المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات
الورقة الموجزة  .... تقرير حول إفريقيا رقم 47
السودان: إخراج أبيي من نفق الأزمات
 نايروبي/بروسكل، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2007:

اتخذت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان يوم 11 تشرين الأول/أكتوبر قرار الانسحاب من حكومة الخرطوم. وفي هذا الخطوة دليلٌ على حاجة الأسرة الدوليّة الماسة تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل لعام 2005 خشية اندلاع الحرب مجدداً بين الشمال والجنوب.

تزداد حدّة التوتر في منطقة أبيي النفطيّة مما يُهدد بأن يُطلق مجدداً شرارة الحرب بحسب التقرير الصادر مؤخراً عن المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات ، السودان: إخراج أبيي من نفق الأزمات*. يعالج التقرير موضوع النزاع حول أبيي وهو أكثر النواحي هشاشةً في اتفاقيّة السلام الشامل التي وضعت حدّاً للحرب الأهليّة التي امتدت على عشرين عاماً والتي قضى فيها مليونا شخص. خرق حزب المؤتمر الوطني الحاكم اتفاقيّة السلام الشامل حيث أعرب عن رفضه القرار "النهائي والملزم" الصادر عن لجنة حدود أبيي مخلّفاً بالتالي فراغاً إداريّاً وسياسيّاً.

وتراوح المفاوضات مع حركة/جيش تحرير السودان في مكانها ويعمد الطرفان إلى حشد قوّاتهما العسكريّة حول أبيي. وبهدف حماية سلام السودان الهشّ، يجب أن يرد بروتوكول أبيي حول اتفاقيّة السلام الشامل في صدارة جدول الأعمال.

وبحسب دايفيد موزرسكي، مدير مشروع القرن الإفريقي في المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات "يتعيّن على الأسرة الدوليّة الالتفاف مجدداً حول تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل في أبيي أكثر من سواها لأنّ خطر العودة إلى الحرب يتنامى بسرعة قياسيّة".

وأبيي عالقة جغرافياً وإثنياً وسياسياً بين شمال السودان وجنوبه. منحت اتفاقيّة السلام الشامل الأرض المتنازع عليها التي تضمّ نسبةً مهمّةً من احتياطي النفط في السودان، صفةً إداريّةً خاصةً وإمكانيّة المشاركة في استفتاء 2011 لاتخاذ القرار بشأن الانضمام إلى ما يبدو أنّه جنوب مستقل. وأورد بروتوكول أبيي بوضوح كيفيّة تتابع عمليّة التطبيق بدءاً بترسيم الحدود. ولكنّ الوضع يتزايد فساداً خصوصاً بفعل تعنت حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

لا بدّ من معالجة خطر تجدد النزاع على المستويين الوطني والمحلي. ويتعيّن على الهيئات الضامنة لاتفاقيّة السلام الشامل بقيادة الولايات المتحدة أن تبعث برسالةٍ حاسمةٍ إلى حزب المؤتمر الوطني الملزم قانوناً بتقرير لجنة الحدود والذي يُتوقّع منه تطبيقه. وبهدف الحدّ من خطر النزاع، يتعيّن على بعثة الأمم المتحدة في السودان أن تتعاون مع الأطراف لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في أبيي. كما لا بدّ من إفساح المجال أمام الحوار بين قبيلتي نغوك دينكا ومسيريّة بهدف بناء الثقة بينهما.

يؤدي النفط دوراً مهماً للخروج من الأزمة. ويتعيّن على الأطراف بدء حوار جديد لمعالجة قضايا النفط  وبلورة خطّة لإبرام اتفاقيّة تشارك للعائدات بين الشمال والجنوب بعد العام 2011، تحسّباً لأن تختار أصوات أبيي الانضمام إلى جنوبٍ مستقل.

وبحسب فرانسوا غرينيون مدير برنامج إفريقيا في المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات "من شأن ما يحصل في دارفور أن يُحدد قدرة السودان على تدعيم السلام أو الوقوع مجدداً في الحرب. وإحراز التقدم في هذا السياق يُمكن أن يُعالج مجموعةً أكبر من المشاكل التي تعترض سبيل تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل، مثل العنف المتجدد الذي يولّد تبعات دامية".

Nadim Hasbani

Arab Media Analyst

International Crisis Group

149 Avenue Louise, Level 24

Brussels 1050, Belgium

Tel: + 32 2 536 00 71 (Dir.)

      + 32 2 502 90 38

Fax: + 32 2 502 5038

E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Crisis Group - the international conflict prevention organisation

 

السودان: إخراج أبيي من نفق الأزمات

I. نظرة عامة

يبدو النزاع حول منطقة أبيي في السودان أكثر نواحي اتفاقية السلام الشامل المبرمة عام  2005 عرضةً للانفجار وهو يهدد بنسف هذه الاتفاقية التي تزداد هشاشةً يوماً بعد يوم. فبموجب اتفاقية السلام الشامل، تخضع الأرض المتنازع عليها التي تحتوي نسبة كبيرة من احتياطي السودان النفطي لإدارة خاصة وستظلّ تحت سيطرة الرئاسة بانتظار نتيجة الاستفتاء المزمع إجراؤه في العام 2011 والذي سيُحدد إذا كانت المنطقة ستُلحق بما يفترض أن يكون قد أصبح جنوباً مستقلاً. ولكنّ حزب المؤتمر الوطني الحاكم، في خرق لاتفاقية السلام الشامل، يرفض الحكم "النهائي والملزم" الوارد في تقرير لجنة حدود أبيي، مخلفاً فراغاً سياسياً وإدارياً. ولمّا توقفت المفاوضات بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان الثوري السابق، حشد الجانبان قوتهما العسكرية حول أبيي. وعليه، يتعين على المجتمع الدولي إعادة العمل على تطبيق اتفاقية السلام الشامل في أبيي على وجه التحديد وبشكل عاجل، قبل الانزلاق مجدداً في دوّامة الحرب.

ظاهرياًَ، يبدو الحل في أبيي سهلاً ومباشراً نسبياً. فقد أوضح بروتوكول أبيي الوارد في اتفاقية السلام الشامل كيفيّة تسلسل التطبيق بدءاً بترسيم الحدود. غير أن الوضع لا ينفكّ يتدهور، ويُعزا السبب الرئيس إلى تعنت حزب المؤتمر الوطني. فإحلال السلام في المنطقة يتطلب مواجهة البعد السياسي الوطني بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان فضلاً عن البعد المحلي بين جماعات نغوك دينكا ومسيريّة المجاورة. تعرض الخطوات التالية سبيلاً مباشراً للحل:

يتعين على رعاة اتفاقية السلام الشامل الدوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي صاغت بروتوكول أبيي أن تبعثَ رسالة قوية ومنسقة إلى حزب المؤتمر الوطني مفادها أن الحزب ملزم قانوناً بتقرير لجنة حدود أبيي ويُتوقَّع منه أن يطبقه عن حسن نية. أمّا الأطراف الموقّعة على اتفاقيّة السلام الشامل، والتي يجب أن تستعيد نشاطها فهي كينيا، وأوغندا، ومصر، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنميةIGAD  ومنتدى شركائها الدوليين، وجامعة الدول العربيّة والأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقيّة، والاتحاد الأوروبي.

 لقد عرضت المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات في تقارير سابقة لها عقوبات هادفة ومتعددة الأوجه ترمي إلى التأثير في النظام فيُبادر إلى احترام ما تعهّد به في اتفاقية السلام الشامل في دارفور. نظراً لهشاشة الوضع في أبيي، لا بد من ممارسة الضغط بأسرع وقت لحمله على الموافقة على تقرير لجنة حدود أبيي.

لا بد من تخفيف حدة التوتر في أبيي ومحيطها. يعتبر مختلف الأطراف أن الإجراءات الأساسية - ترسيم الحدود وتعيين إدارة محلية - من شأنها أن تحدد النتيجة المحتملة للاستفتاء فبدأت العمل على هذا الأساس. يستطيع المجتمع الدولي المساعدة على تغيير هذه الديناميكية عبر تيسير الحوار بين مسيريّة ونغوك دينكا بهدف تعزيز الضمانات لتتمكن جماعة مسيريّة من الاحتفاظ بحقوق رعاية الماشية في أبيي بعد الاستفتاء وعبر زيادة المشاريع التنموية في مناطق دينكا ومسيريّة. ويتعيّن على بعثة الأمم المتحدة أن تقود هذه الجهود بدعم الهيئات الدوليّة الضامنة لاتفاقيّة السلام الشامل.

لا يجب إغفال دور النفط الذي يصبّ الزيت على النار ويتعيّن التعامل معه عن حسن نية وتنفيذ بروتوكول أبيي في ما يتعلق بأحكام تقاسم الثروة. ففيما بدأ النفط يُستنفذ في أبيي وبدأت تقديرات العائدات لما بعد العام 2007 تنهار بشكل كبير، تحتوي الحقول الحاليّة على غالبية النفط في الشمال وتشكل عائداتها مورداً أساسياً لديمومة حزب المؤتمر الوطني. وتُقدّر المجموعة الدّولية لمعالجة الأزمات عائدات حقول النفط في أبيي بحوالى 599 مليون دولار لعام 2005 و 670 مليون لعام 2006، و529 مليون دولار لعام 2007. بشكل أكثر شمولية، يرتبط النفط مباشرة بقابلية تطبيق اتفاقية السلام الشامل. فالأطراف كافة بحاجة لأن تفتح حواراً جديد وشفافاً حول مسائل النفط فتُعدَّ خطة تحدد اتفاق تقاسم العائدات بين الشمال والجنوب بعد العام 2011، في حال صوتت أبيي على الالتحاق بالجنوب المستقل. يجب الإفساح بالمجال للجنة النفط الوطني، وهي الهيئة المشتركة بين حزب المؤتمر الوطني والجيش الشعبي لتحرير السودان التي أنشئت بموجب اتفاقية السلام الشامل، فتضطلع بدورها وتأخذ علماً مباشرةً بجميع البيانات المتعلقة بالإنتاج النفطي.

يتعين على الرئيس الجديد لبعثة الأمم المتحدة للسودان أشرف قازي أن يُدرج التعاطي مع الأطراف ضمن أولويّاته فيحرص على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في أبيي بهدف فصل المسلحين وحصر مخاطر تجدد النزاع. فقد قرر الآلاف من قوات جماعة مسيريّة الالتحاق مؤخراً بالجيش الشعبي لتحرير السودان، الأمر الذي أثار استياء حزب المؤتمر الوطني وأدى إلى اندلاع مواجهة خطيرة بين القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان. وفيما يجب أن يكون التركيز أولاً على أبيي، يمكن أن تتوسع المنطقة منزوعة السلاح لتشمل كامل الحدود الشمالية- الجنوبية.

يرتبط مصير أبيي مباشرة بمصير اتفاقية السلام الشامل. وعلى رغم أنّ أبيي تشكل بحد ذاتها عنصر نزاع، إلاّ أنها مرتبطة أيضاً بتحديات أكثر شمولية تتعلق بتطبيق اتفاقية السلام الشامل مثل الشفافية وتقاسم الثروة في القطاع النفطي وترسيم الحدود الشمالية - الجنوبية. إذا ما حل السلام في أبيي وانطلقت آلية التنفيذ، فيمكن أن تشكل أبيي نموذجاً لمسائل حدودية أخرى بين الشمال- والجنوب ولتيسير حوليّات تطبيق مسائل شائكةٍ أخرى. أما إذا لم يتم حل النزاع عاجلاً، فلا شك أنه سيؤخر مسار اتفاقية السلام الشامل فيُشجّع على انجراف البلاد مجدداً إلى هاوية الحرب.

ii.      أبيي في سياق النزاع

أ. التاريخ

تقع أبيي بين مقاطعتي بحر الغزال وكوردوفان الجنوبية. وهي عالقة جغرافياً وإثنياً وسياسياً بين شمال السودان وجنوبه. تشكل موطن قبيلة نغوك دينكا، أنسباء قيبلة دينكا الجنوبية كثيفة السكان، ويحدها من الشمال والشمال الشرقي رعاة قبيلة مسيريّة  العربية (بقارة) الذين يمرون فيها كل سنة لرعاية ماشيتهم. اتسمت العلاقة تاريخياً بين مسيريّة ونغوك دينكا بالود لا بل شكّلت نموذجاً للتعاون بين الشمال والجنوب. فقد عاش الاثنان ضمن حدود إدارية منفصلة في خلال الاستعمار حتى العام 1905، عندما نقل البريطانيون إمارات نغوك دينكا التسع من بحر الغزال إلى كوردوفان.

بعدما نال السودان استقلاله في العام 1956، احتلت قبيلتا دينكا ومسيريّة مواقع متواجهة في الحروب الأهلية التي اجتاحت البلاد. فاستقطبت الأولى من العام 1956 وحتى العام 1972 الجماعات على طول الحدود الشمالية- الجنوبية. أما نقطة التحول فكانت في العام 1965 عندما أُحرق 72 رجلاً غير مسلحٍ من نغوك دينكا في منطقة بابانوسا في مسيريّة على يد جمهرة وذلك في مركز للشرطة كانوا لجأوا إليه للحصول على الحماية . بدأ أفراد دينكا يتحولون بشكل كبير نحو ثوار أنيا-نيا الجنوبيين وقضية الجنوب فيما حصلت قبيلة مسيريّة على معاملة مميزة من الحكومة المركزية وتماهت بقوة مع الشمال .

وضع اتفاق أديس أبابا الموقع في العام 1972 حداً للحرب الأولى، وتضمن بنداً حول إجراء استفتاء يخول أي "مناطق أخرى تشكل ثقافياً أو جغرافياً جزءاً من التركيبة الجنوبية" بما فيها أبيي الاختيار بين البقاء في الشمال أو الالتحاق بالمنطقة الجنوبية المستقلة حديثاً . لكن الاستفتاء لم يتمّ أبداً وتواصلت الهجمات ضد دينكا في خلال السبعينات، فأدت إلى تشكيل وحدة نغوك دينكا في أنيا-نيا 2، في أثناء الثورة الجنوبية الصغيرة التي بدأت في النيل الأعلى في العام 1975 .

بدأت الحرب الأهلية الثانية في حزيران/يونيو 1983 مع ولادة الجيش الشعبي لتحرير السودان. فالتحق بهذا الأخير العديد من أفراد نغوك دينكا فيما اضطلعت وحدة أنيا-نيا 2 من أبيي بدور أساسي في تأسيس الحركة الجديدة . تفاقم تهجير قبيلة نغوك دينكا الذي بدأ في خلال الحرب الأهلية الأولى واستمر في السبعينات في خلال الحرب الأهلية الثانية. وتم اليوم تهجير غالبية شعب دينكا في أبيي. ويعود السبب جزئياً إلى دعمهم السابق، لأنّ العديد في أبيي احتلوا مناصب عسكرية وسياسية عليا في الجيش الشعبي لتحرير السودان وكانت تربطهم علاقات وثيقة برئيسه الراحل جون غارنغ. وفيما تواصلت الحرب، ازدادت المطالبة بالاستقلال في صفوف الجنوبيين بمن فيهم نغوك دينكا. غير أن اكتشاف النفط قد زاد المسألة تعقيداً في أبيي كما في سائر المناطق النفطية القريبة من الحدود الشمالية- الجنوبية. بعد الاكتشاف الأول في العام 1979، بدأ الرئيس نميري يبذل جهوداً حثيثةً لتعديل الحدود وإعادة موضعة المناطق الغنية بالنفط في الشمال بدل الجنوب .

اشتركت قبيلة مسيريّة في الحرب إلى جانب الحكومة منتصف الثمانينات، فشكّلت الصفوف الأماميّة للقوّات في مواجهة قبيلة دينكا في أبيي وفي الجنوب فامتطى عناصرها الجياد وهاجموا البلدات الجنوبية لنهبها وأخذ العبيد كجزء من الاعتداءات المنظمة ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان والمدنيين الجنوبيين .

أقام بروتوكول ماشاكوس في تموز/ يوليو 2002 الإطار الذي انبثقت عنه اتفاقية السلام الشامل: مقابل بقاء شمال السودان تحت حكم الشريعة الإسلامية، يحظى الجنوب بحكومة ذاتية وباستفتاء حول تقرير المصير يتناول الانفصال أو الوحدة بعد فترة انتقالية تمتد ست سنوات. وقد رُسم حدد جنوب السودان ضمن الحدود الموجودة منذ استقلال الأول من كانون الثاني/ يناير 1956، فأُسقطت أبيي من المشاركة في استفتاء تقرير المصير، ووُضعت مع معاقل الحركة الشعبية لتحرير السودان الشمالية في جبال النوبة (كوردوفان الجنوبية) وجنوب النيل الأزرق (حالياً دولة النيل الأزرق).

 

ب. مفاوضات أبيي وتقرير لجنة الحدود

بعد توقيع بروتوكول ماشاكوس، دخلت الحركة الشعبية لتحرير السودان في صراع سياسي لتوسع نطاق الحقوق التي اكتسبتها عن الجنوب، بما فيها حق تقرير المصير، لتشمل "المناطق الثلاث" في أبيي وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وتولّت تسهيل مفاوضات السلام الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنميةIGAD  برئاسة الوسيط الجنرال لازاروس سومبيوو من كينيا. في آذار/مارس 2003، عقدت جلسة خاصة حول المناطق الثلاث في ضاحية كارين في نيروبي . وقد عقدت نقاشات منفصلة حول كل منطقة مع كل وفد برئاسة "ابن المنطقة". أحرزت جلسة أبيي تقدماً ضئيلاً بسبب خلاف حول تشكيل الوفود. وقد رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان الاعتراف برئيس وفد حزب المؤتمر الوطني الذي كان من قبيلة مسيريّة لأنه جاء من خارج أبيي، الأمر الذي أدى إلى وقف المحادثات . فقبول نغوك دينكا والحركة الشعبية لتحرير السودان بوفد مسيريّة كما تقدم يعني أن هذه الجماعات تقيم في أبيي وبالتالي يمكنها المشاركة في التصويت في استفتاء محتمل.

وبين محاولة الحركة الشعبية لتحرير السودان إجراء استفتاء لتقرير المصير ورفض الحكومة ومحاولتها توسيع نطاق أبيي لتشمل شعب مسيريّة، قامت الأطراف بالخطوات الأولى في لعبة الشطرنج التي لمّا تنتهي اليوم . فقد بدت الأطراف موافقة في مفاوضات كارين حول المعايير التي تحدد المقيمين في أبيي من غير أن تصادق الجلسة عليها أو تذكرها في اتفاق أبيي النهائي .

شكلت المناطق الثلاث ولا سيما أبيي إحدى أكثر المسائل صعوبة في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل. فقد كان الخلاف الأساسي حول إجراء استفتاء في أبيي يعطي خيار الالتحاق بجنوب السودان، ما يعني إمكانية الالتحاق بجنوب مستقل بعد الاستفتاء الجنوبي حول تقرير المصير المتوقع في العام 2011. شكل هذا الأمر جوهر طلب الحركة الشعبية لتحرير السودان. ولم يكن غارنغ ليتنازل أو يتمتع بالمرونة حيال المطالب إذ إن أبيي تحظى بتمثيل رفيع المستوى في قيادة الحركة. واصلت الحكومة رفضها إجراء استفتاء في أبيي معتبرة أن بروتوكول ماشاكوس قد أقفل هذا الباب ولا بد من أن تبقى أبيي في الشمال . ويعود رفض الخرطوم إجراء استفتاء حول أبيي إلى خوفها من فقدان السيطرة على الموارد النفطية في المنطقة التي تشكل غالبية الاحتياطي المثبت في شمال السودان.

في الواقع أدى التدخل الأميركي إلى حلحلة الأزمة. في آذار/ مارس 2004، زار المبعوث الرئاسي إلى السودان، السيناتور السابق جون دانفورث، معقل المفاوضات في نايفاشا وقدم إلى الأطراف مسودة اتفاق حول أبيي. ومع أن الحكومة اعترضت في البداية على تضمين المسودة استفتاءً، إلا أنها عادت ورضخت لضغوط مارستها واشنطن. نصّ بروتوكول أبيي على أن تحظى المنطقة بوضعية إدارية خاصة وأن تخضع لقوانين الرئاسة، كما نصّ على حدود أرض الإمارات التسع التي كانت تابعة لنغوك دينكا وانتقلت إلى كوردوفان في العام 1905. يتعين على لجنة حدود خاصة بأبيي ترسيم هذه المنطقة  فيما يتم تأسيس مجلس تنفيذي محلي تعينه الرئاسة قبل الانتخابات المحلية في العام 2009. حدد البروتوكول المقيمين في أبيي على أنهم أعضاء جماعة نغوك دينكا ومواطنون آخرون يقيمون في المنطقة فيما أنيطت لجنة استفتاء أبيي (التي تعينها الرئاسة أيضاً) بمهام تحديد معيار الإقامة. غير أنّ شيئاً من هذا القبيل لم يُطبّق حتّى اليوم.

حاول حزب المؤتمر الوطني جاهداً إدراج شعب مسيريّة على أنّه مقيم في أبيي، بحيث احتسب أن هؤلاء يصوتون على الأرجح للبقاء مع الشمال أكثر من نغوك دينكا. وفيما وافقت الحركة الشعبية لتحرير السودان على أن يستقر بعض أفراد مسيريّة في مدينة أبيي وبالتالي اعتبرتهم مؤهلين للعمل في الإدارة المحلية، إلا أنها رفضت إدراج مسيريّة كقبيلة، مؤكدة أنه على الرغم من مرورها في أبيي لأشهر عدة في السنة لرعاية الماشية إلى الجنوب، إلا أن مقرّ إقامة القبيلة الدائمة هو في مكان آخر. أُعدّ بروتوكول أبيي في الأساس كي يواجه مظالم الحركة الشعبية لتحرير السودان والتهجير الكثيف لنغوك دينكا وقد نجح على الورق في هذه المهام المحدودة. كما ستتم مناقشته أدناه، فإن افتقار حزب المؤتمر الوطني للإرادة السياسية قد حال دون تنفيذ ذلك.

عندما تم تقديم تقرير لجنة حدود أبيي إلى الرئاسة في 14 تموز/ يوليو 2005، رفضه حزب المؤتمر الوطني على الفور متهماً الخبراء الدوليين بتخطيهم صلاحيّاتهم عبر استخدام وثائق ومعلومات ما قبل العام 1905 لتحديد حدود أبيي . استخدم حزب المؤتمر الوطني هذا الادعاء ليحشد مسيريّة ضد التقرير وليسيء حتى استخدام نتائجه . غير أن مقتل جون غارنغ في حادث تحطم مروحيته بعد بضعة أسابيع في 30 تموز/ يوليو قد أخر مسائل تطبيق اتفاقية السلام الشامل كلها وأجبر أبيي على التراجع عن جدول أعمالها. لكن مقتل غارنغ لم يغير موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان وقد أصر خلفه سالفا كير على ضرورة قبول تقرير لجنة حدود أبيي وتنفيذ اتفاق أبيي .

ت. جهود حلحلة الأزمة

مع بداية العام 2006، كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان تعيد لملمة صفوفها برئاسة رئيسها الجديد، فيما تم تأسيس حكومة الوحدة الوطنية وحكومة جنوب السودان. غير أن حزب المؤتمر الوطني بدأ يقوّض بعض عناصر اتفاق السلام، بما فيها أبيي. واجهت الحركة الشعبية لتحرير السودان انقسامات داخلية حادة وتحديات حول قدرتها، بالمقابل لم يكن المجتمع الدولي يمنح الدعم الكافي لأكثر عناصر اتفاقية السلام الشامل هشاشة .

في أيار/مايو 2006، أنشأ حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان لجنة تنفيذية رفيعة المستوى لمناقشة مشاكل اتفاقية السلام الشامل بما فيها أبيي، وللتباحث في احتمال إجراء شراكة سياسية ممكنة. فشلت المحادثات تقريباً لكن المجتمعين اتفقوا على أربعة خيارات لأبيي: التوصل إلى اتفاق سياسي، إحالة المسألة إلى المحكمة الدستورية، طلب خبراء لجنة حدود أبيي الدوليين للدفاع عن قرارهم، أو اللجوء إلى تحكيم طرف ثالث . شكّل الحوار السياسي الخيار الوحيد الذي خضع للتجربة حيث استمر على نحو متقطع لثمانية عشر شهراً. رفض حزب المؤتمر الوطني دعوة الخبراء الدوليين مع أن حكومة جنوب السودان التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان قد جلبتهم إلى جوبا للتوجه إلى البرلمان الجنوبي في منتصف أيلول/سبتمبر 2007 . من جهتها، رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان المحكمة الدستورية لأنها موزعة بين أشخاص محسوبين على حزب المؤتمر الوطني والحركة .

دعا أمين عام الحركة الشعبية لتحرير السودان الجنرال باغان عموم إلى قيام هيئة تحكيم أميركية وإلى وضع إدارة بقيادة الولايات المتحدة في أبيي في حال فشل المفاوضات لكن حزب المؤتمر الوطني ردّ بالرفض. وفيما يبدو من المنطقي أن تدير الولايات المتحدة أي تحكيم نظراً للدور الذي اضطلعت به في بروتوكول أبيي، إلا أنه يتعين على الشركاء والضامنين الدوليين بشكل ملح الموافقة على مقاربة مشتركة وممارسة المزيد من الضغوط على حزب المؤتمر الوطني للقبول بتقرير لجنة حدود أبيي. ولا يشكل وسيط مقبول سياسياً المشكلة الأساسية- فيمكن للنرويج أو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية أو جنوب أفريقيا أن تقوم بهذه المهمة أيضاً؛ بل تكمن المشكلة في افتقاد حزب المؤتمر الوطني للإرادة السياسية في قبول الاتفاق وفي غياب العزم والالتزام الدولييّن.

حاولت لجنة التقييم وهي هيئة برئاسة دولية تُعنى بمراقبة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، تيسير عمليّة تشكيل إدارة مؤقتة ضرورية في أبيي فيما دارت مناقشات حول المسائل الحدودية الصعبة ومشكلة التمثيل في الإدارة المحلية. لكن سرعان ما انقطعت المحادثات حول هذه المسائل بالتحديد. رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان طلب حزب المؤتمر الوطني إشراك مسيريّة في الإدارة المؤقتة، كما طالبت بمعرفة حدود الإدارة وأصرت على وضع إطار زمني لترسيم الحدود بشكل جذري. أعدت لجنة التقييم تقريراً حول مشروعية رفض حزب المؤتمر الوطني القبول بتقرير لجنة حدود أبيي. بحسب نسخة تم تسريبها، خلص التقرير إلى أن الرئاسة "ملزمة دستورياً" تخصيص منطقة أبيي بوضعية معيّنة وإلى أنّ التأخير يشكل خرقاً لكل من اتفاقية السلام الشامل والدستور الوطني المؤقت .

منذ مبادرة لجنة التقييم، سُجّلت بعض التحركات ولكن لم يُلتمس أي تقدم ملموس. فقد واصلت الأطراف المحادثات حول إعداد إدارة مؤقتة، سيّما وأن السلطات والمعايير محددة بموجب بروتوكول أبيي. بدت الحركة الشعبية لتحرير السودان وكأنها لطفت موقفها، آخذة بعين الاعتبار وثائق غير تقرير لجنة حدود أبيي كمصادر ممكنة لترسيم حدود الإدارة المؤقتة مع أنها أكملت إصرارها على أن تستند الإدارة الدائمة على نتائج لجنة حدود أبيي . في المقابل اقترح حزب المؤتمر الوطني في أيار/مايو وحزيران/ يونيو 2007 إمكانية استناد الحدود على وحدة أبيي الإدارية منذ العام 1995، عندما كانت مقاطعة أبيي تقسم إلى أقاليم أبيي والمجلّد والدبب.

لدى المراجعة، اكتشفت الحركة الشعبية لتحرير السودان أن حدود إقليم أبيي في العام 1995 كانت أكثر اتساعاً من تلك التي حددتها لجنة حدود أبيي . فقد عدلت الحكومة الحدود في العام 2000 (حيث أنشأت إقليماً رابعاً هو إقليم هجليج في مقاطعة أبيي)، وعدلتها مرة أخرى في العام 2005 (لتضم إقليماً خامساً هو إقليم وادي ستيب). لذا أصبح حجم إقليم أبيي في كل حالة أصغر بعد اقتطاع المناطق النفطية. كما نظرت الأحزاب إلى الحدود السابقة لأقاليم أبيي ووافقت على اقتراح الحركة الشعبية لتحرير السودان القائم على إعداد لجنة مشتركة مؤلفة من أربعة عشر شخصاً لإجراء بحث حول حدود إقليم أبيي في الأعوام 1974 و1977 و1995 . فالحركة الشعبية لتحرير السودان تعتقد أن هذه التواريخ الثلاثة تعني جلب المزيد من الأراضي لأبيي، بمساحة تفوق ما ورد في تقرير لجنة حدود أبيي وقد حذر مسؤول رفيع المستوى من أننا "لن نقبل إذا جاءت النتيجة أقل من تقرير لجنة حدود أبيي".  

ومع أنه يمكن اعتبار ما سبق خطوة خجولة إلى الأمام، إلا أن ما من تقدم قد أحرز حول مسألة التمثيل في الإدارة المؤقتة. فقد وافقت الأطراف على استخدام شروط بروتوكول أبيي لتحديد التمثيل في الإدارة المؤقتة- أعضاء من جماعة نغوك دينكا وسودانيون آخرون مقيمون في المنطقة- لكن ما من سبب يحمل على الاعتقاد بأن حزب المؤتمر الوطني سيوقف جهوده لاعتبار مسيريّة من ضمن هؤلاء المقيمين. ولكنّ تُسجّل تحوّلات في المنطقة، مع اجتياح جماعة مسيريّة موجة من الغضب تجاه فوران حزب المؤتمر الوطني، حيث أن عدداً مهماً من عناصر الحزب بدأ يلتحق بالجيش الشعبي لتحرير السودان، لأنه رأى في جوبا مركز سلطة أقرب وأكثر لطفاً من الخرطوم. يشاع أن عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً من قوات مسيريّة من حركة شهامة يخيمون في الدبب على أمل الالتحاق بالجيش الشعبي . سعى حزب المؤتمر الوطني مراراً إلى استعادة مسيريّة إلى صفوفه، حيث قام مسؤولون كبار في صفوفه بمن فيهم الرئيس بشير  بزيارتهم، إلا أنه يبدو أن معارضة مسيريّة بدأت تتزايد.

وتكمن إحدى نقاط ضعف بروتوكول أبيي في أن الوسطاء قد سمحوا للأحزاب بتمثيل الجماعات. ومع أن مواقف نغوك دينكا والحركة الشعبية لتحرير السودان كانت دائمة التوافق إلا أن حزب المؤتمر الوطني استغل مراراً مسيريّة بطريقة أظهرت أن مصلحته مرتبطة بحقول النفط. فقد تمكن من استغلال عدم مشاركة مسيريّة الجوهرية في المفاوضات. وأخذ حزب المؤتمر الوطني يبث المعلومات الكاذبة حول تقرير لجنة حدود أبيي ويثير مشاعر عدم الأمان حول حقوق رعاية الماشية، فحشد بالتالي القبيلة ضد تقرير الحدود والبروتوكول. غير أنه أخطأ على الأرجح في الحسابات. فعلى الرغم من محاولاته تضليل القبيلة، أدّى استبعادها عن المفاوضات فيما بدا وكأنه اتفاق ضمني على حسابها، إلى قلب العديد من أفرادها ضدّ الحزب. ويسود أجواء القبيلة سخطٌ حيال التأثيرات البيئيّة السلبيّة التي تُحدثها أعمال التنقيب عن النفط في مناطقها وحيال تناذر الفوائد المتاحة للمجتمع المحلّي نتيجة هذه التطوّرات ولو كان على شكل عمالة وضيعة.

وما زاد من الاحتقان الإهانة الإضافية التي وجهها حزب المؤتمر الوطني في خلال الأيام الأخيرة من مفاوضات اتفاقية السلام الشامل في جبال النوبة، عندما طالب بحل كوردوفان الغربية التابعة لمقاطعة مسيريّة وضمها إلى كوردوفان الجنوبية. قد يكون تقارب مسيريّة من الجيش الشعبي لتحرير السودان أسلوباً لمقاومة تأثير نغوك دينكا داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة جنوب السودان لكنه يشكل أيضاً مؤشراً على انتقال ديناميكيات السلطة في المناطق الانتقالية من الخرطوم إلى جوبا.

في بداية أيلول/سبتمبر 2007، سافر وفد صغير من الجيش الشعبي لتحرير السودان إلى الدبب لمناقشة اندماج قوات مسيريّة. غير أنه تم توقيفه في المجلّد حيث أحاطه رتل كبير من القوات المسلحة السودانية متهماً إياه بخرق اتفاقية السلام الشامل عبر حمل السلاح إلى الشمال. ازداد التوتر فيما تمت محاصرة الوفد لأيام عدة قبل تدخل لجنة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار ومحاولتها إيجاد تسوية . أبقت القوات المسلحة السودانية على مجموعات مسلحة كثيفة في أبيي وحولها وفي المناطق النفطية المجاورة - يقال إن حوالى 15000 عنصراً تمركزوا في هجليج، الشريان النفطي الأساسي في المنطقة والتابع لأبيي بحسب لجنة حدود أبيي . في المقابل، حشد الجيش الشعبي لتحرير السودان قواته جنوب أبيي وفي المناطق النفطية على طول الحدود الشمالية- الجنوبية. وتصطدم جهود دمج مسيريّة في الحركة الشعبية لتحرير السودان بالعراقيل لأنّ اتفاقيّة السلام الشامل ستشترط في قوّات الجيش الشعبي لتحرير السودان أن يُعيد انتشاره في الجنوب. ويبدو بأنّ الكثيرين يرفضون الأمر ولم يتحرّك أحدٌ بعد. وطالما أنّ القوّات مرابضة في الشمال تحت لواء الجيش الشعبي لتحرير السودان، يتنامى خطر التصادم مع القوّات المسلّحة في السودان فتنطلق شرارة نزاع أكبر .

ومع أن المنطقة لم تشهد أي تقاتل بين القوات السودانية المسلحة والجيش الشعبي لتحرير السودان منذ حادث ملكال في تشرين الثاني/نوفمبر 2006، إلا أن خطوط التماس قد رسمت . تتواجد بعثة الأمم المتحدة في أبيي لكن حزب المؤتمر الوطني رفض في البدء السماح لها بالسفر إلى شمال بلدة أبيي، في خطوة سرعان ما قلدها الجيش الشعبي لتحرير السودان، بحيث أصبحت بعثة الأمم المتحدة عاجزة عن مراقبة معظم المنطقة. في الواقع لم يتم دمج الوحدة المدمجة المشتركة بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والقوات السودانية المسلحة في أبيي. لذا فإن حلحلة أزمة أبيي قبل انفجار الوضع قد تتطلب إعادة التزام دولي مهم.  

III. تحديد ثروة أبيي النفطية

منذ اكتشافه في العام 1979، شكل النفط عاملاً متنامي الأهميّة في السياسات والحكم في السودان. عندما بدأ الإنتاج في العام 1999، أعاد إحياء قدرة الحكومة على شن الحرب ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب واستقبل استثمارات خارجية حفزت النمو السريع في اقتصاد خاضع للعقوبات الاقتصادية الأميركية منذ العام 1997. فالنفط هو حرفياً لولب اتفاقية السلام الشامل. ومع أنها شكلت إحدى المسائل الأساسية الكثيرة التي تم التفاوض حولها في نيفاشا، إلا أن حصة الخمسين بالمائة من مال النفط الجنوبي الذي تحصل عليه حالياً حكومة جنوب السودان يشكل تقريباً كامل عائداته. وقد تسبب انخفاض هذه العائدات في آذار/مارس 2007 بمشاكل كبيرة لحكومة جنوب السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان اللذين وجدا صعوبة في تأمين الرواتب. ومع أن مصادر الدخل القومي أكثر تنوعاً، إلا أن صادرات النفط تبقى المصدر الأكبر الوحيد للعملة الأجنبية، متيحة لحزب المؤتمر شن الحرب في دارفور ورشوة من يقف في وجهه، مواصلاً تكتيكات فرّق تسد في أرجاء البلاد كلها.

لا يتسم قطاع النفط بالشفافية وهو لا يزال خاضعاً لسيطرة حزب المؤتمر الوطني. يستشري الفساد في طبقات حزب المؤتمر الوطني- الشركات التابعة له ووكالات الأمن التي تعيش من موارد الدولة بحيث تبدو مهمة نسبياً. كما أن الفساد يطرح مشكلة مقلقة أيضاً في الجنوب داخل حكومة جنوب السودان حيث يتجلّى بوضوح أكبر. غير أن حكومة جنوب السودان تعي المخاطر التي يطرحها هذا الوضع. فقد تم صرف وزارة المالية بأكملها بما فيها الوزير وتم إعداد لجنة مكافحة الفساد. غير أن مركزية النفط في اقتصاد السودان يعني أنه لا بد من حصول التغيير على المستوى الوطني. تشكل اللجنة الوطنية للنفط، الهيئة المشتركة بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان التي لحظتها اتفاقية السلام الشامل والتي أبصرت النور أخيراً بعد أكثر من سنة من الإعاقات الإدارية، وهي تمثل نقطة بداية أساسية. ومع ذلك لا تزال الحركة الشعبية لتحرير السودان مبعدة عن القطاع النفطي، بحيث تعتمد على حسابات وأرقام تقدمها وزارات المالية والطاقة التي يسيطر عليها حزب المؤتمر الوطني.

نظراً لوضعية أبيي السياسية الفريدة، فإن تحديد مواردها النفطية يشكل عاملاً حيوياً للتمكن من فهم تصرفات الأحزاب وحساباتها بشكل أفضل، فضلاً عن تفادي النزاع وإيجاد الحلول الممكنة. وبهدف تحديد الثروة النفطية ضمن حدود أبيي، استخدمت مجموعة الأزمات، وكما سيُشار إليه أدناه، الخريطة رقم 1 من تقرير لجنة حدود أبيي  وخريطة أخرى لحقول النفط والبنى التحتية النفطية لأحواض المجلّد وملوت وقد اشترتها من شركة IHS Energy . بعد تطبيق المعلومات الشاملة المتوفرة على الخارطتين، أصبح بالإمكان تحديد أي حقول نفطية وأي آبار تقع ضمن أبيي كما حددتها لجنة حدود أبيي. وقد حدد بروتوكول أبيي أحكاماً خاصة حول تقاسم الثروة لعائدات النفط المنتج من أراضي أبيي ، بشكل منفصل عن النفط في الجنوب والشمال . بحسب هاتين الخارطتين، تملك أبيي ثلاثة حقول نفط أساسية- هجليج وديفرا ومجمع بامبو- وحوالى العشرة بالمائة من حقل توما ساوث .

أ. الإنتاج، الاحتياطي والعائدات

لم يستطع السودان في إنتاج النفط من تحقيق مستويات مهمّة إلاّ بعد استكمال خطّ لتصدير النفط عبر الأنابيب من وسط السودان إلى ساحل البحر الأحمر عام 1999. بدأت أعمال التنقيب أواسط  السبعينات ونجحت شركة شيفرون Chevron  بحفر العديد من الآبار في منطقة أبيي أوائل الثمانينات بدءاً بطيّب 1 عام 1981 . انسحبت شركة Chevron  عام 1984 بعد اعتداء الجيش الشعبي لتحرير السودان على منشآتها ولم يكن السودان يملك بعد الموارد الفنيّة أو الماليّة لتطوير موارده الخاصة. بدأت الاستثمار الجدي أواسط التسعينات، وشمل أبيي. عام 1996، بدأت شركة الطاقة الكنديّة المستقلّة  Arakis Energy بتطوير حقول هجليج، الوحدة والحقول المجاورة لها (القطاعان 1 و2) ومن ثمّ قدّرت حصر احتياطي 600 مليون القابل للاسترجاع بـ 1.2 مليار برميل .

دخلت Arakis في شراكةٍ اتحاديّة مع العديد من شركات أخرى موحّدة تحت اسم شركة النيل الكبرى لعمليّات البترول (Greater Nile Petroleum Operating Company) GNPOC بهدف جمع المال لبناء خطّ أنابيب Greater Nile Oil Pipeline(GNOP) الممتد على مسافة 1590 كيلومتراً من الحقول إلى مطراف سواكيم النفطي الواقع على مقربةٍ من مرفأ السودان . يعبر خطّ النفط في وسط منطقة أبيي الأساسيّة لإنتاج النفط (القطاع 2). انضمت إلى الاتحاد شركات صينيّة تولّت معظم شؤون الهندسة والتجهيزات والبناء لإقامة منشآت الحقول وخطّ النفط كما 70% من توريدات الخطّ . في شهر أيلول/سبتمبر 1999، غادرت أوّل شحنةٍ من نفط "خليط النيل" الخام مطراف التصدير.

بعد عام 1999، حلّق إنتاج النفط في السودان وبلغ عام 2000 حوالى 181000 برميل في اليوم في العام الأول لعمل خطّ الأنابيب الفعلي وارتفعت الأرقام بشكل مستدام في جميع الحقول التي يشملها عقد الامتياز حتّى العام 2003 حين بلغ الإنتاج حوالى 262000 برميل في اليوم. وفي خلال هذه الفترة، بدأ الإنتاج في القطاع 4، الذي يقع جزء كبير منه في أبيي. بحلول العام 2003، شكّلت أبيي مصدر أكثر من ثلث إنتاج النفط في السودان . ومنذ ذاك، بدأ الإنتاج في غالبيّة الحقول بالتراجع بما فيها الحقول في أبيي. ودخلت بعض الحقول الجديدة على الخط في أجزء أخرى من حقول تنازل GNPOC فلطّفت من نسب التراجع الإجماليّة كما ودخلت على الخط خطوطٌ وبنى تحتيّة إضافيّة (بما فيه أنابيب ومصافٍ جديدة) في مناطق أخرى من السودان بدءاً من العام 2003. وبحلول الفصل الأخير من العام 2006، شكّل إنتاج النفط من حقول حوض ملوت كما من القطاعين 5 و6 حوالى نصف إنتاج البلاد الذي تضاعف فعليّاً في فترة لا تتعدّى ثلاث سنوات.

انحسر إنتاج أبيي من النفط وتراجعت التوقعات بشكل حاسم بعد عام 2006. كما تراجعت أهميّة أبيي النسبيّة لقطاع النفط في السودان. وبالمقارنة مع أكثر من ربع مجموع إنتاج النفط لعام 2003، ستكون النسبة أقلّ من 8% لعام 2007. أمّا تقدير احتياطي النفط المتبقي في أبيي فهو عمليّة غير دقيقة. وانطلاقاً من الجدول أعلاه، يتوقّع بأن تكون أبيي قد أنتجت بين عامي 1999 و2006، 196 مليون برميل. وكان مجموع احتياطي مختلف الحقول المعروفة قبل الإنتاج حوالى 395 مليون برميل . وفي هجليج وهي أكبر الحقول في أبيي كان الاحتياطي القابل للاسترجاع قبل الإنتاج حوالى 200 مليون برميل. كما يُمكن إضافة 10% من إنتاج توما ساوث إلى هذه الحسابات أي 165 مليون برميل، ومجموع إنتاج هذه المنطقة 16.5 مليون برميل. وحالياً تتراجع معدلات إنتاج جميع الحقول في أبيي وهذا يعني إنتاج أكثر من نصف الاحتياطي القابل للاسترجاع. وتفيد أدلّة أخرى أنّ غالبيّة الاحتياطي القابل للاسترجاع المستنفذ تشمل نسبة قطع المياه المرتفعة وعمليّات الخرط القائمة في الحقول لا سيّما في القطاعين 1 و 2 .

لمعالجة هذه المشاكل، تصدر تقارير عن الحفر الأفقي وتشير إلى أنّ الحقول أصبحت في محطة الاسترجاع الثالثة. وبأخذ جميع هذه المواضيع بعين الاعتبار، إضافةً إلى توقّعات الإنتاج على المدى القصير، يبقى لأبيي حوالى 200 مليون برميل من الاحتياطي القابل للاسترجاع. وقد لا يكون بعض الحقول الأصغر حجماً مستداماً من الناحية الاقتصاديّة، حيث أقدم أعضاء اتحاد GNPOC على استثمارات كبيرة في مواقع أخرى في السودان. وبالتالي من المرجح أن يكون قد تم استنفاذ أكثر من نصف كميّات النفط التي ستنتجها مدينة أبيي أبداً. ولكنّ CNPC تتولى القيام بأعمال تنقيب جديدة في أبيي بما فيه في بحر العرب (نهر كير). ولكن يبدو أنّ العمليّات الجديدة تُلحق ضرراً بالبيئة فتُسبب طوفان وتغيّرات جذريّة في ريّ الأرض الزراعيّة .

ومنذ دخول بروتوكول أبيي حيّز التنفيذ في كانون الثاني يناير 2005، وُضعت خطّة لتشارك عائدات منطقة أبيي النفطيّة للفترة الانتقاليّة إلى حين استفتاء العام 2011 . ولكنّ رفض حزب المؤتمر الوطني الموافقة على الحدود التي رسمتها لجنة حدود أبيي يعني بأنّ عائدات أبيي النفطيّة لم توزّع على الشكل الصحيح. وتُقدّر العائدات بين عامي 2005 و2007 بحوالى 1.8 مليون دولار. وتبلغ حصّة حكومة جنوب السودان ونسبتها 42% مقدار 756 مليون دولار وحصّة لكلّ من ولايتي بحر الغزال وجنوب كوردوفان وشعوب دينكا نغوك ومسيريّة  البالغة 2% ، مبلغ 36 مليون دولار. وكانت الحكومة المركزيّة قد سددت بعض عائدات النفط إلى حكومة ولايتي جنوب كوردوفان والوحدة ولكن حيث لم يجرِ بعد ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، ولم تفسّر الحكومة بعد حساباتها، من غير المعلوم إذا تمّ تضمين بعض عائدات أبيي في ما يُسدد لهاتين الولايتين.

ب. التبعات

إذا اتضح بحول العام 2011 أنّ احتياطي أبيي المتبقي من النفط صغير نسبياً مقارنةً باحتياطي مواقع أخرى من السودان، فقد تفقد أبيي موقعها ولا تعود مصدر نزاع بين الخرطوم وأي حكومة مستقلّة محتملة في المستقبل في الجنوب. ولعلّ الخرطوم شجّعت على استثمار حقول أبيي بسرعةٍ أكبر لكي يحصّل النسبة الأكبر من الأرباح قبل الاستفتاء، على الرغم من غياب أي أدلّةٍ حول الموضوع. وحيث تتمتع الحقول في مواقع أخرى بخصائص إنتاج مشابهة ونظراً لتكوين أبيي الجيولوجي ولرغبة شركات GNPOC في تحقيق الحدّ الأقصى من المكاسب على رأس المال، تُطرح علامة استفهام حول قدرة خرطوم على التأثير في معدلات استنزاف الحقول. ولكنّ حزب المؤتمر الوطني كان على الأرجح على بيّنةٍ من مسلك أبيي الإنتاجي عندما وافق على اتفاقيّة السلام الشامل والبروتوكول على الرغم من أنّه لم يتوقّع أبداً أن ترصد لجنة حدود أبيي هذا القدر من الثروة النفطيّة في داخل أبيي التي ستخضع لاستفتاء عام 2011.

بمعزلٍ على الإنتاج، ستحتفظ أبيي بأهميّتها بفعل بنية خطّ الأنابيب التحتيّة. فلا يعتمد القطاع أ وحده على GNOP في أبيي بل يسلك القطاع 5 أ مسلكه حيث دخل حقل ثار جاث على الخطّ في شهر آب/أغسطس 2006. يُمكن أن تفوق تكاليف الترانزيت ما تجنيه أبيي من إنتاج يوم واحد وذلك رهنٌ بالتطوّرات في الجنوب وبمعدل تراجع احتياطي أبيي وأجله. فلن تستطيع أبيي أن تجمع رسوم الترانزيت إلاّ تحت سلطةٍ قضائيّة أخرى ولعلّ هذا قد يكون حافزاً للبقاء تحت سلطة الشمال. ولكن في حال بقيت أبيي في الشمال، لا ضمانة تؤكّد على أنّها ستتمكن من الاحتفاظ بهذه الرسوم فقد تراها تتسرّب إلى خرطوم. ولا يُحدد البروتوكول معنى أن يستمر "الوضع الإداري الخاص" تحت سلطة الشمال بعد انتهاء الفترة الانتقاليّة. وبالتالي تُعقد مفاوضات مهمّة قبل العام 2011 وهي يُمكن أن تؤثّر في نتيجة اقتراح أبيي كما في نتيجة الاستفتاء نفسه.

والأهمّ أنّ هذه الأرقام تُساعد على تسليط بعض الضوء على رفض حزب المؤتمر الوطني تقرير لجنة حدود أبيي. أمّا التبعات الماديّة فمهمّة. فحتّى في غياب خطر أن ينقل الاستفتاء أبيي إلى جنوبٍ مستقل، تعني موضعة هذه الحقول في أبيي أنّه يتعيّن على الحكومة المركزيّة أن تُشارك نصف العائدات بدل الاحتفاظ بها كاملةً في الميزانيّة الوطنيّة. وقد يقتضي إيجاد حلّ بشأن أبيي تحلّي الجيش الشعبي لتحرير السودان بالمرونة بهدف التخفيف من وقع الصدمة الماليّة على الخرطوم. وعلى العكس إذا أقدمت أبيي والمجتمعات المحليّة على منح هذا المبلغ من المال بنيّة حسنة إلى حكومة جنوب السودان، فقد تُساهم في تدعيم صفقة السلام. ولكنّ الدرب لا تزال طويلة والعمل كثير تمهيداً لتلقي هذا المال وتحديد الأولويّات. ويصحّ هذا بشكلٍ خاص لمجموعتي دينكا نغوك ومسيريّة  وهما الوحيدتان المخوّلتان صراحةً مشاركة الثروة النفطيّة ويصحّ هذا أيضاً لمقاطعات جنوب كوردوفان وبحر الغزال. وعلى الرغم من التطوّرات المحرزة، يتعيّن على حكومة جنوب السودان أن تحرص على استخدام عائدات أبيي النفطيّة استخداماً شفافاً وعادلاً على مستويي الإقليم والدولة.

IV. كسر الجليد        

لا بدّ من معالجة خطر النزاع المتجدد في أبيي على المستويين الوطني والمحلّي ولكنّ التحدي الأوّل يمكن في التغلّب على مقاومة حزب المؤتمر الوطني لتطبيق الاتفاقيّة بنيّة حسنة ويبدأ هذا بقبول تقرير لجنة حدود أبيي. فالطرفان واقعان في مأزق وعلى الأرجح أن تبقى جهود استحداث إدارة مؤقتة عالقةً بين أنياب الاختلافات بشأن الحدود والتمثيل في تلك الإدارة. ويرتبط تعنّت حزب المؤتمر الوطني باحتياطي أبيي من النفط. ويتعيّن على الأسرة الدوليّة، يقودها شهود اتفاقيّة السلام الشامل وهيئاته الضامنة، أن تبعث برسالة واضحة ومتماسكة إلى النظام تؤكّد فيه على التزامها قانوناً بتقرير لجنة حدود أبيي وبتطبيق أحكامه. وكانت الضغوط الدوليّة على أبيي خجولةً ويجب أن يتبدّل هذا الوضع بسرعة لخلق الجوّ السياسي الضروري في خرطوم لمعالجة المسألة.

 

وعلى المستويات المحليّة يتعيّن على بعثة الأمم المتحدة لدارفور أن تبذل مزيداً من الجهود لكي تفسح بالمجال للحوار بين زعماء دينكا نغوك و مسيريّة. وتبدو العلاقة بين هاتين المجموعتين مستقرّةً سيّما وأن انخراط مقاتلي مسيريّة  في الجيش الشعبي لتحرير السودان يحفف من خطر اندلاع نزاعٍ جديد، مع أنّه حيث يضيق صبر مسيريّة  وتزداد غضباً، فقد تنجرف للتورّط في خروج النزاع عن دارفور. ومن الإشارات المبكرة على هذا الغضب، الاعتداء المشترك الذي شنّته في شهر آب/أغسطس عناصر من حركة العدالة والمساواة و مسيريّة  على قاعدة للشرطة في واد بندا، شمال كوردوفان. ومن شأن إقامة إدارة فاعلة في أبيي يليها إطلاق عمليّة المصالحة التي تدعو إليها الاتفاقيّة أن يُشكّل الاستراتيجيا على المدى القصير لتحسين الظرف.

 

أمّا الخطر المحلّي الأبرز فيلد من خوف مسيريّة  يغذيه حزب المؤتمر الوطني، بأن يؤدي تطبيق بروتوكول أبيي والاستفتاء بشأن الانضمام إلى الجنوب، إلى خسارة حقوق الرعي. تحمي الاتفاقيّة هذه الحقوق ولكن يجب بناء الثقة وتطوير الضمانات بدعم من بعثة الأمم المتحدة إلى دارفور لتهدئة خواطر مسيريّة  ومخاوفها من أن تزول كأسرة رعاية. كما يُسجّل خطر أن يؤدي الإحباط بين صفوف نغوك دينكا نتيجة قصور أعمل التطبيق إلى أعمال عنف عفوية في المنطقة مما يؤدي بدوره إلى اندلاع نزاعٍ أكبر.

 

تقع المشكلة الأساسيّة مع احتياطي النفط الواقع ضمن حدود أبيي. ومن شأن تطبيق اتفاقيّة تشارك الثروات أن يبني فوراً دعماً محليّاً متيناً للاتفاقيّة. ولكن يجب التعاطي مع مخاوف حزب المؤتمر الوطني حيال الموازنة والقائمة على مشاركة ثروات أبيي النفطيّة والتبعات على المدى الطويل المترتبة عن انضمام أبيي المحتمل إلى جنوب مستقل. أبدت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان استعاداً لأن تتوخّى المرونةً بشأن عائدات أبيي النفطيّة ولوّحت مؤخراً بعرضٍ لمشاركة العائدات بعد الفترة الانتقاليّة . ويجب متابعة هذه المباحثات بشكل أكثر جيدّة وإحاطتها بمزيدٍ من الأهميّة. تتيح الولايات المتحدة والنرويج الخبرة الدوليّة لناحية استثمار النفط ويُمكن أن تتوسّع هذه المساعدة لبلورة صفقة حول مشاركة العائدات بين الشمال والجنوب.

 

كما يتعيّن على الطرفين التوقيع على مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجيّة (EITI) وهي مبادرة دوليّة انطلقت عام 2002 لتحسين الحكم والمساءلة في الدول الغنيّة بالنفط . ويجب أن تُرفق هذه التدابير بأخرى لمعالجة مشكلة الفساد المرتبطة بعائدات النفط المتوفّرة في السودان. كما يجب أن تتوسّع المساعدة الدوليّة لتشمل ولايتي بحر الغزال وجنوب كوردوفان وشعوب دينكا نغوك ومسيريّة  المحليين لمساعدتها على إقامة آليّات تخوّلها إدارة حصّتها من عائدات أبيي النفطيّة.

 

سوف تستمر أبيي على الأرجح في إثارة الاهتمام في خلال الفترة الانتقاليّة ولكنّها تقع في قلب اتفاقيّة سلام شامل تُطبّق بشكل مناسب كما تقع في صلب علاقات سلميّة بين الشمال والجنوب وحزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبيّة لتحرير السودان. ويتعيّن على بعثة الأمم المتحدة لدارفور، بمساعدة شركائها الدوليين أن تقترح قيام منطقة منزوعة السلاح خاضعة لإشراف الأمم المتحدة ودوريّاتها في أبيي، حيث يُشكّل هذا خطوةً مهمّة للتراجع عن شفير الحرب. ويُمكن أن تمتد هذه المنطقة على طول الحدود بين الشمال والجنوب بدءاً بالمناطق النفطيّة وغيرها من المناطق حيث تتركّز القوّات. ومن شأن قيام منطقة منزوعة السلاح أن يحدّ من خطر تجدد النزاع وانهيار اتفاقيّة السلام الشامل وأن يُتيح استتباب الثقة بين الشركاء. يتعيّن على بعثة الأمم المتحدة لدارفور أن تُشرف على اتفاقيّة السلام الشامل وتحرص على تطبيقها وعلى توفّر الموارد الضروريّة للتكيّف مع مخاطر جديدة فور قيامها. ومن أولى جهود الممثل الخاص للأمين العام أشرف قازي تلطيف الأجواء في أبيي والمناطق الانتقاليّة عبر التفاوض بشأن قيام منطقة منزوعة السلاح.

V.      خاتمة

 

يُرجح في أبيي أن تُحدد قدرة السودان على تدعيم السلام أو الوقوع مجدداً في الحرب. ويتعيّن على التقدم المحرز في هذا المجال أن يُعالج مجموعة أكثر شموليّةً من المشاكل حول تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل كما من شأن أعمال العنف المتكررة أن تُحبط اتفاقيّة السلام الشامل. يؤدي غياب إدارة محليّة وأي عمليّة تطبيق للبروتوكول إلى تنامي حدّة التوتر. فالحوار السياسي أسير الجمود. ولحماية سلام السودان الهشّ، يتعيّن على الأسرة الدوليّة أن تُبادر بسرعة إلى تطبيق بروتوكول أبيي كجزءٍ من عمليّة إعادة التزام شاملة بشأن قضايا اتفاقيّة السلام الشامل. ويقتضي الحلّ أن تتحلّى الخرطوم بإرادةٍ سياسيّةًٍ فتشرع في عمليّة تطبيق قوامها النوايا الحسنة. وحيث يُبنى موقع حزب المؤتمر الوطني على اهتمامه بنفط أبيي، من غير المرجح تحقيق أي خرقِ يُذكر إلى حين معالجة هذه المسألة بشفافية. ولا بدّ من ممارسة الضغوط على حزب المؤتمر الوطني ليقبل تقرير ABC "النهائي والملزم". ولكن لا بدّ من التحلّي بقدرةٍ خلاّقةٍ على التفكير لمساعدة النظام على التكيّف مع ما يتوجّب عليه لتسديد العائدات المستحقة لأبيي من استثمار النفط.

 

نيروبي - بروكسل، 12 تشرين الأول /أكتوبر 2007.

 

الملحق ب

 صافي عائدات أبيي من النفط، 2005

استناداً إلى أرقام الإنتاج التي حصلت عليها مجموعة الأزمات الدوليّة، ترد في ما يلي حسابات صافي عائدات النفط التقريبيّة من أبيي لعام 2005 . جميع أرقام الإنتاج هي بمقدار ألف برميل في السنة، أمّا أرقام العائدات فهي بمليون دولار في السنة.

1       إنتاج أبيي      26,665

2       إنتاج السودان  100,250

3       أبيي كنسبة من السودان        26.6%

4       إنتاج جنوب السودان  72,756

5       الجنوب كنسبة من إنتاج السودان     72.6%

6       حصّة الحكومة من إنتاج السودان     69,683

7       حصّة الحكومة كنسبة من إنتاج السودان     69.5%

8       حصّة الحكومة من إنتاج جنوب السودان     50,471

9       حصّة الحكومة كنسبة من إنتاج جنوب السودان      69.4%

10     إجمالي عائدات الحكومة من الصادرات      $1,793.70

11     إجمالي عائدات الحكومة من شحنات المصافي       $921.30

12     مجموع إجمالي عائدات الحكومة      $2,715.00

13     الثمن الضمني لكل برميل نفط مسلم على ظهر السفينة عن نفط الحكومة  $38.96

14     صافي عائدات الحكومة من الصادرات       $1,492.3

15     صافي عائدات الحكومة من شحنات المصافي        $759.4

16     مجموع صافي عائدات الحكومة      $2,251.7

17     مجموع صافي عائدات الحكومة بعد تخصيص حصّة 2% للولايات       $2,206.7

18     صافي عائدات حكومة جنوب السودان من الصادرات       $528.1

19     صافي عائدات حكومة جنوب السودان من شحنات المصافي        $270.3

20     مجموع صافي عائدات حكومة جنوب السودان (50% من صافي عائدات الحكومة من النفط القادم من الجنوب بعد تخصيص الحصص للولايات)  $798.4

21     تحويلات مباشرة من الحكومة إلى حكومة جنوب السودان لعام 2005 (بعد عمليّات التحويل الإضافيّة التي تمّت عام 2006)      $523.3

22     بعد التحويلات من حساب تثبيت عائدات النفط إلى حكومة جنوب السودان لعام 2005 (بعد عمليّات التحويل الإضافيّة تمت عام 2006) $96.3

23     مجموع التحويلات إلى حكومة جنوب السودان عن عائدات العام 2005  $619.6

24     النفقات المباشرة من الحكومة إلى حكومة جنوب السودان لعام 2005     $194.5

25     موقع حكومة جنوب السودان الصافي (من الموازنة) لعام 2005  $80.6

26     حصّص الولايات من العائدات (2%)        $45.0

27     حصّة ولاية الوحدة   $32.6

28     حصّة جنوب كوردوفان       $12.5

29     صافي عائدات أبيي التقريبيّة $598.9

30     حصّة أبيي من مجموع صافي العائدات (بعد حسم 2% لتوزيعها على الولايات) 26.6%

31     حصّة 50% للحكومة $299.5

32     حصّة 42% لحكومة جنوب السودان         $251.5

33     حصّة 2% لولاية بحر الغزال         $12.0

34     حصّة 2% لولاية جنوب كوردوفان $12.0

35     حصّة 2% لشعب دينكا نغوك المحلي        $12.0

36     حصّة 2% لشعب مسيريّة  المحلي  $12.0

 

تشرح الأسطر الخمسة الأولى نفسها بنفسها. أمّا حصّة الحكومة من الإنتاج (السطر 6) فهي ما يبقى بعد تغطية تكاليف الإنتاج وحصّة المقاوِل من الإنتاج (بحسب شروط كلّ اتفاقيّة تشارك في الإنتاج). خُصص حوالى 30.5 % من مبيعات السودان من النفط لعام 2005 لتغطية تكاليف الإنتاج والمقاولين . وحيث لا تشكل أبيي جزءاً من الجنوب، من المُلاحظ أنّ غالبيّة إنتاج النفط في شمال السودان لعام 2005 أتى من تلك المنطقة (مجموع الخطّان 3 و5 يقارب نسبة 100%). وفي تلك الفترة، سُجّل حقلٌ واحدٌ غير منتجٍ للنفط في الشمال وهو نيم وقد دخل على الخطّ عام 2005. في حين نورد 10% من إنتاج توما ساوث على أنّه من إنتاج أبيي، لا تفعل حكومة السودان المثل، وبالتالي تتضمن الأرقام في الجدول  إنتاج توما ساوث كاملاً باعتباره إنتاج من جنوب السودان. ومرد هذا إلى واقع أنّ أبيي مضافة إلى جنوب السودان تُشكّل حوالى 100% من مجموع الإنتاج السوداني في المنطقة .

تُحقق العائدات من تصدير النفط الخام وبيعه إلى مصافي السودان المحليّة. ويتيح إجمالي عائدات النفط احتساب متوسط سعر البرميل (الخط 13) . يخلو صافي عائدات النفط من تكاليف النقل والشؤون الإداريّة والتي تشكل حوالى 17% من إجمالي العائدات. بحسب شروط اتفاقيّة السلام الشامل، يجب أن يُخصص 2% من صافي عائدات الحكومات مباشرةً إلى ولايتي الوحدة وجنوب كوردوفان قبل إجراء مزيدٍ من الحسابات (الخطّ 26). ومن ثم تتقاضى حكومة جنوب السودان نصف صافي العائدات المنبثق من الجنوب أي 50% ضرب 72.6% ضرب 2.2064 مليار دولار أي 798.4 مليون دولار (الخط 20) .

حصلت حكومة السودان على مبلغ 523.3 مليون دولار من الخرطوم عام 2005 هو بمثابة عائدات نفط صافية وموزّعة من حساب الخطّ 20. وحيث لا يُمكن استكمال حسابات العائدات والتوزيع قبل شهرين من نقل الإنتاج وبيعه، استمرت حكومة جنوب السودان في الحصول على تحويلات عن إنتاج 2005 في العام 2006 وحصّلت مبلغ 119.4 دولار إضافي. كما تتمتع السودان بحساب تثبيت عائدات النفط الذي يُحصِّل مجموع عائدات الحكومة من بيع النفط بأكثر من $45 للبرميل. وكانت أسعار النفط العالميّة أعلى من هذا السعر لجزء كبير من العام 2005 وبالتالي أُدرجت الودائع التي تمثّل عائدات الجزء الأكبر من النفط المصدّر في حساب تثبيت عائدات النفط. عندما تقدم الحكومة على سحوبات إضافيّة الحساب، توزّع نسبة مئوية لاحقاً على حكومة جنوب السودان باستخدام ما يبدو أنّه المعادلة نفسها لتوزيع العائدات العام. وبلغت هذه النسبة 96.25 مليون دولار عام 2005 (الخط 94). كما تُسدد الحكومة بشكل مباشر 194.5 مليون دولار على شكل نفقات لعام 2005 تحت إشراف حكومة جنوب السودان التي حققت رصيداً إيجابياً صافياً بقيمة 80.6 مليون دولار بعد احتساب هذه العائدات والنفقات وغيرها لعام 2005.

بعد الإطلاع على صافي العائدات مقارنةً بإجمالي العائدات والتكاليف في السودان، يُمكن تحديد صافي عائدات أبيي التقريبيّة لعام 2005 انطلاقاً من إنتاج 73.055 برميل في اليوم وباعتبار أنّ صافي العائدات قد يبلغ النسبة عينها المطبقة للسودان ككلّ. أمّا العمليّة الحسابيّة فتتم على الشكل التالي: إنتاج أبيي للسنة ضرب النسبة المخصصة للحكومة (69.5%) ضرب نسبة صافي العائدات إلى إجمالي العائدات (82.9%)  ضرب متوسط سعر البرميل المحصّل عن دمج النفط المكرر محليّاً في السودان والنفط المصدّر لعام 2005 (38.96$). وتكون النتيجة حوالى 599 مليون دولار (الخط 29). وتُبيّن الخطوط من 32 إلى 36 عائدات إضافيّة كان يجب على الخرطوم توزيعها لعام 2005 بحسب بروتوكول أبيي بمعزل عن توزيعات أخرى لحكومة جنوب السودان والولايات المنتجة للنفط المُحددة في اتفاقيّة السلام الشامل. وحتّى ولو لم تُدرج نسبة صغيرة من إنتاج ساوث توما في أبيي، فأنّ عائدات 2005 المستحقة لحكومة جنوب السودان، والولايتين، ودينكا نغوك، ومسيريّة  تعدّت 285 مليون دولار. وهي لم توزّع حتّى تاريخه .

على الرغم من انحسار الإنتاج عام 2006، إلاّ أنّ عائدات أبيي كانت أعلى نسبياً من العام 2005 بفعل ارتفاع أسعار النفط. ويبدو أن متوسط سعر برميل النفط الخام المرجّح الذي صدّرته الحكومة وباعته للمصافي المحليّة بلغ 48.22$ عام 2006 أي بارتفاع قدره 24% . عام 2006، حققت الحكومة عائدات صافية (موازية للخطّ 16) قدرها 2.803 مليار دولار، أي بارتفاع قدره حوالى 24% . باستخدام متوسط عائدات أبيي أي 66296 برميل في اليوم لعام 2006، والنسب المكيّفة نفسها لحصّة الحكومة من التكاليف واتفاقيّات المشاركة العامة والنسبة المئويّة نفسها لتكاليف الإدارة والنقل، يبلغ صافي عائدات الحكومة من أبيي حوالى 671 مليون دولار.

ولكن بالنسبة إلى أبيي، حقق عام 2006 ذروةً في الإنتاج. ويُتوقّع أن تنخفض أسعار الإنتاج والنفط مقارنةً بعام 2006 في السنوات السابقة لاستفتاء 2011. ومن المنطقي أن يتراجع صافي عائدات أبيي الفعليّ بحلول العام 2011 إلى ثلث مستويات العام 2006 على افتراض أنّ الأسعار الفعليّة (المكيّفة بحسب التضخم) ستبقى ثابتة بعد العام 2009. وبالطبع سوف تتراجع الحصص الواجب توزيعها بالنسبة عينها. ولكن بالنظر إلى مستوى الفقر في أبيي وفي السودان بشكل عام، لا تزال هذه العائدات خياليّة وقد يُقدّر مجموعها بـ 1.4 مليار دولار للأطراف المحددة في البروتوكول عن الفترة الانتقاليّة (2005-2011).