Gaafer A. Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
ترجمة غير رسمية لتقرير منظمة أكورد المعنية بقضايا حل النزاعات في افريقيا ومقرها جنوب أفريقيا
التقرير عبارة عن إيجاز للسياسات والممارسات المرتبطة بالتحديات التي تواجه دولتي السودان عقب الانفصال. فبحلول يوم 17 أكتوبر تكون قد مرت 100 يوم علي تجزئة السودان. وهذه فرصة للوقوف والتأمل في أحوال الدولتين وهما يخطوان نحو مستقبل مجهول. ويتيح لنا هذا التاريخ فرصة لتقييم مسار الدولتين وهما تتجهان اتجاهين مختلفين ولكنهما مرتبطين. فبينما نقوم بتقييم المائة يوم الماضية علينا ان نتذكر بان الثلاث سنوات القادمة من الارجح ان تكون هي المحددة ليس لوتيرة الحراك الداخلي بل لطبيعة العلاقات بين الدولتين نفسيهما لزمن قادم. هذا التقرير يسلط الضوء الي حقيقة ان كثيرا من التوترات السائدة حاليا داخل كل من البلدين وبينهما يمكن النظر اليها علي انها تمظهر او انعكاس للحراك السياسية الداخلي والصراع علي السلطة. وكنتيجة لذلك يجب تصميم السياسات الهادفة الي التدخل في حل النزاع لتكون ذات طبيعة مزدوجة وتركز تحديدا علي العاصمتين ومواقع النزاعات.
مقدمة
النزاعات الحالية بين الدولتين السودانيتين تبين لنا ان التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل (CPA)  لم يقدم الحل النهائي للنزاع في المنطقة.  فبينما قامت الاتفاقية ، والتي قضت نصوصها علي  الشراكة السياسية والتي بلغت ذروتها بقيام الاستفتاء علي استقلال الجنوب ، بمجابهة المسببات الوقتية للنزاع إلا انها كانت بعيدة كل البعد من كونها شاملة في مراميها. وكنتيجة لذلك لم يكن للاتفاقية القدرة علي حسم النزاع بين الدولتين. فالدولتان كلاهما مجابهتان بعدد متزايد من النزاعات الداخلية وعدد آخر متزايد من التوترات عبر حدودهما. ارتفاع وتيرة الغارات المتبادلة في عمليات سلب الماشية والنزاعات القبلية في الجنوب وازمة دارفور في دولة الشمال تشير بوضوع الي نوعية المشاكل التي تجابه الدولتين. تشير دراسات عديدة الي ان الدول التي تخرج لتوها من نزاعات عنيفة وازمات سياسية اثناء الانتقال من المرجح ان ترتد الي نفس نوعية المشاكل خلال السنوات الخمس الاولي من تكوينها. إضافة الي ذلك فان مثل هذه الدول المعرضة للإشكالات تكون عادة موبؤة بقلة الدخل وإنخفاض النمو او عدمه بالمرة وتعتمد بشكل اساسي علي المنتوجات الاولية. فعلي دولتي السودان مجابهة عدة قضايا مفتاحية حتي يتثني لهما صيانة علاقة سلمية داخل دولتيهما وبين الدولتين ومن الضروري ايضا تكامل بعض هذه القضايا في عملية اعادة البناء مابعد بعد الاستقلال حتي تسهل عملية الانتقال. فدولتي السودان تقفان الآن في مفترق طرق والوجهة التي تختارها أي منهما سوف لن تترك اثرها علي الدولتين فحسب بل علي الرقعة الافريقية الاوسع. فلذلك يجب ان نكون فهما جيدا لطبيعة المشكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الدولتين.

أعمال غير مكتملة

منذ إعلان النتيجة الحاسمة لصالح استقلال الجنوب في يناير 2011 ظلت مجموعة من القضايا عالقة دون حل رغم مباشرة الدولة لاستقلالها الكامل في التاسع من يوليو 2011. عدم قدرة كل من الدولتين علي الوصول لحلول بشأن عدد من القضايا العالقة يرجع جزئيا الي تردد المجتمع الدولي في إلزام حكومة الخرطوم ببنود إتفاقية السلام الشامل. الخشية من جانب المجتمع الدولي علي إلزام الخرطوم ناجمة عن احساسهم بان الانتقاد الحاد او الضغوط المتزايدة ربما تؤدي الي اضعاف قاعدة الاسناد للنظام داخل المؤسسة العسكرية بالسودان. والافتقار الي المنعة السياسية هذا  ادي الي ظهور سلسلة من الاحتكاكات المتزايدة والتي بلغت ذروتها خلال السنوات الست الماضية.
أما وقد ذكرنا ذلك ، فان الحراك الداخلي في جنوب السودان هو الآخر أبعد ما يكون عن المثالية. فالحركة الشعبية  لتحرير السودان لا تزال في اولي مراحل تحويل نفسها الي حكومة تمثيلية وهي موبؤة باتهامات الفساد وقلة المحاسبة بين صفوفها. تستمر المحادثات في الوقت الحالي بين كل من حكومة السودان وجمهورية جنوب السودان مع لجنة الحكماء التابعة للاتحاد الافريقي برئاسة الرئيس السابق لجنوب افريقيا ثابو امبيكي ، وتركز المفاوضات هذه علي اربعة مجموعات من القضايا:
•    المواطنة – قضايا تتعلق بالجنسية بالاخص لحوالي ما بين المليون ونصف والمليونين من الجنوبين المستوطنيين في السودان
•    الأمن – وتغطي هذه المجموعة الترتيبات الامنية عبر الحدود
•    الاتفاقات الدولية – وتشمل هذه الاتفاقات الدولية التي وقع عليها السودان فيما قبل الانفصال كاتفاقية مياه النيل.
•    الترتيبات الاقتصادية والنقدية – وتحديدا كيفية مشاركة الدولتين في تحمل اعباء ديون السودان.
مضافا الي ذلك يتوجب علي الدولتين الخطو نحو التماسك الاجتماعي والنمو الاقتصادي مع الابقاء علي مداومة التفهم للقضايا الماثلة. التحليل الواضح للاشكالات موضع الاهتمام  مرتبط بفهم هذه المشكلات في السودان وجنوب السودان.

جنوب السودان: تحديات السلم والتنمية

الإصلاح السياسي
كما كان متوقعا فان الحركة الشعبية لتحرير السودان تهيمن علي الفضاء السياسي لجنوب السودان في الوقت الراهن. ففي سيعهم نحو الاستفتاء وتحقيق الاستقلال عملت احزاب المعارضة السياسية علي وضع اختلافاتهم مع الحركة الشعبية جانبا للتأكد من تحقق الوحدة والاستقلال بشكل ناجح.  وبتحقيق الاستقلا فقد بدأت اصوات المعارضين السياسين وتنظيمات المجتمع المدني في الارتفاع. فالتحدي الذي تواجهه  قيادة الحركة الشعبية هو الاستجابة بانفتاح لهذه النداءات لاحداث الاصلاح وفسح مجال سياسي اوسع ، والاقرار بان فتح المجال السياسي بصورة حقيقية يصب في مصلحتهم علي المدي البعيد. فبصورة جوهرية علي الحركة الشعبية ان تحدد الموقع الذي تود ان تخندق فيه المعارضة السياسية نفسها – الغابة ام البرلمان. ففشل الحركة الشعبية في فتح المجال السياسي بصورة حقيقية يعني انها تعيد انتاج نفس التوجهات غير الديمقراطية التي ضحي الكثيرون بانفسهم في سبيل محاربتها.
ففي الوقت الراهن عملية تحول الحركة الشعبية من حركة تمرد الي حزب سياسية ذي جدوي وقدرة علي التفاعل مع قوى المعارضة أبعد ما تكون عن الإكتمال. فجنوب السودان يحتاج حاليا الي حزب سياسي لديه القدرة علي تحوير نفسه من حركة عسكرية الي قوة سياسية جديدة تملك القدرة علي التفكير متعدد الابعاد (اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا) لمجابهة حاجيات الامن الانساني. سوف لن يتحقق مثل هذا التحول إلا من خلال فتح المجال الاوسع  للمشاركة السياسية العامة في وضع الاجندة واتخاذ القرارات.
بناء الدولة
يتيح استقلال جنوب السودان في التاسع من يوليو 2011 الفرصة لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وأمن شامل في القرن الافريقي والشرق الافريقي ككل. علي خلفية عقود من العنف ، يمكننا القول ان العنف في جنوب السودان اسهم في تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية والبنية السياسية التحتية. فلذلك تحتاج الدولة لإعادة البناء وتحقيق الانعاش المبكر. وعلي كل ، فان التركير علي اعادة بناء البنية التحتية وتقوية المؤسسات دون محاولة التصدي الي المشكلات الاجتماعية والسياسية الماثلة قد يهدد عملية الانتقال السلمي بجنوب السودان ومن ثمة هزيمة عملية الانعاش نفسها. استقلال جنوب السودان أتي في الوقت المناسب، ولكن عند تحليله علي خلفية عقود من الحرب الأهلية، يتضح لنا ان هناك عددا لا يحصى من المهددات  التي يتوجب الحسبان لها وتكاملها  ضمن التحولات المطلوبة لتحقيق إنتعاش وتخطيط فعالين.
من الواضح ان خلق دولة جديدة (جنوب السودان) وخلق هياكل دولة في جنوب السودان هما عمليتان مختلفتان بشدة ، علي الرغم من انه ينظر اليهما وكأنهما الشي نفسه من قبل السودانيين الجنوبيين ورصفائهم الدوليين.  جنوب السودان ومناصروه الدوليون داخلون الآن في عملية بناء دولة اعتمادا علي موجودات مؤسسية وموارد محسوسة وبشرية غاية في المحدودية. والعنصر المفتاحي لهذه المهمة هو خلق مؤسسات يتوفر فيها التمثيل والتوظيف بشكل شفاف. ففي تعينه للوزارة الجديدة في 26 أغسطس حاول الرئيس سلفا كيير خلق اكبر قدر من التمثيل عن طريق زيادة عدد التكنوقرط. عملية رفع الكفاءة والتأهيل وفي نفس الوقت ومحاولة عدم إقصاء المجموعات العرقية المختلفة والكتل الاقليمية ، هي عملية مفتاحية بالنسبة لجنوب السودان.
مهمة تحديد نوع الدولة في جنوب السودان مرتبط  وبشكل اساسي بإنشاء مؤسسات الدولة علي المستوي المحلي. فالاندفاع نحو اللامركزية لمعالجة عقود من التهميش في جنوب السودان ادي الي خلق مشاكل أكثر من حلها. ففي الواقع اصبحت كثير من الهياكل الحكومية هي بؤر للنزاع. وتعزي هذه المفارقة لحد كبير الي ان المؤسسات الجديدة علي المستوي المحلي تتسم بالضعف والافتقار الي المحاسبة.  فبينما هنالك دعوة متزايدة الي وحدات ادارية صغيرة ، فان هذه الدعوات هي غالبا ما تكون لمطالبة المناطق الادارية لتعكس تمثيل اكبر لمجموعات قبلية فرعية. وحتي عند خلق وحدات جديدة فان القرار يظل دائما بيد جوبا ، وهذا بالطبع يضع عملية اللامركزة برمتها في موضع تساؤل. لم تؤدي عملية اللامركزة حتي الآن الا الي تخندق الصفوة العرقية علي المستوي المحلي في وقت تظل فيه السلطة الحقيقية في أيادي الصفوة السياسية في جوبا.
بطء التنمية
إذا اخذنا في الاعتبار انه في أثناء فترة اتفاقية السلام الشامل تم تخصيص اكثر من 10 مليار دولار لحكومة الحركة الشعبية بالجنوب فسيتبين لنا ان ليس ثمة انجاز امكن تحقيقه في مجال التنمية والبنية التحتية. فقد عبر المجتمع المدني والمواطنون عن عدم رضائهم بالسرعة التي تسير بها عمليات التنمية. فبينما يمكن ارجاع كثير من هذه القصورات الي الفساد الا ان جموح التوقعات في الفترة التي سبقت الاستقلال يصبح هو الاخر قضية ذات اهمية. مع وجود المصالح المتنافسة فسيصبح من الصعب علي حكومة جنوب السودان ارضاء الجميع ، واذا احس مواطنو منطقة بعينها بالتجاهل او التهميش فسيؤدي ذلك حتما الي النزاع.
الانذار المبكر ومنع النزاعات
كما تشير بوضوح  الصدامات الاخيرة في منطقة جنقولي ،  جنوب السودان لايزال مغمورا بالاسلحة الخفيفة ويتم استخدامها بشكل متزايد في النزاعات القبلية والسياسية. فخلق اجهزة الدولة (من مؤسسات وأليات امنية وتقديم خدمات وعمليات فعالة يتمكن من خلالها القادة الشرعيون من انفاذ ارادة الجماهير) هو تحدي حقيقي يواجهه جنوب السودان. يجب إنشاء هذا الهيكل تحت سياق العنف المتفشي في المناطق الريفية. ففي الواقع، وفقا لتقرير الأمم المتحدة الصادر في يوليو ، قتل ما بين يناير وحتى نهاية يونيو 2011 ، ما يقرب من 2400 شخص في330 اشتباك في انحاء متفرقة من جنوب السودان. نتج معظم هذه الخسائر عن سرقة الماشية وحوادث بيبور في ولاية جونقلي. ومن المجالات الرئيسة التي يتحتم علي حكومة الجنوب التركيزعليها هي  السيطرة على مثل هذه الأسلحة، وبناء ثقافة التسوية من دون صراع. جنوب السودان كدولة مستقلة، يتحتم عليه التخطيط من الآن لمسار السلام والتنمية. أكبر الأخطار التي تهدد التنمية المستدامة هي تفشي الفساد والعنف المتزايد. لذلك ، فمن المحتم أن تدمج عمليتي منع نشوب الصراعات وبناء السلام في المبادرات الكلية  لبناء دولة وانتهاج اسلوب تنموي يتسم بالحساسية تجاه النزاعات. والجزء الأساسي من هذه الاستراتيجية هو نظام الانذار المبكر لمنع النزاعات. يفهم  الإنذار المبكر بشكل افضل علي انه عبارة عن عملية تنبيه لصانعي باحتمال  التصعيد  وحتى  تجدد النزاع المسلح. تفعيل  مثل هذا النظام يسمح لصانعي القرار المجال الكافي  بإختيار وتنفيذ الاستجابات المناسبة في الوقت المناسب. وبدون تفعيل مثل هذا النظام ستتوالي ، النزاعات  في جنوب السودان في  التصاعد.
فمن المدهش انه ليس هناك نقاش في الوقت الراهن حول التقليل  والوقاية من العنف بقدر الذي يتصل بعمليات بناء الدولة وتعزيز المؤسسات. التركيز على الحكومات المركزية ، وإنشاء آليات مؤسسية لحكم جنوب السودان ينال الاسبقية مقارنه بجهود السعى نحو التعايش الوطني وبناء العلاقات في مجتمع ما يزال مستقطبا جزئيا.
التحدي الذي ينتظر جنوب السودان هو الانخراط في بناء السلام ومنع نشوب النزاعات وبناء الدولة التي تتوفر فيها الحساسية تجاه النزاعات بهدف سبك الدولة بدلا من التركيز علي مركزية الهياكل والحكومة. ينطرح في الوقت نفسه، السؤال حول كيفية خلق مساحات أوسع لمشاركة المجتمع المدني في العمليات السياسية لتعريض الحركة الشعبية للمساءلة ، والبدء في المشاركة في عملية بناء الدولة والتنمية الاقتصادية ، دون الاعتماد المفرط على المجتمع الدولي.
السودان : الدولة القديمة، والتحديات المألوفة
الأزمة الدستورية

باستقلال جنوب السودان، يجد السودان نفسه في خضم أزمة دستورية. المعارضة السياسية السودانية تري أنه بنهاية اتفاق السلام الشامل، يصبح من الضروري إعادة النظر في  الحكومة الحالية والدستور نفسه. حزب المؤتمر الوطني المهيمن علي الحكومة، من ناحية أخرى ،يري ان  حكمه يستمد شرعيته من انتخابات عام 2010 وليس اتفاق السلام الشامل، وبالتالي ، ولا يري ضرورة  لاجراء انتخابات جديدة بدلا من ذلك ، بنود الدستور يتم تعديلها ببساطة او شطبها أو اعادتها إلى وضعها في ما قبل اتفاق السلام الشامل. المراجعة الدستورية هذه أصبحت  موضع الخلاف الرئيسي في الخرطوم. الصراع على السلطة داخل النخبة الحاكمة، وبين الحكومة والمعارضة، أدي إلى وضع  تتعدد فيه التصريحات وتتضارب حول القضية الواحدة، ولقد عمل ذلك على إرباك الساعيين المحتملين للسلام.
احتمالات تطور الخلافات بين المعارضة والحكومة الي نزاع ينبغي عدم التقليل من شأنه. فهناك عدد من أحزاب المعارضة لها تاريخ في منازلة النظام الحالي عسكريا ومؤخرا، قام البعض بالاتصال   بالمتمردين بشكل علني في اطراف الدولة السودانية. رغم أن المعارضة ضعيفة ومجزأة وعادة يسهل استدراجها الي المشاركة في الحكومة  الا تزال تحظي  بالتأييد شعبي واسع.

دارفور

بالتوقيع علي اتفاق السلام في الدوحة من قبل حركة التحريروالعدالة  والحكومة السودانية، علق  الكثيرون أمالهم علي  وصول الازمة  في دارفور أخيرا إلى نهايتها. ولكن  الطبيعة المتشرذمة  لحركات التمرد في دارفور، وعدم توفر الثقة بين الطرفين، وفشل الوسطاء في الحصول على موافقة  الحركات المتمردة الكبيرة او التأييد من المجتمع المدني  يعني أن استئناف الصراع هو احتمال بائن. تعيين التيجاني سيسي قائد حركة التحرير والعدالة رئيسا لسلطة دارفور الإقليمية يصبح  أمرا  رمزيا الى حد كبير، لأن  هذا المنصب يأتي دون صلاحيات تمكنه من إحداث تغيير في الاقليم المضطرب. بالإضافة إلى ذلك ، التقارب بين الفصائل المختلفة التابعة لجيش تحرير السودان من الممكن ان يؤدي الى مزيد من العنف اذا تمكنت هذه القوات من  ايجاد قوة إقليمية على استعداد لتزويدهم بالقاعدة الخلفية و المعدات العسكرية التي هي بأمس الحاجة اليها.

صعود الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال  والحرب في الجنوب الجديد

ومن بين التحديات الرئيسة التي يتحتم علي السودان التعامل معها ، هي العلاقة بين الفئات العربية النهرية في المركز والاطراف الأفريقية علي الهامش. حزب المؤتمر الوطني، وجزء كبير من النخبة السياسية السودانية، تري  النصف الشمالي من السودان عربيا وإسلاميا. ذهب الرئيس عمر البشير قبل الاستفتاء على استقلال الجنوب،  الي القول بانه في حال  انفصال "لن يكون هناك وقت للحديث عن التنوع الثقافي والعرقي. وعلى الرغم من هذه التصريحات، وحتى من دون الجنوب، يبقي السودان بلدا غير متجانس عكس ما قد يأمله البعض. فقبل الانفصال ، يشكل العرب و مابين 40 الي 45 ٪ من مجموع السكان ، بينما شكل الجنوبيون حوالي 30-35 ٪ والافارقة الشماليين من المسلمين  مثل سكان دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق يشكلون  حوالي 25 ٪ من مجموع السكان.
السودان الحالي (دون الجنوب)، ويبلغ عدد سكانه حوالي 30 مليون نسمة ، أكثر تنوعا بكثير مما يبدو للوهلة الأولى ، 55-60 ٪ من السكان هم من العرب، وحول 35 ٪ من أصل شمال أفريقي 5-10 ٪ من جنوب السودان. وبذلك يتبين ان  انفصال الجنوب من  الشمال لم يخلق شمالا عربيا علي النحو الذي تصوره والعديد.
التكوين العرقي لديه تأثير كبير على  حسابات النظام السوداني. فبينما توجد نسبة معتبرة من السكان في الشمال مؤيدة للنظام (أو على الأقل ليسوا معادين له) ، الا ان الغالبية لديهم الشعور بالتهميش ، والتتمييز الضدي ويتحملون وطأة الوحشية العسكرية التي هي صنو للدولة السودانية. اندلع العنف في جنوب كردفان ، الولاية الحدودية المتنازع عليها بعد عقد انتخابات لاختيار الوالي. ليس هناك ما يشير الي انخفاض العدائيات التي اتخذت بصورة رئيسية شكل هجمات ضد المدنيين من قبل القوات الحكومية ، وقد تم تجاهل العديد من نداءات السلام. وبعد موافقة مبدئية على السماح باعتماد الحركة الشعبية – قطاع الشمال كحزب سياسي، ووضع ترتيبات لوقف إطلاق النار، سرعان ما تراجعت الحكومة السودانية وألغى عمر حسن أحمد البشير الاتفاق واستبعد قبول الوساطة الأجنبية .  منذ ذلك الحين اندلعت اعمال العنف في النيل الأزرق ، حيث أقيل الرئيس المنتخب ديمقراطيا من قبل حكومة الخرطوم عند بدء العمليات العسكرية.
حزب المؤتمر الوطني يدرك ان تحالفا بين المتمردين في الحركة الشعبية – قطاع الشمال في مناطق  النيل الأزرق وجنوب كردفان، مع حركات التمرد الموجودة في دارفور ، لديه القدرة على وضع مساحات كبيرة من البلد خارج  سيطرته، إن لم نقل اسقاط النظام نفسه. فبينما يقال الكثير عن الجانب العسكري للحركة الشعبية الا ان  أكبر تهديد تشكله على النظام في الخرطوم هو في الواقع سياسي. فمن الميزات  المثيرة للاهتمام في مسألة انفصال الجنوب هي أن الكثير من صانعي السياسة في الحركة الشعبية والمثقفين هم الآن "شماليين". العديد من أعضاء الحركة الوحدوين الكبار ومثقفيها ، مثل ياسر عرمان، مالك عقار ، وعبد العزيز الحلو، وكذلك قادة النوبة مثل الراحل يوسف كوة مكي ، هم في الواقع من السودان وليس جنوب السودان، فهم كمسلمين شماليين  يشكلون تحديا اعظم لحكم حزب المؤتمر الوطني من الحركة الشعبية سابقا اذ لا يتثني للمؤتمر سفه اسهاماتهم  باعتبارها عمل صادر عن  (الكفار) أو عملاء للغرب.  ربما يفسر هذا جزئيا رفض البشير وخوفه من  السماح للحركة الشعبية – قطاع الشمال
أن تكون مسجلة كحزب سياسي وطني. كولايتين حدوديتين ، تظل النيل الأزرق وجنوب كردفان هي مفتاح للعلاقات السلمية بين السودان وجنوب السودان ، ودون والتسوية عن طريق الوساطة سيظل  السلام الداخلي والأمن عبر الحدود أمرا بعيد المنال.

القضايا الاقتصادية
الاقتصاد في سوداني ليس في حالة ازدهار علي النحو الذي يود النظام تصويره. التضخم الجامح، وازدهار السوق السوداء، وقفزات الاسعار وفقدان عائدات النفط والفساد المستشري أدي الي  استنزاف مصادر الدخل، وحكومة الخرطوم تبحث بقوة عن بدائل. ففي الواقع،  المأزق الحالي بين السودان وجنوب السودان حول استخدام رسوم العبور لاستخدام خط أنابيب يمكن أن ينظر إليه على أنه محاولة يائسة من قبل حكومة السودان لتوفير  الإيرادات للتعويض عن العجز التي تكبدته نتيجة فقدان  حقول النفط في جنوب السودان.
استخدام التجارة كسلاح في الحرب الاقتصادية حرم أيضا حكومة الخرطوم من العائدات التي كانت  لتتحقق من نقل البضائع عبر الحدود ، فالميزان التجاري بين السودان وجنوب السودان هو في صالح السودان ، اذ ان جنوب السودان ليس لديه البتة صادرات الي الشمال. الاغلاقات المتكررة للحدود أثرت سلبا علي رجال الأعمال السودانيين بالقدر الذي تأثر به المتعاملين في جنوب السودان.
شهدت المائة يوم الاخير في السودان ، استمرارا في ارتفاع الأسعار وانخفاضا في قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار. محاولات حكومة الخرطوم لخفض قيمة الجنيه السوداني  والتي بدأت بشكل جدي عشية الاستقلال ، لم تؤدي إلا إلى زيادة نشاط السوق السوداء وكذلك ترسيخ التضخم المقعد. ففي 24 يوليو، أصدرت الخرطوم العملة الجديدة على الرغم من اتفاق الحكومتين مع اللجنة الافريقية علي خطة لتأجيل هذه الإجراءات لمدة ستة أشهر مبتدرة بذلك حرب العملة. وحرب العملة هذه ادت إلى تعميق الأزمة الاقتصادية في السودان حيث  بدأ التجار البحث  عن العملة الصعبة بدلا من الدخول في أعمال مقابل  الاوراق النقدية الجديدة ذات القمية غير مبررة الارتفاع . هذه الخطوة كانت تهدف إلى خنق النمو الاقتصادي في جنوب السودان من خلال ترك 800 مليون دولار أمريكي بقيمة جنيه سوداني كعملة لا فائدة لها في يد الجنوبيين ولكن كان لها تأثيرها علي الشمال. انعدام التنسيق بين الدولتين في طرح كل منهما للعملات أدي  فقط الي تعميق المستنقع الاقتصادي الذي ترقد فيه حكومة الخرطوم. تحت تأثير معدلات التضخم الحالية  البالغة 15 ٪ وفقدان والجنيه السوداني لقيمته بنسبة 25 ٪ منذ الاستفتاء تبدو التكهنات الاقتصادية للسودان قاتمة. 
وكأن  هذه القضايا الاقتصادية لم تكن كافية، هناك قضية الديون  والسودان تبلغ ديونه الخارجية 37.8 مليار دولار امريكي (معظمها المتأخرات) ، وجزء صغير فقط هو عبارة عن فوائد منخفضة او ديون ملائمة للسداد. وفقا لمسؤولين في الخرطوم المبلغ الأصلي الذي اقترضته حكومة الخرطوم هو حوالي 15.5 مليار دولار   وذهب معظمه  إما لشراء الأسلحة أو مشاريع التنمية في الشمال. الفائدة علي  المتأخرات بلغت 3.8 مليار دولار أمريكي وغرامات التأخر في السداد في تبلغ 16.5 مليار دولار.  الدائنون الرئيسيون هم  صندوق النقد الدولي (IMF)، البنك الدولي ، الكويت والسعودية ودول الخليج الأخرى.

يعلق السودان الأمل في تحقيق الانتعاش الاقتصادي علي صناعة التعدين، والذهب خاصة. ومع ذلك ، فإن احتمال تمكن الذهب من تعويض فقدان عائدات النفط هو أمر غير عملي. الادعات المحيطة بقيمة وكميات الذهب وغيره من المعادن الثمينة هي في أحسن الأحوال مشبوهة والارجح ان تكون مضخمة. ففي حين أعلنت وزارة التعدين ان قيمة انتاج الذهب وكان 675 مليون دولار أمريكي في عام 2010 ، وهي ادعات لا يمكن التحقق منها. ذكر الدكتور عبد الباقي الكيلاني ، وزير التعدين السوداني ، أن " مساهمة الذهب في الخزينة العامة تبلغ 4 مليار دولار أمريكي هذا العام (2011) ، بالإضافة إلى مليار دولار آخر من المعادن الأخرى ، زيادة بهذا الحجم تبدو غير محتملة ، وهناك مصادر موثوقة تدعي أنها تستطيع فقط التحقق من أربعة أطنان من الذهب في عام 2009. ولكن ، وفقا للبيانات الرسمية من الخرطوم ، بلغ إنتاج البلاد من الذهب 36 طنا خلال نفس الفترة.  احصائيات انتاج الذهب تبين أنه رغم إدعات  الحكومة ، فقد انتج السودان 2.7 طن في عام 2008 و 10.1 طن في 2010 .
السبب هذا التباين يكمن في الترتيبات خلال اتفاق السلام الشامل. ففي حين ينص الاتفاق علي ان  الدخل من النفط سيكون يكون مشاركة بين الشمال والجنوب ، لم تكن هناك  ترتيبات من هذا القبيل بالنسبة للموارد الأخرى ، بما في ذلك الذهب. وجد تقرير قلوبال وتنس (Global Witness) لسنة 2009 أنه تمشيا مع شكاوى من قبل الحكومة الإقليمية في جوبا ، فقد قامت  الخرطوم يتقليل المعلن من إنتاج النفط بنسبة 9 ٪ في بعض الحالات و26 ٪ في حالات اخري.  وحين تم الكشف عن هذا الغش والتزوير قامت  الحكومة بتحويل هذه الاموال لصالح خزينتها  مدعية أن الإيرادات جاءت من الذهب ، وليس انتاج النفط. وكانت النتيجة هي إعلان هذه الزيادة الدرامية في انتاج الذهب ، ابتداء من عام 2009 . فقد خدم هذا الاحتيال جديد غرضه خلال فترة اتفاق السلام الشامل ، وسمح  للخرطوم بوضع يدها علي المال الذي كان يجب ان يذهب الى الجنوب ، الا انه في فترة ما بعد الاستقلال ، وأدى ذلك إلى مشاكل مالية وخيمة. يشكل النفط  40 ٪ من صادرات السودان ؛ الا ان الكثير من ال 60 ٪ الأخرى هي في الواقع أموال مشبوهة مصدرها عائدات النفط التي كان ينبغي أن توجه إلى الجنوب. وهذا يعني أن فقدان عائد حقول النفط في الجنوب كان له تأثير مزدوج : فقدان عائدات النفط الحقيقية وفقدان مصادر الدخل والوهمية ، مثل الذهب.

الخاتمة

بكل مقاصده ونواياه ، فقد انتج التاسع من  يوليو 2011  دولتين جديدين. النظام السوداني الحالي يعلل ذلك بحماية الشمال العربي من قوى الغرب وكلائهم في الجنوب الوثني. فحالة الحرب شبه المستديمة  مع الجنوب ساهمت كثيرا في  تعزيز النظام. وفي طوال الفترات فيما عدا  الفترة القصيرة بين 1972-83 ، كانت هي الشغل الشاغل  للحكومة السودانية والجماهير الشمالية. الحكومات المتعاقبة انحازت  اقتصاديا وسياسيا الي المكون العربي النيلي بينما كانت تحاول فرض أحادية الهوية العربية الإسلامية علي مجموعات هي في الاصل متنوعة حتي بين سكان الشمال انفسهم. الآثار المترتبة على هذه السياسات الاقصائية تبينت بوضوح في الشمال  باعتبار "خسارة" الجنوب، فيتوجب على السودان الآن إعادة تعريف نفسه اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ، بينما يقوم جنوب السودان بمحاولة  إنشاء دولة خاصة به.
في هذا المنعطف، وبعد مرور مائة  يوم علي انفصال جنوب السودان من السودان، تواجه كل من الجمهوريتين سلسلة من التحديات التي، إذا لم تتم معالجتها بشكل صحيح ستؤدي الى زيادة التوتر والنزاع. في حين أن بعض هذه القضايا مرتبط بالطبيعة غير المتماسكة للدولة السودانية، الا ان مرد الكثير منها يكمن في الخيارات السياسات والتوجيهات المنبثقة من الخرطوم وجوبا. فدولتي السودان تقفان حاليا عند مفترق طرق، مواجهتان  بالعديد من القضايا التي لم يتم حلها بعد رغم انفصال جنوب السودان في التاسع من يوليو 2011. اهتمام العالم تركز على المسائل الحدودية، مثل صيغة تقسيم عائدات النفط وقضايا المواطنة ، الا ان عددا لا يحصى من القضايا الداخلية ، لا تزال تعاني منه الدولتان علي حد سواء. ففي الواقع، فإن الكثير من التوتر الحالي بين البلدين يمكن النظر اليه  باعتباره تمظهرا أو انعكاس للحراك الداخلي والصراع على السلطة. فما لم يتم استيعاب  هذه الحقيقة البسيطة فان الفعل السياسي الصادر من العاصمتين سوف لن يجد التفسير المناسب. وبالتالي ، كيفية  تعامل مع السودانين  المكائد الداخلية سيكون لها انعكاسات ليس فقط علي العلاقات عبر الحدود، ولكن أيضا على الحراك  الإقليمي الأوسع نطاقا. كنتيجة لذلك ، هناك حاجة لتصميم إلتدخلات السياسة لتكون ذات طبيعة مزدوجة التركيز - في العاصمتين وفي المواقع الفعلية للنزاعات.

جعفر أبكر علي
///////////////