وثائق امريكية عن الازهري (25، الحلقة الاخيرة): السقوط:
واشنطن: محمد علي صالح
ابدا، لم يثق الميرغني والمهدي في الازهري
في الجانب الآخر، استغلهما الازهري حتى حقق الاستقلال
صراع فكري بين المدن والاقاليم
بعد تأسيس حزب الشعب الديمقراطي (الختمي)، صارت ايام ازهري معدودة
واشنطن: محمد علي صالح
هذه هي الحلقة الخامسة والعشرون (الاخيرة) من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات اسماعيل الازهري، اول رئيس وزراء في السودان (1954-1956).   بداية من اول انتخابات، واول برلمان.
منذ قبل استقلال السودان (يوم 1-1-1956)، حاولت المعارضة، التي كانت تتكون من حزب الامة وحزب الاحرار الجنوبي، اسقاط وزارة الازهري اكثر من مرة.  وفشلت.  
ثم زاد الاختلاف داخل الحزب الوطني الاتحادي بين جناح الازهري وجناح الختمية الموالي للسيد على الميرغني.  وصار واضحا انه صراع عقائدي حول تدخل الطائفية في السياسة.  
وعندما التقى الميرغني مع السيد عبد الرحمن المهدي، راعي حزب الامة، كادا ان يتحالفا لاسقاط وزارة الازهري قبل الاستقلال.  
لكن، نجح الازهري في البقاء حتى رفع علم السودان (اشترك معه محمد احمد محجوب، زعيم المعارضة).
وبعد الاستقلال عادت المحاولات، واضطر الازهري لتقديم تنازلات.  ووافق على تشكيل حكومة قومية برئاسته.
كانت حكومة مهتزة.  واستمرت خمسة شهور فقط.  دخلها عبد الله خليل، رئيس حزب الامة، كوزير للدفاع.  وكان فيها نواب الحزب الوطني الاتحادي، جناح السيد على الميرغني، زعيم طائفة الختمية.  وهم داخل وزارة الازهري، انشقوا عن الحزب الوطني الاتحادي، واسسوا حزب الشعب الديمقراطي.  
وصار واضحا ان ايام الازهري في  رئاسة الوزارة صارت معدودة:
نهاية الازهري؟:
من: سكوت لونغ، جريدة "منيابوليس ستار"
الى: السفير الامريكي، الخرطوم
الموضوع: مقابلة مع الازهري
التاريخ: "10-6-1956
"اشكركم على مساعدتكم لى عندما كنت في السودان.  وارسل لكم نسخة مما كتبت  عن الزيارة ...
(مع المقابلة صورة لجرسون في فندق "قراند اوتيل" في الخرطوم.  وهذه مقتطفات من المقابلة):
"هل اقتربت نهاية الازهري كرئيس للوزراء؟  يعتقد ذلك بعض السودانيين الذي قابلتهم في الخرطوم.  
وانا سألت الازهري هذا السؤال عندما قابلته في مكتبه.  وجدته قصيرا، وبدينا، وغامق اللون، وعمره 54 سنة، وعلى جانبي شعر رأسه بعض الشيب، وشارب انيق، وابتسامة دائمة، وسريعة.
منذ ان ظهر الازهري على المسرح السياسي في السودان، حدد له القدر مواجهة اكبر زعيمين دينيين: عبد الرحمن المهدي. زعيم طائفة الانصار، وعلى الميرغني، زعيم طائفة الختمية.  
كانت المعركة الاولى بينهما والازهري حول الاختيار بين الاستقلال والاتحاد مع مصر. وفي ذكاء واضح، وخطوة بعد خطوة، انتصر عليهما:  في البداية، تحالف مع الميرغني للاتحاد مع مصر.  ثم حول الميرغني عن الاتحاد.   ثم تحالف مع الميرغني والمهدي لتحقيق الاستقلال.
الآن، جاءت المعركة الثانية بينهما والازهري، حول ما بعد الاستقلال.  
ويبدو انهما سينتصران عليه هذه المرة.  اذا كان الازهري شجع التحالف بينهما حول الاستقلال، رغم عداء تاريخي بينهما، ها هما الآن يستغلان هذا التحالف ضد الازهري.
وصار واضحا  انهما يريدان اسقاط حكومة الازهري.  في اسوأ الحالات، في الانتخابات التي ستجري في السنة القادمة (سنة 1957).  وفي احسن الحالات، خلال شهور قليلة.   ويبدو ان الازهري على موعد مع القدر قبل الانتخابات ... "
حزب جديد:
من: السفارة، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية
الموضوع: حزب جديد للختمية
التاريخ: 30-6-1956
"صار الازهري مهددا بالسقوط بعد ان تاسس، قبل عشرة ايام،  حزب جديد لطائفة الختمية، اسمه "حزب الشعب الديمقراطي."  
رغم ان الختمية اعضاء في وزارة الازهري القومية الحالية، صار واضحا انهم يريدون، بالتحالف مع الانصار، اسقاط الازهري.  
بدل حكومة قومية، ستكون هناك حكومة ائتلافية من احزاب: الامة، والشعب الديمقراطي، وحزب الاحرار الجنوبي ...
يرأس الحزب الجديد على عبد الرحمن، وزير التربية في حكومة الازهري القومية الحالية، وكان وزير عدل في حكومة الحزب الوطني الاتحادي بقيادة الازهري ايضا.   وهو زميله في الكفاح من اجل الاستقلال منذ سنوات كثيرة.  لكنه اكثر قربا الى السيد على الميرغني من الازهري، واكثر ختمية.
وضم  الحزب الجديد حزب الاستقلال الجمهوري الذي كان اسسه ميرغني حمزة، منافس الازهري الاول.  ورغم ان السبب الرئيسي لتأسيس هذا الحزب كان الاختيار بين الاستقلال والاتحاد مع مصر، بعد الاستقلال، صارت للحزب، ولميرغني حمزة، طموحات ليقود السودان، ان لم يكن الاشتراك في قيادة السودان ...
وضم الحزب الجديد جناح محمد نور الدين، وزير الحكومة المحلية في حكومة الازهري القومية الحالية،  وكان وزير الاشغال في حكومة الحزب الوطني الاتحادي التي حققت الاستقلال.
ورغم ان  نور الدين اعترف بهزيمة تيار الاتحاد مع مصر، ظل يميل كثيرا نحو مصر. ومثل على عبد الرحمن، وميرغني حمزة، يعتقد انه ليس اقل قدرة من الازهري ليقود السودان.  
وهذه نقطة تدعو للتأمل:  زعامة الازهري للحكومة، وللسودان، لم تكن بتأييد منافسيه، وحبهم له، بقدر ما كانت بسبب رضوخهم للامر الواقع، وهو ان الازهري ذكي جدا.  
ولا تحتاج هذه النقطة للتفسير لان الازهري، نعم، هو الذي قاد السودان نحو الاستقلال.  وسيظل اسمه مرتبطا بذلك، لا اسماء ميرغني حمزة وعلى عبد الرحمن ومحمد نور الدين ... "
نواب حزب الشعب:
" ... بالارقام، يتمتع حزب الشعب الديمقراطي بتأييد ما بين خمسة عشرة وثمانية عشرة نائبا في البرلمان.
وهذه اسماء بعض قادة الحزب الجديد: على عبد ا لرحمن: وزير التربية.  حماد توفيق: وزير المواصلات.  امين السيد: وزير الصحة.  المرضي محمد رحمة (بربر)، محمد حمد ابو سن (رفاعة)، عمر حمزة (ريفي الخرطوم شمال)، ابراهيم ابو المعالي (ريفي الخرطوم جنوب)، حسن محمد زكي (الفونج جنوب)، مجذوب ابراهيم فرح (شندي)، محمد كرار كجر (الامرار والبشارية)، طيفور محمد شريف (الدامر)، هاشم محمد سعد (بورتسودان)، مجذوب ابو علي موسى (طوكر)، محمد محمود محمد (ريفي كسلا)، ابو فاطمة باكاش (الهدندوة).
يرعى الحزب الجديد السيد على الميرغني.  ويدعو دستور الحزب الى ان يكون السودان موحدا، والدستور اسلاميا، والعربية اللغة الرسمية، ومبادئ مؤتمر باندونق بالحياد وعدم الانحياز سياسة خارجية، سيرا على السياسة المصرية.
لم يكتب الحزب ان واحدا من اهدافه هي اسقاط حكومة الازهري، لكن صار ذلك  واضحا ...
ورغم ان حزب الامة شريك في وزارة الازهري القومية، بقيادة رئيسه عبد الله خليل، وزير الدفاع، صار واضحا ان عبد الله خليل لن يفكر اكثر من ثانية واحدة قبل ان يوافق على اسقاط الازهري.  واذا كان تمرد على الازهري قاده زملاؤه في الحزب الوطني الاتحادي، فما بالك بقادة حزب الامة المنافس تاريخيا للحزب الوطني الاتحادي؟ ... "
نواب كل حزب:
" ... يتمتع حزب الامة بتأييد اربعة وعشرين نائبا، وحزب الختمية الجديد بتأييد ثمانية عشرة نائبا، وحزب الاحرار الجنوبي بتأييد اثني عشرة نائبا.  هذ جملة اربعة وستين نائبا، قادرة على اسقاط الازهري ...
رغم ان كلا من  زميلي الازهري ومنافسيه: على عبد الرحمن وميرغني حمزة كان يؤد ان يكون رئيسا للوزراء، صار واضحا ان حليفهما الجديد، عبد الله خليل، سيكون رئيس الوزراء.
بالاضافة الى المطامع السياسية بين هؤلاء القادة، هناك جانب فلسفي، وهو الهوة بين الازهري في جانب والطائفية في الجانب الآخر، متمثلة في الختمية بقيادة الميرغني، والانصار بقيادة المهدي، في الجانب الآخر.  
لم يرفض الازهري، غير الطائفي، ان يتحالف مع الطائفية لتحقيق اهدافه المرحلية، ثم هدفه الكبير، وهو استقلال السودان.   لكن، الآن، يريد الطائفيون حكم السودان في تحالف بينهم لم يشهد السودان مثله في الماضي ... "
الازهري والطائفية:
" ... يعني هذا ان الطائفيين:
اولا: ظلوا، منذ البداية، يشكون في نوايا الازهري نحوهم، ويعتقدون انه كان يستغلهم.
ثانيا: يرون انفسهم اجدر بحكم السودان، خاصة بسبب قوة الانتماء الديني.
ثالثا: يعتقدون انهم يقدرون على القضاء على الازهري وحزبه نهائيا.
رابعا: لا يتحمسون لنفوذ سكان المدن الرئيسية.
ظهرت اهمية النقطة الاخيرة في الانتخابات المحلية التي فاز فيه الحزب الوطني الاتحادي في العاصمة والمدن الكبيرة على الختمية والانصار.
حسب معلوماتنا، يريد وسطاء ان يدخل الحزب الوطني الاتحادي وزارة قومية يرأسها عبد الله خليل.  لكن يبدو ان الازهري يفضل الوقوف في المعارضة، بعد ان صار بطل الاستقلال.
وحسب معلوماتنا، حتى قبل سقوط الازهري، وقبل تشكيل وزارة تحالف بين الختمية والانصار بقيادة عبد الله خليل، يشك الختمية والانصار في  نوايا بعضهما البعض.  لن يحدث اتفاق شامل بين هاتين الطائفتين المتعارضتين تاريخيا.  وحتى اذا دام التحالف بينهما فترة، لن يدم فترة طويلة ...
لهذا، يجب ان نلاحظ دور النواب الجنوبيين في البرلمان، وخاصة حزب الاحرار الجنوبي الذي سيدخل حكومة الختمية والانصار.  سيساوم الجنوبيون الختمية والانصار للحصول على "الفدريشن" مقابل التحالف معهم.
وايضا، يجب ان نلاحظ دور احزاب اخرى صغيرة في البرلمان، مثل الجبهة المعادية للاستعمار التي يمثلها حسن الطاهر زروق، ومثل محمد احمد محجوب، المستقل الذي فاز في دوائر الخريجين، ومثل الحزب الجمهوري الاشتراكي.
سيقدر هؤلاء على ضمان اغلبية قوية لوزارة عبد الله خليل.  لكن، هل سيقدروا على ضمان وزارة متجانسة؟ ..."
هزيمة الازهري:
من: السفارة، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية
الموضوع: هزيمة الازهري
التاريخ: 12-7-1956
"يوم 4-7، باقلية واحد وخمسين صوتا ضد ستين صوتا، سقطت وزارة الازهري في صوت ثقة، بعد ان صوت ضدها نواب الختمية والاتحادي وحزب الاحرار الجنوبي.  هذا تحول تاريخي وعقائدي وجغرافي، لان جهاز الحكم انتقل الآن من المدن الى الاقاليم.
في جانب، ينتشر الانصار في مديرية دارفور وجنوب مديرية كردفان.  وينتشر الختمية في مديرية كسلا.  وطبعا، الجنوبيون في الجنوب.
 اربعة وعشرون نائبا للانصار، وسبعة عشرة نائبا للختمية، واربعة عشرة نائبا لحزب الاحرار الجنوبي.  (تحالف معهم خمسة من الحزب الجمهوري الاشتراكي والمستقلين).
وفي الجانب الآخر، ينتشر الاتحاديون في العاصمة المثلثة، ومدن رئيسية، وشمال وشرق كردفان.
لكن، ربما لا يجب تضخيم قوة الختمية والانصار.  كانت جملة اصواتهم واحدا واربعين، مقابل واحد وخمسين للازهري.  ويظل الازهري يقود اكبر حزب في السودان ... "
-------------------------------
انتهت: خمسة وعشرون حلقة عن الازهري
-------------------------------
الاسبوع القادم: وثائق امريكية عن نميري
-----------------------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>