كان للأخوان دور عظيم في إشعال ثورة أكتوبر، ولقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء

انقلاب مايو 1969م أنقذ الحركة الاسلامية من انشقاق كبير كان يهددها



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لابد من الاعتذار أولاً للأخوة القراء الذين يتابعون مقالات الحركة الاسلامية في السودان ولم يعجبهم عدم انتظامي في كتاباتها، وأقدم بين يدي هذا الاعتذار دواعي عدم الانتظام التي قد تكون مقبولة لدى قرائنا الكرام، فلما بدأت هذه السلسلة«الحركة الاسلامية في السودان المأزق والمخرج» كان العزم عندي أن أجعلها راتبة في ثلاثة أيام في الأسبوع على الاقل، إلا أن تداخل الأحداث المهمة وتكاثفها جعل هذا الالتزام مستحيلاً، إذ يشهد كل يوم، إن لم نقل كل ساعة حدثاً مهماً، ومتغيرًا جديدًا يستوجب الحديث والتعليق وأجد كثيرين من القراء يحاصرونني مطالبين بالرأي والتعليق على أحداث الساحة الجارية، ولذلك صرت أسعى بين هذه وتلك بما يتيسر ويستجد من أحداث دون انتظام، ووفقنا الله خلال الفترة الماضية على كتابة ثلاث حلقات، وندخل اليوم الرابعة باذنه تعالي.

عام 1964م كان عاماً مهماً في تاريخ الحركة الاسلامية في السودان، وكانت في ذاك الوقت قد استقرت على اسم «الأخوان المسلمون» وفي هذا العام عاد الدكتور حسن الترابي من بعثته للدراسات العليا في جامعة السوربون الفرنسية وتم تعيينه عميدًا لكلية القانون جامعة الخرطوم، وكان الدكتور الترابي قد انتظم في صفوف الجماعة بعد دخوله جامعة الخرطوم من مدرسة حنتوب التي درس فيها المرحلة الثانونة، وتم اختيار الدكتور الترابي أميناً عاماً للتنظيم والرجل يمتاز بشخصية كارزمية لها كل مؤهلات القيادة، وتسلح بالعلم والمعرفة وحفظ القرآن والاطلاع الواسع في العلوم الشرعية وغيرها، وله كسب كبير في الفقه، كما ويتميز بجرأة فائقة ومقدرة عالية على التعبير عن أفكاره وتوصيلها إلى الآخرين، ويعينه على ذلك فصاحة لسانه وبراعته الخطابية.
وفي أكتوبر عام 1964م نظمت الجماعة ندوة سياسية بجامعة الخرطوم عن مشكلة الجنوب قاد الحديث فيها الدكتور الترابي، وكان أهم ما قاله في هذه الندوة أن مشكلة ا لجنوب لايمكن أن تحل في ظل نظام عسكري شمولي قابض، فلابد من إزالة الحكم العسكري أولاً، واقامة نظام سياسي ديمقراطي يعين على حل هذه المشكلة التي تعتبر أم المشكلات في السودان، وكانت هذه الندوة بمثابة الشرارة التي أشعلت الشارع فانطلق وأسقط نظام الفريق الراحل ابراهيم عبود في الواحد وعشرين من شهر أكتوبر عام 1964م فكانت اكتوبر الثورة الظافرة.
وهذا القول أثبته رجل ظل على الدوام على خلاف سياسي وفكري مع الحركة الاسلامية، وهو محسوباً على اليسار، إن لم نقل من قبائله ولكنه رجل أكاديمي ومؤرخ صادق هو المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير، ومن طرائف البروفيسور بشير ونوادره في الحديث عن الخلاف مع الاسلاميين، أنه كان كثير الانتقاد للانقاذ في عهدها الاول وكانت صحته عليلة على تلك الايام فزارته إحدى قريباته في المستشفى حيث كان يتلقى العلاج فوجدته، يتحدث عن الانقاذ بـ«حرقة» فحاولت هذه القريبة أن تخرجه من هذه الحالة وتواسيه فقالت له:«يا محمد يا أخوي ناس الانقاذ ديل ما بتقدروا عليهم إلا تشتكوهم لي الله» فرد عليها البروف يرحمه الله «الله ذاته معاهم».
فلقد شهد البروفيسور محمد عمر بشير في كتابه تاريخ الحركة الوطنية في السودان لجماعة الأخوان المسلمين، وقال إن اندلاع ثورة اكتوبر يعود لندوة اكتوبر التي انعقدت في جامعة الخرطوم عن مشكلة جنوب السودان وهي الندوة التي نظمتها جماعة الأخوان المسلمين، ونقول في ذلك:
ومليحة شهدت لها ضراتها
والفضل ما شهدت به الأعداء
وبعد نجا ح ثورة أكتوبر وسقوط نظام عبود وعودة الحياة الحزبية للبلاد في ظل ممارسة ديمقراطية مفتوحة، لجأت الحركة إلى العمل الجبهوي فأسست جبهة الميثاق الاسلامي التي شاركت فيها قوى اسلامية كثيرة منها طرق صوفية وكان أكثر المتصوفة الذين شاركوا في الجبهة ودعموها أهل الطريقة التجانية وكانت مشاركة أنصار السنة المحمدية ظاهرة، فبينما كانت روح التدين السودانية للجماعة سبباً لتعاطف المتصوفية معها، فإن سنيتها ورفعها الشعار الاسلامي للحكم كانت سبب جذب كثيرين من السلفيين من أنصار السنة لها.
هذه الدعوة الانفتاحية والاتجاه للعمل الجبهوي لم تحتملها كل عضوية الجماعة، ولقد كان بعض القيادات أيضاً على هذا الرأي، الا أن وقوف الأمين العام الدكتور حسن الترابي وقيادته للتيار الجبهوي رجحت كفة الجبهويين، وأوشك أن يقع انشقاق كبير في صفوف الجماعة في أبريل عام 1969م عقب المؤتمر العام للحركة الذي عقد في ذلك الشهر من ذاك العام وكان يمكن لهذا الانشقاق أن يشكل مأزقاً كبيرًا للحركة الاسلامية الحديثة، إلا أن المخرج جاء مع انقلاب الرئيس الأسبق المرحوم المشير جعفر محمد نميري الذي أصاب الفريقين معاً، دعاة الانفتاح ودعاة الانغلاق فصدقت فيهما مقولة «المصيبة تجمع المصابين» فتناسى الفريقان خلافاتهما ووحدا صفوفهما لمناهضته للانقلاب الذي وقع على البلاد.
كان الأخوان المسلمون من أشرس الذين تصدوا لانقلاب مايو مع الأنصار وحزب الأمة فلما تمترس الامام الشهيد الهادي المهدي في الجزيرة أبا لمنازلة النظام هاجر إليه الاخوان المسلمون شيوخاً وشباباً ، ومن أشهر الشيوخ الذين هاجروا إلى الجزيرة أبا، الشهيد الدكتور محمد صالح عمر الذي كان من أوائل شهداء المقاومة الوطنية لمايوفي «ربك» والشيخ المرحوم محمد محمد صادق الكاروري، ومن الشباب الاخ مهدي ابراهيم الذي أعانته معرفته للمنطقة على الهروب، والأخ عبدالمطلب بابكر«طلب» الذي وقع في الأسر وحكم عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت، ولم ينقذه من حبل المشنقة شئ سوى صغر سنه الذي حول الحكم من الاعدام إلى السجن المؤبد، ولما جاءت المصالحة الوطنية في عام 1977م بين نظام مايو والجبهة الوطنية التي وقعها السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة مع الرئيس الاسبق جعفر نميري بعد لقاء بورتسودان الشهير الذي رتبه المرحوم فتح الرحمن البشير، فلما جرت هذه المصالحة كان من بعض بنودها إطلاق سراح المعتقلين فتم إطلاق سراح الأخ طلب مع الذين فُتحت عنهم أبواب السجون والمعتقلات وكان من بين هؤلاء الامين العام للحركة الدكتور حسن عبدالله الترابي.
لم تقف مناهضة الأخوان المسلمين لنظام مايو عند حدود المشاركة في أحداث الجزيرة أبا، وإنما قادوا مع حزبي الامة والاتحادي تكوين الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو في الخارج، وكان من أكثر قيادات الجماعة المشاركين في تكوين الجبهة وكانوا من رموزها السيد أحمد عبدالرحمن محمد والاستاذ عثمان خالد مضوي، ولقد أبلوا بلاءً حسناً في ذلك.
ومما ساعد على دعم التواصل بين الأخوان المسلمين وبين حزبي الامة والاتحادي، والتضامن في بناء الجبهة الوطنية المعارضة لمايو ما أشرنا له في حلقة سابقة من جذور أنصارية وختمية تعود اليها أصول أكثر الاخوان المسلمين، ويزيد عليها الخلفية الاسلامية للحزبين الكبيرين وتوجهاتهما، وكذلك اتفاقهم على رفض الشيوعية التي تحالفت مع بقية الفرق اليسارية وانفذت انقلاب مايو الذي قالوا عنه أنه جاء ليمزق ورقة الدستور الاسلامي الصفراء إلى الأبد.
وكان الطلاب الاسلاميون يمثلون رأس الرمح في مصارعة مايو، وكانت جامعة الخرطوم معقلاً لهذا الصراع ولقد أولى الطلاب ثقتهم للطلاب الاسلاميين، تقديرًا لدورهم النضالي، ولانهم كانوا يتمثلون شعارهم الانتخابي، وكان الذين يقدمونهم لقيادة الاتحاد يجسدون ما يقال عنهم ويكتب «أصلب العناصر لأصعب المواقف» ومن أشهر الطلاب الاسلاميين الذين قادوا اتحادات طلاب جامعة الخرطوم في تلك الفترة الحرجة التي كان فيها الصراع مع مايو على أشده الاخوان، علي عثمان محمد طه، أحمد عثمان مكي، داوود بولاد، والتجاني عبدالقادر.
أما الامتحان الأصعب والأعسر للحركة الاسلامية في تلك الفترة ، كان هو اختيار الجبهة الوطنية العمل المسلح والذي تم تنفيذه يوم الجمعة الثاني من يوليو عام 1976م بقيادة الشهيد العميد محمد نور سعد والذي نسميه«الانتفاضة الوطنية المسلحة» واسمته مايو واعلامها في ذاك الوقت «المرتزقة» ولقد ساد اسم مايو وطغى على اسمنا.
لقد كان الامتحان عسيرًا والمأزق حرجاً بالنسبة للحركة الاسلامية، ولكنها اجتازته بنجاح فالحركة الاسلامية كانت حتى ذاك الوقت حركة صفوية وكان الخريجون والطلاب هم أهم مكوناتها ولم تكن لها قواعد كبيرة خارج هذه الدائرة التي تعتبر عند الآخرين «الصفوة» فبينما دفع الانصار بالقواعد لتشكل قاعدة القتال الاكبر للحزب، قدم الاخوان المسلمون الصفوة الذين هم قادة وقيادة معاً ولقد قاد الاستاذ ابراهيم السنوسي فيلق الحركة المقاتل وكان من أبرز الذين قاتلوا معه الشهيد عبدالاله خوجلي والشهيد عبدالله ميرغني والشهيد حسن سليمان والاخ غازي صلاح الدين وكثيرون غيرهم، ولقد سجلوا ملحمة بطولية خالدة، وللرئيس نميري قول يشهد على هذه البطولة وكان النميري قد قال«لما دخلنا دار الهاتف وجدنا فلذات أكبادنا طلاب جامعة الخرطوم» وكان المقاتلون في دار الهاتف قد صمدوا صمود الابطال وقاتلوا بشراسة واستبسلوا إلى أن لقوا ربهم شهداء للدين والوطن، راضين مرضيين، تقبلهم الله عنده قبولاً حسناً وأسكنهم فسيح جناتهم مع الانبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

/////////////////////