بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الحبيب الإمام الصادق المهدي
التي القاها في مدينة جوبا يوم الجمعة الموافق 8/7/2011م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أحبابي في الله، وإخواني في الوطن العزيز.
قدمنا إلى الجنوب للمرة الثالثة منذ اتفاقية السلام، تلبية لدعوة من حكومة الجنوب للمشاركة في إعلان دولة جنوب السودان التي نتمنى لها النجاح في حكم يوفر الأمن، والعدل، والحرية، والسلام لأهلنا في الجنوب ونؤمن إيمانا قويا بأن الواهم كل الوهم من يظن أنه سوف يسعد إذا كان جاره شقيا، فالأمن والسلام والرخاء في بلدينا واحد لا يتجزأ، مشترك لا يتبعض.
ومع ذلك ففي القلب حسرة على ما فاتنا من وحدة كانت ممكنة إذا توافرت استحقاقاتها، وفي القلب أمل أن يصحب الفصال الدستوري وصال مجتمعي ترفده عوامل كثيرة.
عيناي واحدة ترى مسرورة  بحضورها جذلى وأخرى تذرف
أما سبب الحزن فهو ما فاتنا من المحافظة على سودان المليون ميل مربع المتنوع في مظلة الوحدة، السودان الواصل لما فصلته الصحراء الكبرى، السودان التجسيد المصغر لقارته الإفريقية.
أما السرور فسببه أن قطاعا هاما من إخوتنا في الوطن قد حققوا تطلعاتهم، ما قد يزيل عقبة نفسية من الطريق إلى مستقبل أخوي يرى الجاران فيه مصلحة مشتركة.
ففي عالم اليوم استطاعت بلدان كثيرة أن تحصر السيادة الوطنية في قوالب دستورية بينما تحقق تواصلا مجتمعيا بصورة تمثل حكمة العقاد:
لئن أنا أحمدت اللقاء فإنني لأحمد حينا للفراق أياديا.
أحبابي
التسامح أحد مفردات مكارم الأخلاق كالصدق والوفاء، والحكمة، والعفة، والكرم، وغيرها. مكارم قدستها كل ثقافات البشر حتى قبل الإسلام لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا بُعثتُ لأتمّمَ صالحَ الأخلاقِ" [1].
والتسامح قيمة خلقية أصيلة في تعاليم الإسلام إذ قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [2]، وقا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [3]).
ونظرة الإسلام لأهل الكتاب نظرة تسامح حميد. قال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءًمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)) [4]
ومع ذلك فإن كثيرا من المسلمين غيبوا التسامح وغرقوا في التعصب.
غزو التتار لبلاد المسلمين جعل بعض المسلمين يعرضون عن التسامح ويقولون إن آية السيف، ومعناها في نظرهم أن واجبنا أن نخير غير المسلمين بين الإسلام أو الجزية أو القتال، قالوا هذا الآية قد نسخت كل آيات التسامح في القرآن.
ففي نظرهم كفر الآخرين هو سبب قتالهم. والحقيقة الإسلامية هي أن سبب القتال ليس اختلاف الدين بل العدوان كما قال تعالى:(أًذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [5].
وعندما نشأت الدولة المستبدة لحكم المسلمين عزز الإستبداد التعصب وصار المتغلب يفرض سلطانه على الآخرين.
جلوا صارما ومضوا باطلا  وقالوا أصبنا فقلنا نعم!
وبالمقابل هناك تعصب في الأديان الأخرى: تعصب يهودي لا يعترف بالأديان الأخرى. ويعمد اليهود شعب الله المختار.
وتعصب مسيحي يعتبر من لا يؤمن بفداء السيد المسيح ساقط الإنسانية.
التعامل بين الأديان على أساس التعصب في عالم اليوم لم يعد ممكنا. التعصب الديني والثقافي في عالم اليوم يؤدي إلى حروب أهلية بداخلها، وإلى حروب بين الدول.
وحتى بعد قيام دولة الجنوب المستقلة ففي دولة الشمال وفي دولة الجنوب تنوع ديني وثقافي، تنوع لن يزول لأنه جزء من نظام الكون إذ قال تعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) [6]، وقال:(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [7].
التنوع حتمي والقضاء عليه بالقوة مستحيل، والحل الوحيد الذي يوجبه الإسلام وتوجبه منظومة حقوق الإنسان العالمية التي اهتدت إليها الإنسانية بعد طول نضال هو قبول الآخر والتعايش والتسامح كما قال تعالى: (لا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [8])، وقال:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [9]).
الهداية الدينية، والحكمة، والتجربة الإنسانية كلها توجب أن يتنادى القادة الدينيون في السودان الشمالي والجنوبي لكتابة ميثاق تعايش ديني نقترح له البنود الآتية:
أولا: الدين ضرورة للإنسان يحقق له الطمأنينة النفسية، و الرقابة الضميرية، والحصانة الأخلاقية، والتماسك الإجتماعي.
ثانيا: كفالة الحرية الدينية للكافة واجب فلا إكراه في الدين.
ثالثا: اعتراف متبادل بالأديان وبحق أتباعها في ممارسة عباداتهم وشعائرهم بلا موانع.
رابعا: النظام السياسي الذي نقبله هو الذي يكفل أمرين: حقوق المواطنة، وحقوق الاعتقاد الديني.
خامسا: لكل أصحاب ملة الحق في الدعوة لدينهم والعمل على تطبيقاته بالتي هي أحسن ما داموا يلتزمون بحقوق المواطنة للكافة ويتجنبون الإكراه.
سادسا: على كافة الأديان احترام حقوق الإنسان المتفرعة من خمسة أصول هي: الكرامة، الحرية، العدالة، المساواة، والسلام.
سابعا: الاعتراف بالتنوع الديني والتعايش يصحبه ميثاق يعترف بالتنوع الثقافي وكلاهما يمثلان حقوقا أصيلة من حقوق الإنسان.
لقد كان إغفال بروتوكول ديني وبروتوكول ثقافي من فجوات اتفاقية السلام.
إن مبادئ ميثاق ديني وثقافي مهمة للسلام الإجتماعي في دولتي السودان وفيما بينهما. ونحن في هيئة شئون الأنصار سوف نخاطب القيادات الدينية في دولتي السودان بهذه المطالب.
كثير من البلدان في إفريقيا، وفي الشرق الأوسط، وغيرها تواجه مشاكل التعايش بين الأديان فإذا أفلحنا في الاتفاق على هذا الميثاق الديني نكون قد ساهمنا في بناء السلام الاجتماعي على نطاق واسع في العالم.
و"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً فله أَجْرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها" [10] كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم.
وقال: استغفروا الله، فالاستغفار مخ الدعاء.
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على الحبيب محمد وعلى آله وصحبة مع التسليم، وبعد.
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
الأبطال الذين أتوا من كل أطراف السودان، عبد الرحمن النجومي من الشمال، وحمدان أبو عنجة من الجنوب، وعثمان دقنة من الشرق، والأمير يعقوب من الغرب، الذين حرروا السودان ووحدوه تاريخيا. والأبطال الذين حرروه مرة ثانية من دعاة الجبهة الاستقلالية بروافدها الشمالية، والجنوبية، والشرقية، والغربية، يقولون لو نطقوا بئس الخلف حراسا لحدود الوطن الذي سفكت دماؤنا دفاعا عنها.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها  ولكن أخلاق الرجال تضيق
وحدة في التنوع تغنت بها آدابنا على نحو مقولة زمراوي:
من سنار وسنجة يأتون
من عند السلطنة الزرقاء
من عند سلاطين الفور سيأتون
من كرمة من كنداكة كوش
من الرجاف من الجبلين سيأتون
سيأتون حبيبي من كل الأنحاء
انبرى قوم ضيقوا واسعا بمشروع أحادية ثقافية حزبية ضيقة اتسمت باستعلائية منفرة. أحادية إقصائية احتل الطرف الآخر منها قوم دعوا لعنصرية مضادة فكان مطلب تقرير المصير، وترجيح صوت الانفصال نتيجة حتمية لهذه المعادلة الصفرية. أقبل السودانيون على اتفاقية ضيعت وحدته وتوشك أن تضيع السلام.
الموقف الآن هو شمال ينقسم على نفسه، وجنوب كذلك منقسم على نفسه، وعلاقات شمالية جنوبية متوترة في أكثر من مجال.
هذا التشقق في كافة مجالاته قابل للترميم، بل أكثر من ذلك قابل ليصير من باب رب ضارة نافعة أو العترة التي "تسمّح" المشي إذا استطاع:
•   الشمال أن يعي الدرس ويخرج من خطة الانفراد والعناد ويخطو نحو بداية جديدة تتبنى النهج القومي وتحسم أزمة دارفور.
•    واستطاع الجنوب أن يطور الحوار الجنوبي الجنوبي لنهاياته القومية.
•   واستطاع البلدان استيعاب الدروس المستفادة من اخفاقات اتفاقية نيفاشا. وإخفاقات الفترة الانتقالية، والإقدام على إبرام اتفاقية جديدة بين البلدين تخلف اتفاقية نيفاشا.
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
نحن من جانبنا سوف نعمل كل المستطاع عبر الأجندة الوطنية لإقناع الحزب الحاكم في الشمال بأن قضايا البلاد تأزمت بصورة لا ينفع معها إلا نهج جذري في تبديل السياسات، والمنفذين لها، وسوف نقدم النصح الأخوي لحلفائنا السابقين من قادة دولة الجنوب بضرورة انتهاج بداية جديدة تلم الشمل الجنوبي لمهمة بناء الوطن.
كما نواصل الدعوة والعمل لإبرام اتفاقية توأمة بين دولتي السودان، وفي هذا الصدد يجب وقف العبارات النابية العدائية ضد الجنوبيين في الشمال وضد الشماليين في الجنوب وتطمين الكافة على حقوقهم وسلامتهم.
وإذا تقاعس المعنيون وقبل حلول طامة المواجهات المتوقعة يمكن التطلع:
•   للقاء سياسي شمالي جامع يتجاوز الحوارات الثنائية ربما رعته الجامعة العربية على نمط مؤتمر الطائف بالشأن اللبناني.
•        ولقاء جنوبي جامع تبدأ به الدولة الجديدة حياتها ربما برعاية إفريقية.
•   ولقاء بين دولتي السودان تحت رعاية دولية لا مجلس الأمن لقاء يتجاوز صيغة "القطاعي" والثنائي الذي اتسمت به محادثات أديس أبابا. لقاء بأجندة شاملة تحسم هذه القضايا المختلفة بين الدولتين وتحسم كذلك مطالب الدولتين من الأسرة الدولية وأهمها:
-    إعفاء الدين الخارجي – التعويض على تلويث المناخ- رفع العقوبات الاقتصادية- الدعم التنموي – أهداف الألفية الثمانية – الالتزام بدعم مشروعات استقرار الدولتين باعتباره لا يتجزأ.
إذا لم يدرك الشمال الحاجة لبداية جديدة بعد انفصال الجنوب، وإذا لم يدرك الجنوب الحاجة لبداية مرشدة لبناء دولته. وإذا لم تدرك الدولتان حاجتهما الماسة لبعضهما في مرحلة بناء المستقبل فإننا سوف نهدر مرة أخرى مهمة تحويل الأزمة لفرصة.
ولكننا إذا استوعبنا تشخيص الموقف و الروشتة العلاجية المطلوبة فسوف نجعل من السودان ببلديه طائر العنقاء الذي ينهض من رماده. (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[1].
إن للحق قوة ذات حد  من شباة الردى أدق وأمضى
اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا وأهدنا وأهد أبناءنا وبناتنا، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[2] حي على الصلاة.
\\\\\\\\\\\\\\\\\\