صديقنا المذيع الراحل (....) رحمه الله كان لماحاً وصاحب طرائف ، حكى لى أنه وفى أوائل عهد مايو كان مكلفاً بتقديم لقاء سياسى جماهيرى على الهواء يتحدث فيه رئيس مجلس قيادة الثورة يومها الرئيس جعفر نميرى ، والذى قاد إنقلاب مايو برتبة عقيد ثم رقّى نفسه صباح ذات اليوم الى رتبة لواء ومن بعدها بفترة قصيرة الى فريق ثم أخيراً مشير . قدّم صديقنا المذيع الرئيس نميرى يومها بقوله : (والآن يخاطبكم قائد الثورة اللواء جعفر محمد نميرى ) ، خطا النميرى بفتونة شبابه فى تلك الأيام نحو المنصة وفى الطريق شدّ المذيع (....) من أذنه غاضباً وهو يقول : ( فريق يا حيوان .. ما لواء ) . ولما كان شد الأذن واضحاً والتوبيخ همساً سأل بعض الحاضرين المذيع عما قاله له الرئيس وقد ظنوها مداعبة فأجابهم على الفور بلماحيته وقدرته على التأليف قائلاً : ( الرئيس ده ما صاحبى ... تصوروا قال لى إنت يا (....) كل جمعة تجى تفطر فى ودنوباوى وما داير تجى تفطر معاى ؟!) .

تذكرت هذه القصة الطريفة وأنا أستمع لأحدى مذيعات قنواتنا الإذاعية التى تكاثرت كما يتكاثر الفطر، وهى تسأل ضيفها والذى كان برتبة الملازم شرطة وتناديه فى كل مرة بـ (سعادة الملازم فلان ) ... قلت فى نفسى إن كان الملازم وهو بنجمة واحدة على كتفه يُنادى بـ سعادتو فكيف نناديه حين يصبح عقيد أو لواء أو فريق ؟! قبل عشرات السنوات وربما فى عهد نميرى تم إلغاء هذه الألقاب (سيادتك وسعادتك ) وأصبحت المناداة فقط بالرتبة وربما تسبقها كلمة (السيد) ، ومن الملاحظ أنه وعلى عهد الإنقاذ عادت (سعادتو) هذه لتتسيد الساحة بصورة مزعجة ومثيرة للغثيان وبرتابة ملأت كل أجهزة الإعلام . إن الإفراط فى منح هذا التعظيم يعكس دائماً ملمح الصلف والغطرسة والتعالى على عباد الله من قبل الأنظمة ذات الصبغة العسكرية أو الملكية ، ففى عهود الخديوية الملكية فى مصر كان الضابط حال بلوغه رتبة العقيد أو البكباشى يُمنح رتبة البكوية ، وعندما يصل الى رتبة اللواء يمنح الباشوية .

ولعل من أسباب إندلاع ثورة الربيع العربى فى مصر هذه الغطرسة التى يمارسها صغار ضباط الشرطة وكبارهم خصوصاً ضباط جهاز أمن الدولة وتصرفهم كما الفراعين ، وإذلالهم للمواطن المصرى الغلبان ، فملازم الشرطة الشاب هناك هو (سعادة الباشا) الذى لا ترد له كلمة فما بالك باللواء ؟! ولعل هذا الغضب والحنق تجاه هؤلا الفراعين كان واضحاً فى الصدامات الدامية بين ضباط الشرطة وثوار ميدان التحرير. هذه العلاقة المتوترة التى تعكس تراكم الغبن بين المواطن وضابط الشرطة تجلت فى فيلم (زوجة رجل مهم) بطولة الفنان القدير الراحل أحمد زكى ، ومن قبله فى فيلم (البرىء)، و(إحنا بتوع الأتوبيس) بطولة عادل إمام .

عندما تخاطب مثل هذه المذيعة ضابط شرطة شاب ويافع بـ سعادتك فإنها ترفع من تضخم الذات لدى هذا الضابط الصغير الغض ، وتجعله يعيش نشوة المنصب والسلطة وهذا آخر ما يحتاجه المواطن العادى البسيط .

fadil awadala [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]