آخر تقارير مجموعة "كرايسيز انترناشونال":
تنازل البشير لسلفاكير ليساعده  لتطبيع العلاقات مع اميركا
المهدي يخاف عواقب فشل المؤتمر في الانتخابات
"تهميش" على عثمان، امام نافع
جنوبيون اعترضوا على شمالي (منصور خالد) للخارجية
 واشنطن: محمد علي صالح

اشار تقرير دولى صدر يوم الخميس الى اتصالات بين مسئولين سودانيين واميركيين  لتطبيع العلاقات بين البلدين، وانهاء المقاطعة الاميركية للسودان، وشطب السودان من قائمة الارهاب الاميركية.

اصدرت التقرير (15 صفحة) مجموعة "كرايسيز انترناشونال" التي توجد رئاستها في بروكسل، وتضم في مجلس ادارتها شخصيات اميركية هامة، وتركز على تقديم دراسات وتحليلات عالمية، وتهتم بالتطورات في السودان.  

قالت ان حزب المؤتمر الحاكم في السودان قدم تنازلات للحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تشترك معه في الحكم، بهدف مساعدته لتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة.  وان ذلك كان السبب الرئيسي للزيارة التي قام بها الى واشنطن، في الشهر الماضي، دينق الور، وزير خارجية السودان، ومصطفي عثمان اسماعيل، وزير الخارجية السابق، والآن مستشار الرئيس عمر البشير للشئون الخارجية.

وقال التقرير: "اتفق الوفد مع مسئولين اميركيين كبار على جدول زمني، وعلى علامات في الطريق لتحسين العلاقات بين البلدين.   وعلى رفع المقاطعة، وشطب السودان من قائمة الدول التي تؤيد الارهاب.  على شرط ان تنفذ اتفاقية السلام تنفيذا كاملا، بداية من حل مشكلة ابيي.  وايضا حل مشكلة دارفور."

وان حزب المؤتمر يعرف ان ادارة الرئيس بوش "تريد حلا لمشكلة دارفور قبل الانتخابات في نوفمبر، وانها، وآخرين، تريد سودانا موحدا."  ويخشى ان الحزب الديمقراطي الاميركي، اذا فاز في الانتخابات في نوفمبر، سيتشدد نحو السودان.  ولن يضع اعتبارا لتعاون الرئيس البشير مع الاستخبارات الاميركية في تقديم معلومات تساعد الاميركيين في الحرب ضد الارهاب.

وان موافقة حزب المؤتمر على نقل عوض الجاز، وزير النفط، الى وزير للمالية توضح ان حزب المؤتمر يريد تقديم تنازلات الى الحركة التي اشتكت من عدم شفافية قطاع البترول.  ويستعد حزب المؤتمر لتقديم تنازلات اخرى في مواضيع ابيي، ورسم الحدود بين الجنوب والشمال، وسحب القوات المسلحة المركزية من الجنوب.

وان الور، وزير الخارجية، قال، في نهاية زيارته لواشنطن، ان تطبيع العلاقات السودانية الاميركية يحتاج الى ما بين اربعة وستة شهور.  وقالت كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الاميركية: "لن يخضع السودان للضغوط".  وفسر ذلك بأنه رغبة لحل المشاكل بين البلدين بالمفاوضات الهادئة، لا بالمواجهات.

وقال التقرير: "توجد في حزب المؤتمر عناصر تنتمي الى السياسة العدوانية التخريبية القديمة.  لكن، توجد ايضا عناصر تريد تحسين العلاقات مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة."

 

انقسامات داخلية:

 

يشمل جزء كبير من التقرير تفاصيل الاختلافات حول تنفيذ اتفاقية السلام.  ومشاكل ابيي، والحدود بين الشمال والجنوب، وسحب القوات المسلحة الوطنية من الجنوب، ووضع القوات الافريقية، وقوات الامم المتحدة، ومسئولية "المجتمع الدولى".    لكن،هناك جزء من التقرير عن حزب المؤتمر الحاكم، والحركة الشعبية التي تشاركه الحكم، والاختلافات بينهما، وداخلهما، ومع غيرهما.

عن الانقسامات الداخلية، قال التقرير:

اولا: ينقسم حزب المؤتمر الى جناحين، على الاقل.  

يريد جناح معتدل تقديم تنازلات للحركة لتساعده في تطبيع العلاقات مع  اميركا.  ويبدو منفتحا، ومستعدا لتقديم تنازلات، ايضا، للاحزاب الشمالية المعارضة.  لكن، يريد جناح آخر استمرار التشدد والتطرف.  ويرى ان تنفيذ اتفاقية السلام تنفيذا كاملا، واجراء انتخابات حرة ونزيهة، يهددان سيطرته علي الحكومة.

ثانيا: تنقسم الحركة الى جناحين، على الاقل.

يريد جناح التركيز على حكم الجنوب.   وسماه التقرير "ساوث فيرست" (الجنوب اولا).  وانفصل الجنوب، او لم ينفصل، يرى هذا الجناح ان الشمال ليس من شأن الجنوب.  لكن، يريد جناح آخر اصلاح الجنوب والشمال معا، ويرفع شعار "سودان جديد".  

ومن المتوقع ان يقدر المؤتمر العام للحركة، الذي سيعقد في مايو، على حسم هذه الخلافات.

 

تنازلات حزب المؤتمر:

 

وقال التقرير ان فترة انسحاب الوزراء الجنوبيين من الحكومة الوطنية اوضحت ان جناح "سودان جديد" صار اقوى مما كان عليه، منذ وفاة جون قرنق.  وان حزب المؤتمر وجد نفسه مضطرا (او مستعدا) لتقديم تنازلات.

ومن اسباب ذلك ان جناح "الجنوب اولا" لم يقدر على ان يدافع عن تحالفه مع حزب المؤتمر، بينما حزب المؤتمر يعرقل تنفيذ اتفاقية السلام.

واستعمل التقرير وصف "اولاد قرنق" لقادة جناح "سودان جديد".  وقال ان اعلام حزب المؤتمر هو الذي يسميهم هكذا.  واشار التقرير الى اسماء بعض هؤلاء: باقان اموم، نيهال دينق، دينق الور، ياسر عرمان، مالك حقار، عبد العزيز الحلو.  

ولفترة من الزمن، واجه هؤلاء عداء من جانبين: من جانب حزب المؤتمر، ومن جانب جناح "الجنوب اولا".

وقال التقرير ان الرئيس عمر البشير، خلال ازمة انسحاب الوزراء الجنوبيين، قال لنائبه سلفاكير انه يفضل استمرار لام اكول وزيرا للخارجية.  ولم يكن يتحمس لدخول "اولاد قرنق" الوزارة.  ونوه الى ان باقان اموم، امين الحركة، يخطط للتخلص من سلفاكير، رئيسها.  غير ان الحركة كانت غاضبة على لام اكول، واتهمته بالتعاون مع حزب المؤتمر تعاونا اكثر من المعقول.  ولهذا، في وقت سابق، قررت استبداله بمنصور خالد.

لكن، حدث تطوران:

اولا: غضب سلفاكير من البشير لانه اصدر قرارات قبل ان يعود من واشنطن.

ثانيا: غضب جنوبيون من تعيين شمالي وزيرا للخارجية.

على اي حال، انتصر "اولاد قرنق"، وصار الور وزيرا، وصار اموم وزيرا.

واوضحت تلك التطورات شيئين:

اولا: "خطورة تركيز السلطة عند سلفاكير."

ثانيا: "قدرة اعلام حزب المؤتمر على تخوين الحركة، واتهامها بتلقي اوامر من واشنطن."  هذه اشارة الى زيارات سلفاكير واموم الى واشنطن.  والى زيارة روجر ونتر، مسئول اميركي سابق، الى جوبا خلال فترة الازمة.

 

خيارات امام الحركة:

 

وسأل التقرير: ماهي الخيارات امام الحركة في هذه المرحلة؟  (مرحلة "مابعد الازمة"، حسب عنوان التقرير، اشارة الى ازمة استقالة الوزراء الجنوبيين).

وتوقع ان تقدر الحركة على ان تغير اجندتها، اعتمادا على الماضي.  لأن هذا لم يكن اول اختلاف داخلي، ولكن يكن آخر اختلاف داخلي.   

وقال التقرير: في البداية "كانت حركة شيوعية مع عقيدة علمانية وحدوية" برئاسة جون قرنق.  واثر عليها منقستو هيلي مريام.  ثم اختلفت الحركة مع حركة "انيانا 2".  ثم تحاربا.  ثم، في سنة 1991، انشق عن الحركة رياك مشار ولام  اكول (جناح الناصر).  ثم مال قرنق نحو تقرير المصير للجنوب.  ثم قويت شوكة الانفصاليين بعد وفاة قرنق.  والأن "يبدو ان الحركة تسير على طريق سودان جديد، ووحدة اختيارية، اذا اقتنع الجنوبيون."

غير ان مسئولين في حزب المؤتمر قالوا ان الحركة الشعبية خلقت عمدا مشكلة انسحاب الوزراء لتوحيد صفوفها.  ولمواجهة "عدوا واحدا".  ووافق التقرير على ذلك.  واشار الى الفساد في الجنوب، والخلافات الشخصية، واتهامات "العمالة لحزب المؤتمر" التي اطلقها جنوبيون على جنوبيين.   

الآن، يبدو ان شعار "سودان جديد" الذي يرفعه جناح "اولاد قرنق"، سيقوي التحالف بين شماليين (معاديين للاسلاميين)، وجنوبيين يريدون الوحدة (في "سودان جديد").  

لكن، لا يقلل ذلك من قوة  جناح "الجنوب اولا".  وقوة الذين يريدون ضمان حق الانفصال في استفتاء سنة 2011.  وقال التقرير: "يريد هؤلاء التحالف مع حزب المؤتمر لضمان حقوق الجنوب.  ويقولون ان حزب المؤتمر سيؤيد الاستفتاء في الجنوب، بشرط الا تزيد الحركة نشاطاتها ضده في الشمال" (بالتحالف مع شماليين معارضين لحزب المؤتمر، وللاتجاهات الاسلامية).

وانتقد تيلار دينق، وزير جنوبي خرج مؤخرا من الوزارة، تحالف جنوبيين مع شماليين ضد الاسلاميين.  وقال: "عندنا  نزاع عقائدي مع الجنوبيين الذين يريدون "سودان جديد" كاستراتيجية وطنية للتخلص من حزب المؤتمر.  من اين جاء هؤلاء بشعار "سودان جديد"؟  لا يوجد اي شئ في اتفاقية السلام اسمه "سودان جديد"."  

 

استراتيجية جديدة؟:

 

هل معنى ذلك ان الحركة الشعبية غيرت استراتيجتها مرة اخرى؟

يبدو، حسب التقرير، ان سلفاكير صار يخاف اكثر من  حزب المؤتمر، ومن مناوراته، ومن انقساماته الداخلية.  ولهذا، لم يعد يعارض التحالف مع شماليين معارضين للاسلاميين.

غير ان هناك عوامل خارجية، منها:

اولا: ضغط ادارة بوش لاتفاق نهائي بين الشمال والجنوب.  وفي دارفور ايضا.  (قبل نهاية ادارة بوش).  

ثانيا: خوف القوات الدولية في السودان من ان مناورات ومشاكل السودانيين لن تنتهي، بل ستزيد تعقيدا.  وستؤثر علي وجودها وعلى مهتمها.

في اكتوبر الماضي، حسب طلب من قوات الاتحاد الافريقي وقوات الامم المتحدة، دعت الحركة الشعبية الى مؤتمر في جوبا لحركات دافور للتوسط بينها وبين الحكومة الوطنية.  لكن، استغلت الحركة الدعوة لتحقيق هدفين خاصين بها:

اولا: كسب حركات دارفور معها ضد حزب المؤتمر.  

ثانيا: حشد "المهمشين" من البجة، وكردفان، ودارفور.

(قال التقرير ان الحركة دعت موسى هلال، قائد "الجنجويد"، لكنها سحبت الدعوة بعد ان احتجت حركات في دارفور).

لهذا، عندما دعت الحركة، مؤخرا، الى مؤتمر ثاني مماثل في جوبا، عارضت القوات الافريقية، وقوات الامم المتحدة.  وقالت ان الحركة، بدلا عن المساعدة في حل مشكلة دارفور، تريد استغلالها لمصلحتها.

 

مؤتمر مايو:

 

قال التقرير ان "المشاكل مستمرة" بين المؤتمر والحركة، وداخلهما، ومع غيرهما. بل ربما ستزيد.  ورغم ما يبدو انه فتح صفحة جديدة في العلاقات بين سلفاكير واموم، هناك اشاعات باستمرار الاختلافات.  لاسباب كثيرة، منها:

اولا: عين سلفاكير ثلاثة نواب امين عام (اموم)، وجعلهم مسئولين مسئولية مباشرة امام الرئيس (سلفاكير).

ثانيا: رفض سلفاكير طرد لام اكول.

وهناك اشاعتان اخريتان:

اولا: في مؤتمر الحركة في مايو، سيقوى جناح "سودان جديد".  وسينقل اموم من  امين عام الى رئيس، بدلا عن سلفاكير.

ثانيا: سيحدث العكس، وسيضعف جناج "سودان جديد".  وسيعين لام اكول امينا عاما، بدلا عن اموم.   

لكن، قلل التقرير من احتمال تحقيق اي من مثل هذه الاشاعات.

 

حزب الامة:

 

قال التقرير ان حزب المؤتمر يصرف "اموالا كثيرة" لضمان فوزه في الانتخابات بالتحالف مع جهات اخرى.  وانه "يخزن ثروات" و "يحاول اقناع" زعماء قبائل وسياسيين للتحالف معه.  وانه، اذا لم يفز، سيعتبر ذلك رفضا لوحدة السودان، وسيشجع انفصال الجنوب.  

وان على عثمان، نائب رئيس الجمهورية، سافر، في فبراير، الى جوبا لاقناع الحركة بالتحالف معهم في الانتخابات.  "لكنها رفضت."

في الجانب الآخر، لا يستبعد جناج "الجنوب اولا" التحالف مع حزب المؤتمر للعثور على عذر لالغاء الانتخابات.  خاصة ان فقرة في اتفاقية السلام تدعو الى امكانية اجراء "دارسة جدوى" قبل الانتخابات.

(ربما كان هذا هدفا آخرا لزيارة على عثمان الى جوبا).

في نفس الوقت، وصف التقرير على عثمان بأنه "صار مهمشا" داخل الحزب.  وفي مواجهة نافع على نافع.  وان هذا تغيير كبير في مكانة "ابو الاتفاقية، مع قرنق".  هذا بالاضافة الى انخفاض تأييد حزب المؤتمر في دارفور.  وبالاضافة الي تحالفات "سودان جديد" مع شماليين معارضيين للاسلاميين.

هل سيقدر حزب المؤتمر على ان يفوز بمفرده؟  

قال التقرير ان ذلك لن يكن سهلا.

ربما لهذا قال التقرير ان حزب الامة يحاول عقد اتفاقية مع حزب المؤتمر حول الانتخابات، وذلك كخطوة احتياطية اذا سقط حزب المؤتمر.  وان حزب الامة يخاف من ان حزب المؤتمر "لا يملك استراتيجية سلمية في حاله سقوطه في الانتخابات".  (بمعنى احتمال وجود استراتيجية لاعمال العنف، مما سيدخل السودان مرحلة حرب اهلية اكبر).

واشار التقرير الى الاجتماع الاخير بين الرئيس البشير والصادق المهدي، زعيم حزب الامة، وقال ان حزب الامة "يرى ان مصلحة كل الاحزاب هي في دخول مرحلة انتقالية قومية سلمية".   وانه نقل ذلك الى البشير، ووجد "ردا ايجابيا."

وقال التقرير: "لكن، يظل حزب المؤتمر اكثر الاحزاب تنظيما في السودان.  ويخطط لكل الاحتمالات":  

يقدر على تاجيل تنفيذ الاتفاقية (او رفض تنفيذها).  وعلى تأجيل حل مشكلة دارفور (او توسيعها نحو تشاد).  وعلى تأجيل الانتخابات (او تزويرها).  وعلى تأجيل الاستفتاء (اذا فاز في الانتخابات).  وعلى تقسيم الجنوبيين (وتوزيع اسلحة لهم ليقتلوا بعضهم البعض).  وعلى رسم الحدود من جانب واحد (وضم آبار البترول للشمال). وعلى استمرار التوتر في كل السودان (بما يخدم مصالحه).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.