الانسان) إعداد مشروع لتحويل (الاعلان) إلى (اتفاقيَّة). ثم عادت وطلبت منها أيضاً ، فى قرارها رقم/38/119 بتاريخ 16/12/1983م ، أن تستكمل ، كأولويَّة قصوى ، صياغة الاتفاقيَّة فى دورتها الأربعين وتقديمها مشروع بها إلى الجمعيَّة العامة فى دورتها التاسعة والثلاثين ، بما يتضمن الأحكام التى تنص على تنفيذها تنفيذاً فعَّالاً. وبالفعل أحالت (اللجنة) ، بموجب قرارها رقم/1984/21 بتاريخ 6/3/1984م ، نص الاتفاقيَّة إلى الجمعيَّة العامـة ، فأجازتها فى 10/12/1984م ، حيث دخلت حـيِّز التنفـيذ بعد ذلك بعامين فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى أشرنا إلى أن الجمعيَّة العامة قد اعتمدته ، فى ديسمبر 1997م ، يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب.
(2/2) وتنقسم الاتفاقيَّة إلى قسمين:
الأول: يتضمن تعريف التعذيب ، والتزام كلِّ دولة طرف فى الاتفاقيَّة بتحريمه ، والمعاقبة على ارتكابه ، وما إلى ذلك.
الثانى: ينص على إنشاء لجنة خاصة بمناهضة التعذيب ، كما ينظم اختصاصاتها وصلاحيَّاتها وامتيازاتها ، وطريقة انتخابها ، وإجراءات تلقيها المعلومات والشكاوى من الأفراد حول الانتهاكات التى يتعرَّضون لها ، وإشرافها على إنصاف الضحايا ، وتعويضهم ، وما إلى ذلك.
(2/3) وهكذا فإن اهتمام القانون الدولى العام بحقوق الانسان ، وبخاصة من زاوية مناهضة التعذيب ، آخذ فى الازدياد عبر شبكة من الاعلانات والعهود والاتفاقيات والمواثيق والأجهزة الدوليَّة والاقليميَّة والمنظمات الحكوميًَّة GONGOs وغير الحكوميَّة NGOs ، إلى الدرجة التى أصبح فيها هذا الاهتمام ، مضافاً إليه الاهتمام مؤخراً أيضاً بقضايا السلام وحماية البيئة والحق فى التنمية .. الخ ، أو ما أصبح يُعرف بحقوق الجيل الثالث على صعيد حقوق الانسان، بمثابة التكريس المركَّز لعصارة ما تمَّ إنجازه أصلاً بالنسبة لحقوق الجيل الأول (الحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) والجيل الثانى (الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة).

(3)
 (3/1) غير أنه ما يزال ، فى ما يبدو ، ثمَّة مزيد من الجهد البطولىِّ الذى ينتظر من الانسانيَّة أن تبذله قبل أن تتحقق تماماً من أنها استطاعت أن تمحوَ وصمة التعذيب نهائياً من على جبينها. وما من شك فى أن هذا الجهد المطلوب متعدِّد الأوجه ، رحبُ المجالات ، ثرىُّ الاحتمالات. فمع أن المجرى العام للعلاقات الدوليَّة والقانون الدولى لم يعُد يصبُّ فقط باتجاه صَوْن حقوق (الدول) ، كما كان الأمر فى السابق ، بل وباتجاه المزيد من حشد التضامن والتعاون الدوليين فى سبيل ضمان أن يتمتع كل (فرد) على حدة بكامل حرياته العامة وحقوقه الأساسيَّة ، سواء كان ذلك فى أزمنة السلم أم فى أزمنة الحرب (Igor Bishchenko; International Law, 1989, p. 16) ، إلا أنه من الخطل تصوُّر هذا الجهد محصوراً فقط فى أبهاء الأمم المتحدة وأروقة منظماتها ، أو فى قنوات العلاقات الدبلوماسيَّة بين الدول ، أو حتى فى أطر النشاط الذى تبذله منظمات المجتمع المدنى المحليَّة والعالميَّة من أجل حماية المستضعَفين بالكشف عن هذه الممارسات حيثما وقعت ، وملاحقة مرتكبيها أينما وجدوا ، ونشر الوعى العام بحقوق الانسان ، وما رتبته وترتبه منجزات التعاون الدولى على هذا الصعيد. ذلك أن الأعمق أثراً من القانون ، على أهميَّته ، هو الثقافة. فلئن كان التواثق فى سياق التعاون والتضامن بين الدول هو مصدر القاعدة القانونيَّة الدوليَّة الملزمة ، فإن الواعز الذاتى النابع من ديناميَّات العقل والوجدان الجمعيَّين يظل هو مكمن قوَّة الثقافة الشعبيَّة والحديثة ، والتى غالباً ما تتشكل لدى مختلف الشعوب والجماعات على منظومات نضيدة من شتى ترميزات القيم الدينيَّة الخيِّرة والمثل المتأصِّلة فى صميم الفطرة الانسانيَّة السليمة. بل ان القاعدة القانونيَّة نفسها لا تحظى بالاحترام اللائق ، ولا تشتغل بالكفاءة المرغوب فيها ، إذا كانت متنافرة وبنية هذا العقل والوجدان. ومن نافلة القول أن هذه البنية قد بلغت حدَّاً من التطوُّر والرقىِّ فى العصر الحديث بما يكفى لاستبشاع التعذيب فى أيَّة صورة من الصور ، وبصرف النظر عن اختلاف الألسن والثقافات أو تعدُّد الألوان والأعراق.   
 (3/2) ولكم وددت لو انَّ المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب أثرت خطابها العام بما يعكس خصوصيَّة نظرة مختلف الأديان والثقافات فى بلادنا للتعذيب ، ويكرِّس ، فى المحصلة النهائيَّة ، للموقف الأخلاقى لدى منظومة التعدُّد والتنوِّع السودانيَّين من هذه الممارسة. إن الكثير من مثقفى التكوينات القوميَّة والقبليَّة فى بلادنا يمكن استنفارهم للاسهام فى هذا الجهد. ففى أساس كلِّ دين حكمته النبيلة المقدَّسة ، وفى جذر كلِّ ثقافة عنصرها الانسانى الرفيع. وسنحاول فى الجزء التالى من هذا المقال إلقاء نظرة عامة على أساليب ومناهج التعذيب كما عرفتها البشريَّة ، رغم مسيرة تطوُّرها الطويلة ، وتطلعها الدائم لما تستكمل به مقوِّمات إنسانيَّتها ، ثم نعرض لموقف الاسلام من هذه الممارسة ، باعتباره ليس فقط دين الجماعة المستعربة المسلمة السودانيَّة بثقلها المعلوم ، والمصدر الرئيس لثقافتها ، بل ولكونه أيضاً دين مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، ينتمون إلى تكوينات إثنيَّة مغايرة ، فيتداخل فى نسيج ثقافاتها ، يتأثر بها وتتأثر به ، وذاك من حُسن فأل الوحدة الوطنيَّة المأمولة.
       (نواصل)