لو تم تشكيل حكومة أغلبها أطباء أو مهندسون ورئيسها طبيب مثلا، فلن يتم وصفها بأنها حكومة طبية أو هندسية !
فلماذا يتم وصف حكومة بأنها عسكرية إن كان على رأسها عسكري أو أن أحد نوابه يتبع لمؤسسة القوات المسلحة ؟ وهذا مناف لتعريف الحكومات العسكرية وهو أن تكون السلطة السياسية للدولة مكونة من مجموعة ضباط عسكريين يصنعون كل سياسات الدولة الداخلية والخارجية.


وقد تحدث معبود بعض الجماهير الإنجليزي "جون لوك" عن الحكومة المدنية وأفرد لها كتيبا، ولكن رؤيته التجريبية هذه قد تم تفنيد كثير من منطلقاتها ومخرجاتها من منظور شرعي يستند أحيانا على نصوص إلهية تشكك في مجمل نظرياته.
 
أما الشرعية فهي قد تعددت معانيها في العهد الحديث حتى صارت تعريفا بلا مدلول ثابت، فكل شريحة من المواطنين صارت ترى الشرعية بمنظور مختلف عن الشريحة الأخرى، فصار الواقع هو الأصل خصوصا إن ظهرت المظاهر المدنية على الحكم! ويبرز سؤال ماذا لو قام مدنيون بانقلاب في إحدى الدول للسيطرة على الحكم إنقاذا لتلك البلاد ؟ وماذا لو قام عسكريون بتغيير الحكم (مدنيا كان أم عسكريا) بطريقة مفاجئة ولكنها سلسة تشبه التسليم والتسلم دون إراقة الدماء أو إطلاق الرصاص بين الجانبين ؟
 


وعودة لدولة مثل السودان تنوء بالحروب الداخلية مدفوعة الأجر منذ ما يربو على 60 عاما، وتعاني مجتمعاتها المتخلفة عن العصر من التعصب القبلي والجهوي لدرجة حمل السلاح على الحاكم المنظم لأمر البلاد كلها، وتعتدي قبائلها على بعضها اعتداءات موسمية أشبه بالمجازر، كان لا بد من حكم عسكري فيها حتى تنضبط الأمور ، ولو يكون حكما عسكريا انتقاليا لمدة نصف قرن من الزمان يتم فيها بالعدل وضع الأمور في نصابها.


والحكومة القائمة في السودان هي حكومة لا علاقة لها بمسمى الحكومات العسكرية بأي حال من الأحوال، مما يقتضي الحاجة لتشديد القبضة حتى يتم ضبط الأمن في بعض الجيوب بالبلاد، وحتى يتم مواجهة الحركات المسلحة وأعوانها في مدن البلاد المختلفة وجامعاتها بما يحفظ أمن المواطنين جميعا، وإلى أن يصل المجتمع السياسي لمرحلة من النضج تجعله قادرا على خوض مفاوضات لا تتأثر بعوامل غير وطنية، وتصل بالسودان إلى السلام دون إضاعة لمزيد من وقت الوطن.
 


وطالما أن هناك تمرد عسكري مسلح تدعمه بعض القوى السياسية مشرئبة الأعناق لتجلس على كراسي السلطة بأي ثمن، فيجب أن يكون قائد البلاد على الأقل هو عسكري وقائد للجيش، وإلا ستنهار الدولة وأمن الوطن بخلاف بين مؤسسة عسكرية حريصة لديها حس أمني أعلى بكثير من المؤسسة المدنية التي تحيط بها، وستضيع البلاد في غمرة انشغال برلمانها بنقاشات حول كيفية مواجهة التمرد في البلاد، وبأي نهج...
ولكن وجود رجل واحد أو إثنين من خلفية عسكرية على سدة مؤسسة الرئاسة، غير كاف نهائيا لأن تسمى الحكومة بأنها عسكرية، وغير كاف لدفع التفاوض بين أبناء الوطن المتحاربين إلى عقد اتفاق سلام دائم.
 


ثم يظهر تساؤل معني بالحالة السودانية، هل يجب أن تسيطر الحكومة القابضة على الحزب صاحب الأغلبية ؟ أم العكس ؟ على اعتبار أن الحزب مدني، والحكومة مدنية، ومؤسسة الرئاسة شبه عسكرية !
وهذا (يتمثل بصورة رمزية) في كيفية اختيار أهم مسؤول في الحزب الحاكم، فهل يختاره الحزب نفسه ؟ أم تختاره مؤسسة الرئاسة للدولة كلها ؟


حيث (قد) تختلف بصورة كاملة معايير اختيار مسؤول مساعد للرئيس عن اختيار نائب رئيس للشؤون الحزبية... وما نجح في سابقون ليس شرطا أن ينجح فيه لاحقون ! فالشخصيات تختلف.
وفي شأن هذا الاختيار وتحديد معاييره ، فليتنافس المتنافسون.


علما بأن أي حزب حاكم للبلاد سيهتز وسيتضرر إن قام بتغيير هيكله كلما غيرت الحكومة جلدها ! فعدم الإستقرار هذا لحزب حاكم، يؤدي لعدم استقرار السياسات وكثرة تغيير الحكومات.


وأخيرا، تبقى آمال الوطن والشعب وعضوية جماهيرية كبيرة للحزب الحاكم معقودة في نواصي خيل المؤتمر الوطني، فلنوسد الأمر إلى أهله، ولنختار من الخيل ما فيه الخير ، ومن يرضي رب العباد عبر رضا عباده،

كيلا يرفع أشعث أغبر مدفوع بالأبواب يديه إلى الله مقسما عليه ، فيستجيب له.
 


م.أُبي عزالدين عوض
صباح 6 يونيو 2015
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.;  
 ////////////////////////