آفاق للتوفيق بين تقرير المصير والوحدة في السودان

يقدمها

فرانسيس م. دينق

2 نوفمبر 2009

 

 

1: كلمة افتتاحية

 

أ. يسرني ويشرفني أن أكون مدعواً لإلقاء خطاب في هذا الاجتماع المهم وفي هذا المنعطف الحرج في تاريخ بلادنا المحاصرة. وأنا أقول هذا بكل تواضع بصفتي الشخصية لا كالمستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية.

 

ب. وبكل صراحة إن هذا لشرف ترددتُ في قبوله في البداية لسببين رئيسيين :

 

أولاً، اعتقدت أن عملية جعل الوحدة جذَّابة  قد جاءت متأخرةً لأننا قد قاربنا نهاية الفترة الانتقالية التي من المفترض أن تُجعلَ الوحدة خلالها جذَّابة للناخبين الجنوبيين في استفتاء تقرير المصير. و إن هذا الغرض لم يتحقق بعد، وإن كان هذا قابلاً للنقاش.

 

ثانياً، إن مواقف الأطراف الأساسية في اتفاق السلام الشامل فيما يتعلق بإطار العمل المناسب للوحدة  تبدو متباعدة وليس هناك وقت لتقريبها حتى تُؤثِر إيجاباً في نتائج الاستفتاء.

 

ج. وفي النهاية وبعد التأمُل، وافقتُ على المشاركة لعدة أسباب:

أولاً، إن هذا السمنار يُعقد تحت رعاية زملائي ببعثة الأمم المتحدة في السودان التي هي إحدى أجهزة الأمم المتحدة التي أنا من موظفيها.

ثانياً، ذكَّرتُ نفسي بعددٍ من المباديء التي قد قادتني عبر السنوات في جهودي للمساهمة في خدمة السلام والوحدة في بلادي. ومن ضمن هذه المباديء ما يلي:

1. التفاؤل هو أداة مهمة في المشاركة البناءة بينما التشاؤم سبيل يُؤدي إلى طريق مسدود.

2. وُجِّهت دعوة إلى الجميع لأداء دورٍ ما في سبيل تعزيز الهدف السامي للسلام والوحدة، وإن كان الذين اشتهروا في النهاية كأبطال للعملية السلمية هم قِلة، إلاَّ أنَّ أثر جميع الجهود المتراكمة من وراء الكواليس هو الذي سيُؤدِّي إلى النتيجة المنشودة.

3. وعلى ضوء المباديء المذكورة أعلاه، ما دام هناك وقتٌ، لا بدَّ من تكثيف الجهود من أجل الامتثال بالقول المأثور:" أن تأتي أخيراً خيرٌ من أن لا تأتي". لقد بذلت معظم حياتي في دعم السلام والوحدة في بلادنا وسيكون مناقضاً لالتزاماتي التي قطعتها على نفسى مدى الحياة أن أتخلَّى عن هذا الدعم الآن بحجة تأخُّر الوقت.

د. قد كتبتُ بالمشاركة مع عبد الوهاب الأفندي ورقةً تبيِّن وتُجسِّد آراءنا المشتركة. وإنَّ حديثي هذا ينبغي أن يُنظر إليه كتكملة للجدال والمقترحات الواردة في تلكم الورقة.

 

2. رأي المشارك – المراقب

أ. من أجل وضع آرائي في السياق، قد يكون من المفيد أن أُسلِّط الضوء على بعض مواقفي الشخصية فيما يتعلق بدوري كالمشارك – المراقب في التاريخ المؤلِم لسودان ما بعد الاستعمار الذي قضيتُ فيه  حياتي الراشدة.

ب. ومنذ أن أصبحتُ ذا وعيٍ سياسيٍ، وكما يشهد على هذا  الذين قد قرأوا مؤلفاتي أو استمعوا إلى محاضراتي منكم، كنتُ داعماً قوياً للوحدة، ولكن على أساس المساواة التامة والشعور المشترك بانتمائنا كمواطنين إلى هذه الأمة بفخرٍ وكرامةٍ. وأيضاً قد دعمتُ حق تقرير المصير للجنوب لا من أجل أن ينفصل الجنوب وإنما من أجل تحفيز القيادة الوطنية، خاصةً في الشمال لإيجاد ظروفٍ مناسبةٍ تجعلُ الوحدة جذَّابةً للجنوبيين في استفتاء تقرير المصير.

 

ج. في عام 1989، وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريباً على استيلاء ثورة الانقاذ الوطني على الحكم أتيتُ إلى الخرطوم بعد زيارةٍ قمتُ بها أنا وبونا ملوال إلى أديس أبابا للإلتقاء مع قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان عملاً بالمبدأ الذي تبنيته منذ وقتٍ طويل ألا وهو الحفاظ على التواصل مع جميع أطراف النزاع في بلادنا. لقد أُستُقبلتُ بحفاوةٍ وسُمِحَ لي بزيارة أعضاء الحكومة السابقة المعتقلين وتشرفتُ بمخاطبة الحوار الوطني في قضايا السلام التي أوشكتْ على البدء. وقريباً قرأتُ ما كتبتُ آنذاك وقد تعجبتُ كيف يتواءم ما كتبته مع التحدّيات التي تواجه بلادَنا اليوم.

 

د. إنَّ موقفي الخاص بالوحدة المشروطة له جذورٌ عميقة في خلفيتي في القضية الحساسة الخاصة بالحدود بين الشمال والجنوب في منطقة أبيي التي يعترف بها ويدعمها بروتوكول أبيي المنبثق من اتفاق السلام الشامل.  في الحقيقة إنه لأمر مضحك أن منطقة أدّت دورًا مهمًّا متمثلا في التقريب بين الجنوب والشمال والمصالخة بينهما قد أصبحت نقطة المواجهة، ونأمل أن يكون هذا قد حُلَّ بقرار محكمة التحكيم.

ه. بهذه الخلفية قد تشرفتُ بالمشاركة في عديدٍ من المنتديات المعنية بدعم السلام والوحدة عبر السنوات داخل السودان وخارجه.  وقد كانت بعض جهودي مع قادة العالم من أمثال الرئيس النيجيري السابق، أولوشيغن أوباسانجو والرئيس الأمريكي السابق، جيمي كاتر، وبعض المؤسّسسات من أمثال وزارة الخارجية الأمريكيّة والمعهد الأمريكي للسلام ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.  كما كنتُ عضوًا مجموعة الموارد (غير الرسمية) التي عقدتها المجموعة الإفريقية المعنية بالمبادرة من أجل السلام في السودان والتي تعرف باسم "الهيئة الحكومية للتنمية" (الإيقاد).

6. ركّز مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية على وضع سياسة سودانية أمريكية استرشدت بها الوساطة التي قامت به إدارة بوش في نهاية الأمر في شراكة مع آخرين لإنهاء الصراع بين الشمال والجنوب من خلال اتفاق السلام الشامل.

 

7. بوصفي رئيسا مشاركا لمجموعة عمل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية والسوداني الوحيد فيها، قمت بدور واعٍ لوضعي غير المألوف كسوداني يساهم في تشكيل السياسة السودانية الأمريكية ودور استراتيجي تبصيري أدى في نهاية الأمر إلى تقرير متوازن في رأي الشخصي.

 

8. وهناك عنصر حساس في ذلك التقرير وهو الحاجة إلى التوفيق ما بين رؤيتين متباينتين في شمال البلاد وجنوبه من خلال صيغة "بلد واحد بنظامين" التي تم تبنيها لاحقا في اتفاق السلام الشامل والتي شكلت حجر الزاوية فيه.

 

3. الأسباب الحقيقية للحرب وحلول اتفاق السلام الشامل:

 لا يتحارب الناس فيقتلون الآخرين ويعرضون أنفسهم للقتل دون سبب قوي. إن الاقتتال هو مؤشر على اليأس مبني على افتراض أن جميع جهود السلام قد عجزت عن معالجة وضع غير محتمل. وبالرغم من أنه من النادر وضع الصواب والخطأ في كفة واحدة، فمن المهم تقدير شواغل كلا طرفي الصراع ومعالجتها بصورة منصفة.

 

عليه، يجب طرح الأسئلة الحساسة التالية وإيجاد أجوبة عنها:

ماذا كانت أسباب الحروب في السودان وماهي أسبابها الآن؟

إلى أي مدى عالج اتفاق السلام الشامل الأسباب الحقيقية لهذه الحروب وأوجد حلا لها؟

ما هي التحديات التي مازالت ماثلة أمام تحقيق سلام ووحدة مستدامين وشاملين في جميع أنحاء البلاد؟

 

أ‌.          الأسباب الحقيقية وراء الحرب (الحروب) في السودان

1.        هناك كلمة كثيرا ما تستخدم هذه الأيام بوصفها السبب الحقيقي وراء الصراعات التي تنتشر على مستوى الإقليم في السودان. وهذه الكلمة تستخدم لتشير إلى الغبن في جميع أنحاء البلاد، وبذلك لم تعد قاصرة على الجنوب، ألا هي "التهميش".

 

2.        وما تعنيه هذه الكلمة هو احتكار المركز للسلطة والثروة الوطنية إلى حد القيام بإقصاء الأماكن الطرفية في كل من جنوب السودان وشماله، وبالتالي "تهميشها".

 

3.        غير أن هناك منطقا أعمق من ذلك وراء هذا التصنيف الطبقي في السودان وهو ذلك الحد الذي استخدمت فيه عوامل الهوية المرتبطة بمجموعة ما، وهي العرب المسلمين في الشمال، لوضع إطار للهوية الوطنية، التي صنفت لا محالة المجموعات بناء على هذه الأسس وميزت ضد السودانيين من غير العرب ومن غير المسلمين وضد المسلمين من غير العرب في الأقاليم المهمشة في الشمال.

4.        ولو وضعنا هذه الأمور في سياق تاريخي، لوجدنا أن العملية الانصهارية في شمال السودان أعطت فرصا لتعزيز الذات ورفعها إلى مستوى أفضل من المجموعات السوداء غير المسلمة المستحقرة، بينما تبنى الجنوب هوية تقاوم الانصهار الذي تولد من الشعور بالإهانة النابعة من سوء المعاملة عبر التاريخ.

 

5.        إن عوامل التفرقة الذاتية المتعلقة بتعريف الذات قد ألقت في نهاية المطاف بظلالها على الحقائق الموضوعية التي جسدت العناصر المشتركة للهوية العرقية والإثنية والثقافية. إن هذا الإطار لتقسيم الهوية اعترفت به السياسات الاستعمارية وقوته وعززته، وهو ما زرع بذور الصراعات التي حدثت ما بعد الاستعمار، من خلال إدخال عناصر انعدام العدالة بين المجموعات المختلفة الموجودة.

 

6.        وفي باديء الأمر، حرض إطار الهوية هذا الشمال ضد الجنوب، الذي نُظر إليه على أنه الإقليم المهمل الذي يشعر بالمرارة بسبب الذكريات السالبة الموروثة من تأريخ أليم وهيمنة داخلية مستمرة.

 

7.        وقد ظهر رد فعل الجنوب في باديء الأمر في صورة حرب انفصالية وحدّت جميع الشمال ضد الجنوب وانتهت باتفاق على منح الجنوب حكم ذاتي.

 

8.        إن إلغاء هذا الاتفاق من جانب واحد من قبل الحكومة المركزية أدى إلى اندلاع الحرب الثانية التي استبدلت فيها الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان الأهداف الانفصالية بدعوة إلى سودان جديد موحد، وعدالة غير منقوصة ودون تمييز على أساس العرق أو الإثنية أو الدين أو الثقافة أو النوع. وبنفس القدر، تهدد الرؤية الجديدة لسودان موحد لا محالة مصالح المجموعة المهيمنة في الشمال والمبنية على الهوية، وهي المجموعة التي من المتوقع أن تقاوم هذا التحول الجذري.

 

9.        إن ذلك بدأ يجذب اهتمام الأقاليم والمجموعات المهمشة المكونة بقدر كبير من غير العرب في الشمال، بدءً من النوبة والأنقسانا (الفونج) وانتهاءً بالبجة وأهل دارفور وحتى النوبيين في أقصى الشمال.

 

10.      بدأت الدعوة لسودان جديد في هدم الجدر التي صنفت البلاد عبر التاريخ إلى شمال وجنوب. وحتى تلك المجموعات في الشمال التي قاومت التحول الجذري الذي ينادي به السودان الجديد قدمت تنازلات كبيرة، على الرغم من أنه مازالت هناك حاجة لسد الهوة.

 

ب‌.       الحلول الواردة في اتفاق السلام الشامل

1.        عالج اتفاق السلام الشامل أزمة الهوية الوطنية بين الشمال والجنوب بمنح الجنوب الحكم الذاتي خلال الفترة الانتقالية وحق الاختيار ما بين الوحدة والانفصال من خلال استفتاء يجرى في نهاية هذه الفترة.

 

2.        لكنه لم يحل أزمة الهوية الوطنية بصورة شاملة، على الرغم من أنه وضع اللبنة الأساسية للتحول الديمقراطي لنظام الحكم في جميع البلاد.

3.        وعلى الرغم من أن اتفاق السلام الشامل قد نص على بذل جهود خلال الفترة الانتقالية لجعل الوحدة خيارا جاذبا للجنوبيين عند التصويت في استفتاء حق تقرير المصير، فإن صيغة "بلد واحد بنظامين" التي رمت إلى التوفيق بين رؤيتين متباينتين في البلاد رسخت الخلافات بين الشمال والجنوب بميلها دون قصد إلى انفصال الجنوبيين وتركها أزمة التهميش في الشمال دون حل.

 

4.        وعلى الرغم من أن القصد من اتفاق السلام الشامل أن يضع إطارا للتحول الديمقراطي لنظام الحكم في البلاد ومباديء حل الصراعات الإقليمية في الشمال، فمن العجيب أن أصبح، أداة للاحتواء من قبل حزب المؤتمر الوطني الذي، وفق ما نذهب إليه في الورقة البحثية المشتركة، تضخم فأصبح حكومة الشمال والحزب المهيمن في حكومة الوحدة الوطنية.

 

5.        وعلى الرغم من البيانات المفوّهة التي تصدر عن الزعماء الذين يناصرون الوحدة، يبدو أن خيار الوحدة، وهو أبعد من أن يكون جاذبا للجنوب، قد تضاءل إذ ليس هناك دليل على أنه كان في يوم جاذب أو أنه جاذب الآن. ولكن، لا يزال الطرفان يتطلعان إلى تحقيق الوحدة الوطنية على أسس صحيحة.

 

6.        بالطبع، لاقت فكرة السودان الجديد قبول السودانيين من الشمال والجنوب إلى درجة أنه حتى في حالة أن انفصل الجنوب، ستستمر أزمة الهوية الوطنية والنضال لتغيير نظام الحكم في الشمال. وبالمثل، تشير التوترات بين المجموعات الإثنية والصراعات العنيفة في الجنوب، مهما يكن أصلها أو مصدر دعمها، إلى احتمال أن يواجه الجنوب في المستقل أيضا تهما بالهيمنة والتهميش، مما يجعل الدعوة لسودان جديد تسود فيه عدالة غير منقوصة تحدٍ أمام الجنوب.

 

7.        وإذا أخذنا في الاعتبار أن من يناصر دعوة السودان الجديد في الشمال هم إما أفراد من الحركة الشعبية لتحرير السودان أو حلفاء لها، فيمكن توقع أن يستمر جنوبٌ مستقل تحت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في دعم قضيتهم. ومن المحتمل أن يواصل المعارضون الجنوبيون كذلك اللجوء إلى الشمال للحصول على الدعم، ولاسيما في حالة أن ناصب الشمال والجنوب العداء لبعضهما البعض.

 

8.        وبالقدر نفسه، لا يمكن استبعاد احتمالات الوحدة من جديد في حالة ظهور سودان جديد في الشمال والجنوب.

 

9.        عليه، من الواضح أن انفصال الجنوب قد لا ينهي بالضرورة الصراعات في الجنوب ما لم تحل أزمة الهوية الوطنية في الشمال وما لم يقام نظام حكم عادل في الجنوب. وبالقدر نفسه، فإن آفاق الوحدة في البلاد لا تنتهي بالضرورة باستقلال الجنوب.

 

10.      من أجل هذه الأسباب كلها، فإنه من المهم بصورة عاجلة تقييم الوضع والتأمل في ما يمكن فعله في هذا الوقت المتأخر من أجل حل الأزمة في البلاد بصورة شاملة، ليس فقط من أجل تنفيذ اتفاق السلام الشامل بمصداقية ونية طيبة ولكن من أجل حل أزمة دارفور كذلك، بالإضافة إلى حل النزاعات المتوقعة في المناطق الأخرى من الشمال تأسيسا على اتفاق السلام الشامل. وقد يؤدي هذا إلى جو إيجابي مدهش في البلاد ويعزز آفاق الإنقاذ من احتمال تفكك البلاد.

 

(ج) التحديات التي تجب مجابهتها:

 

(1)       تواجه البلاد في هذا المنعطف تحديات ضاغطة تأخذ جانبين مهمين:

          أولاً؛ هل هنالك شيء يمكن فعله في هذا الوقت المتأخر لجعل الوحدة خيار جاذب للمقترعين الجنوبيين في الاستفتاء بشأن تقرير المصير؟

          ثانياً؛ ما الذي يمكن فعله في حالة حدوث أسوأ السيناريوهات المحتملة وهو التصويت لاستقلال جنوب السودان، وما هي الاستجابة العلاجية الإيجابية لمثل هذه الحالة؟

 

(2)       جعل الوحدة خيار جاذب يتطلب العمل على أرضية مادية وأخرى أخلاقية.

          أما العمل على الأرضية المادية فيتطلب جعل ثمار السلام دانية ومتاحة فوراً: البدء في عمليات بناء ضخمة للطرق وغيرها من مشاريع البنى التحتية؛ توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين، ولا سيما في الجوانب الصحية والتعليمية؛ والتبشير برسالة النوايا الحسنة، وتغيير النفوس حقاً لا قولاً، والاستعداد التام لمعالجة المظالم التي قسمت البلاد منذ الاستقلال.

          وأما العمل على الأرضية الأخلاقية فيستدعي توجيه رسالة واضحة مفادها أن السودان قد بدأ رحلة بحث جادة وصادقة لإيجاد أرضية مشتركة مبنية على ما يوحد لا على مايفرق. فقد قاد التعريف الذاتي غير الموضوعي للهوية إلى تعزيز التشوهات التي لحقت الحقائق الموضوعية التي تعكس المشترك وتوفر الأرضية الصلبة للشعور الموحد للهوية الوطنية السودانية. وفي هذا الخصوص فإن إبداء هذا الأمر من قبل الزعماء الوطنيين وإفشائه من شأنه أن يؤدي فوراً لخلق مناخ موات لتنامي قضية وطنية في هذا الإطار وخلق أرضية جديدة للوحدة الوطنية المنشودة.

 

(3)       ومهما يكن الأمر، ونحن نبحث الأمر في هذه الورقة المشتركة، فإن الوحدة ينبغي أن لا تكون غاية في حد ذاتها أو خيار أوحد في السعي نحو تحقيق الكرامة الإنسانية. وعليه، فإن التصويت لاستقلال جنوب السودان يواجه الأمة بتحديات لابد من التصدي لها بإيجابية من أجل مصالح الشمال والجنوب على حد سواء. وهذا يعني جعل عملية الانفصال تتم بأقصى درجات السلاسة والتوافق الممكنة مع وضع الأساس اللازم للتعايش السلمي والتعاون واستمرار التفاعل. و يجب اتخاذ التدابير العملية لضمان استمرار تقاسم الموارد الحيوية كالنفط والماء، وتشجيع تجارة الحدود، وحماية حرية الحركة، والتمتع بحق الإقامة والعمل بين البلدين مع جعل الباب الباب موارباً أمام العودة للوحدة.

 

 

4- ملاحظات ختامية:

أ) يواجه السودان معضلة غير عادية. فالسودانيون ومعهم كل العالم يريدون أن يستمر السودان موحداً، ولكن يبدو إن الرؤى المتباينة متباعدة كثيراً بحيث لايمكن تجسيرها.

 

ب) السؤال الذي لابد للسودانيين من إيجاد إجابة عليه الآن هو: ماهو الاعتبار الأهم لديهم الآن، هل هو البناء على المفاهيم الذاتية للهوية التي شوهت الحقائق الموضوعية للبلاد وفرقت الأمة؟ أم البحث عن أرضية مشتركة وإعادة هيكلة الإطار الموحد للهوية الوطنية؟

 

ج) فإذا كان الاتفاق هو على الخيار الثاني، لابد إذاً من العمل فوراً ليس لفتح صفحة جديدة فحسب ولكن أيضاً لجعل ذلك واضح للجميع ويمكن تصديقه.

 

د) عناصر هذا التوجه الجديد هي:

(1)       انتهاج النظام اللامركزي عبر سائر أنحاء البلاد بحيث تتمتع أقاليم البلاد كافة، في الشمال وفي الجنوب، بالحكم الذاتي على غرار ما منح للجنوب دون التمتع بالحق في الانفصال.

(2)       التمثيل العادل والمنصف في حكومة الوحدة الوطنية، مع الأخذ في الاعتبار للتمثيل النسبي بناءاً على الوزن الديمغرافي دون إغفال حقوق الأقليات.

(3)       إعلاء مبادئ المساواة التامة في المواطنة دون تمييز على اساس العرق، أو الإثنية، أو الثقافة، أو الدين، أو الجندر.

(4)       خلق آليات ومؤسسات لضمان التنفيذ الفوري لهذه السياسات، بغرض إظهار نتائج واضحة لها قبل حلول موعد الاستفتاء في الجنوب.

(5)       إشراك المجتمع الدولي لدعم هذه المجهودات التي تتم في اللحظات الأخيرة لإنقاذ المبادئ الأساسية التي تجعل الوحدة خياراً جاذباً لأهل جنوب السودان الذين يحق لهم التصويت في الاستفتاء القادم وتعزيز هذه المبادئ.

(6)       العمل مع جميع المهتمين ليس فقط لمناصرة قضية الوحدة، ولكن للاستعداد أيضاً للإجراءات المضادة للنتائج السالبة التي تترتب على الانفصال، وترقية التعايش السلمي والتعاون بين الدولتين المستقلتين في الشمال والجنوب.

 

هـ) وأود، إن جاز لي، أن أختم بمقتطفات من كتابي: "حرب الرؤى:صراع الهويات في السودان" تحت عنوان "الخيارات الحرجة"، كتبت في هذا الشأن:

 

"أمام السودانيون عدد محدود من الخيارات ليتخيروا من بين المواقف المميزة للأطراف. أحد هذه الخيارات هو إعادة تعريف الهوية الوطنية بحيث تصبح جامعة بحق وحقيقة وتتيح عدالة تامة في فرص الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وخيار آخر هو خلق إطار يمكن أن يعمل على تسوية الأشواق المثالية للوحدة وحقائق التنوع؛ وثمة خيار ثالث هو الاعتراف بأن العوائق أمام الوحدة الوطنية ربما لا تقهر، وأن الانفصال ربما سمح للجانبين بالمضي قدماً في المهام الأكثر إيجابية، ألا وهي إعادة البناء والتنمية على الأسس التي يراها كل منهما محققة لمفاهيمه وأشواقه" (ص 305-306).

 

وقد نبهت للدور الذي يتعين على القيادة القيام به لتعزيز قضية الوحدة:

 

"أفضل ضمانة للوحدة هو أن تترفع القيادة، ولاسيما على المستوى القومي، عن الجهوية وأن تمنح الأمة بأسرها رؤية ملهمة عبر المكونات القطاعية لأغلبية الشعب السوداني، بغض النظر عن أعراقهم وإثنياتهم ومناطقهم ودياناتهم للتمسك بالهوية الوطنية الواحدة والوقوف صفاً واحداً في مسعىً مشترك نحو مصير مشترك..... فلا يمكن للسودان كافريقيا مصغرة، وكجسر بين القارة الأفريقية والشرق الأوسط أن يحقق السلام الدائم ويلعب الدور المنوط به إلا بالإعتراف المتبادل بين كافة مكوناته واحترام هذه المكونات لبعضها البعض مع الانسجام التام والتفاعل الحقيقي بين هذه المكونات الأفريقية والعربية. وللأسف الشديد، فقد ظل هذا الأمر سراباً منذ الاستقلال".

 

و) فإذا استمر الشمال والجنوب على حد سواء في مواجهة التحديات الداخلية في حال انفصال الجنوب، كما طرحت آنفاً؛ وإذا لم تنتف مقومات إعادة الوحدة إذا توافرت لها الظروف المناسبة، مثلما طرحت أيضاً؛ وفوق ذلك إذا كانت أشواق الوحدة غالبة، كما يبدو الحال، إذأً لابد من السعي الحثيث لجعل السلام الشامل والوحدة مطلباً ملحاً. وبالتالي لا يجب النظر للاستفتاء والانفصال المحتمل على أنهما نهاية المطاف. فالبحث عن الوئام والعلاقات المنتجة بين كافة مكونات أجزاء السودان المتعددة هو عملية قائمة أصلاً وستستمر كتحديات تواجه السودانيين في كل الجوانب في ظل سعي الأمة في البحث عن هوية جامعة وشعور مشترك بالهدف المشترك المتجذر في قدرهم المشترك.

 

ز) نأمل أن لا يكون هذا السمنار مجرد تظاهرة ثقافية، بل نأمل أن يخرج بمقترحات عملية لإجراءات يمكن للقادة السياسيين على كلا الجانبين أن ينظروا فيها بجدية وأن يتخذوا بشأنها إجراءات فورية لمصلحة شعب هذا البلد، موحدا كان أم منفصلا.