بسم الله الرحمن الرحيم

(1) الأهداف الحقيقية للرياضة.
يقول النبي الهادي: المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير...
وهي قوة غير إيمانية فقط، وتتعداها للقوة النفسية والعلمية والبدنية والإنتاجية والقوة الذهنية والفكرية، وكل أنواع القوى المشمولة ضمنا في آية رب العزة: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ، دون تحديد لنوعها.


ويقول المرشد العام: "إن العامل المخلص المتقن هو ذلك الإنسان الحاذق لصنعته وحرفته ، والذي يقوم بما يسند إليه من أعمال ووظائف بإحكام و إجادة تامة ، مع المراقبة الدائمة لله في عمله ، وحرصه الكامل على نيل مرضاة الله من وراء عمله.." .


وبما أن الإخلاص هو ثاني ركن من أركان بيعتنا التي تثبت أن (محياي لله رب العالمين) ، فعملنا وفنوننا و (رياضتنا) هي لله رب العالمين وابتغاء مرضاته بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
وإن الرياضة هي إحدى الأدوات المهمة لحكومات الدول كي تحقق بها أهدافا مهمة و جليلة لشعوبها، فتتنوع أهدافها بين ملء وقت فراغ الشعوب وإرضائهم، وتفريغ الطاقات البدنية والنفسية التي قد لا تجد لها متنفسا طاهرا، وتقوية البدن والعقل من قبيل التماهي مع أجواء دعائنا (اللهم أعنا على حسن عبادتك) !


ومما يمكن الوصول إليه عبر التوسل بالرياضة هو التحسين والتثبيت الإيجابي لإسم و صورة الدولة المعنية وشعبها في ذهن العالم، ودعم الاقتصاد الوطني للدولة عبر إقامة المناسبات الرياضية الكبرى فيها، إضافة إلى رفع نسبة صادرات الدولة عبر رفع القابلية الإستيرادية النفسية للشعوب الآخرين! ودعم اقتصاد الأسر التي تعيش من وراء عالم الرياضة بفروعه، حيث إن الرياضة هي إحدى رافعات الفقر في خطط كثير من الدول لتحجيم الفقر وسط الشرائح الضعيفة في المجتمع، وربما يصل الأمر في مداه إلى نشر التوجه الفكري لحكومة ما عبر زيادة المشجعين لفرقها والذين يتحولون إلى مؤيدين للدولة وما يصدر عنها !

 وعندما تشجع شعوب العالم فريقا رياضيا وتحترمه ، فإن هذا تأييد و احترام لكامل الشعب و الدولة التي أتى منها أولئك اللاعبون ، بل إن هذا قد يكون مدخلا لشعوب العالم كي ترغب في معرفة كل ما استطاعوا عن هذه الدولة المبدعة رياضيا، وتعرف  فكرها وتاريخها ولغتها وأديانها، بل يصبح هنالك رابط وجداني بينهم وبين جمهور تلك الدولة، تعاطفا معهم وتأييدا لها.
فالكل يعلم حجم التعاطف من جمهور رياضيي العالم والذي يمكن أن تلقاه البرازيل مثلا لو حوصرت اقتصاديا أو تم ضربها بالطائرات !
فماذا فعلنا نحن في السودان ، سواءا من جانب الحكومة أو الرياضيين أو المشجعين ، لاستغلال الرياضة مثل بقية شعوب العالم ؟ وهل العائد من التمويل ومن التدريب ومن الإهتمام، وما نصرفه و ندفعه من معينات وجهد ووقت فيها يوازي الفائدة المرجوة أو النتائج المخطط لها ؟


 
(2) الحلول المتكاملة للرياضة.
فوزارة الرياضة هي قناة لتوصيل الدعم والإسناد لقطاعات أخرى غير رياضية ووزارات مثل وزارة السياحة ووزارة الصحة ووزارة المالية والإقتصاد الوطني ! بل وزارة الداخلية والتربية كذلك.
 
وعند النظر لدول مثل البرازيل ونيجيريا وإسبانيا كأمثلة غير حصرية، فإن المستورد سيفضل السكر أو البن البرازيلي على السكر والبن الكولومبي والبيروفي ! وذلك لقلة المعرفة بكولومبيا والبيرو، مقابل معرفة مكثفة بالمنتخب البرازيلي في كرة القدم وكرة طائرة الشواطئ في ساو باولو و ريودي جانييرو! وليس لمعرفة بالجودة والنوعية للمنتج نفسه.

وإذا كنت سأختار عاملا قويا وماهرا لشركتي ، فسأفضل النيجيري على السوازيلاندي، لأني أعرف شيئا عن نيجيريا وهي منتخبها لكرة القدم ولاعبوه الأقوياء المهرة ، فبالتالي سيكون في ذهني أن مجتمع نيجيريا يخرج منه أمثال هؤلاء ، ولكن مجتمع سوازيلاند في أذهاننا لا يضارعهم قوة ومهارة ! وقد تكون الحقيقة معاكسة لذلك تماما، ولكنها رسالة كرة القدم النيجيرية للعالم !

قد تكون البضاعة البلغارية ممتازة ، ولكن سأرجح عليها البضاعة الإسبانية ، فأنا أعرف الدوري والمنتخب الأسباني ، مما يعطيني دعما نفسيا لتفضيل منتجهم وصادرهم على البلغاري! كما يمكنني أن أتقبل وأثق في جودة مبادئ الإسباني خوسيه ثاباتيرو الإشتراكية أكثر من مبادئ البلغاري سيرجي ستانيشيف الإشتراكية، فقط لأن بلغاريا لم تشتهر رياضيا كشهرة إسبانيا !!

ولكن مفهوم الرياضة لدينا لا زال محصورا في التعصب لكرة القدم ولفريق أو فريقين ! رغم أن ما أنجزناه فيها لا يساوي حجم الإهتمام بها ولا الزمن الذي قضيناه فيها، فواجب شرعي علينا إما أن نأخذ الرياضة كعلم قبل أن تكون فنا من الفنون الجميلة ! وأن نعمل بكد لها و نحسن عملنا ، ونخلص فيه النية لله و الوطن ، وإما واجب علينا أن نترك هذه الرياضة المحددة إلى غيرها مما يحقق لنا الرفعة والعزة في الحياة الدنيا !  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
وأخبر نبينا الكريم أنه لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه وكذلك عن علمه ماذا عمل فيه أو به..


(3) التخطيط الإستراتيجي والرياضة.
وبما أن الدين هو مقاصد آنية وآجلة وغايات مستقبلية موصولة زمنيا باليوم الآخر، فيصير التخطيط الرياضي للمستقبل للوصول للغايات الجليلة جزءا من تطبيق الشرع على المجتمع، وهنا يجدر الذكر بأن على المجالس الولائية العليا للتخطيط الإستراتيجي مراجعة عملها في القطاع الإجتماعي، حيث لوحظ أن مؤشراتها البسيطة التي ابتدعتها بعض مجالس التخطيط الولائية للقياس فيها قصور كبير عن فهم فلسفة القياس نفسه، وفلسفة و أسس تركيب المؤشرات لتوجه الأداء الكلي للقطاع الإجتماعي الثقافي الذي يحوي وزارة الشباب والرياضة، كما أنها غير مصطفة مع مؤشرات المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي أو مؤشرات الحزم المتآزرة لمجلس الوزراء من ناحي ، ثم هي غير متواكبة ومتسقة مع مقاصد وغايات الرياضة في كل ولاية من ناحية أخرى، وهي مؤشرات لاحظناها غير مؤشرة إلى تنفيذ خطط وزارات الشباب والرياضة، وبعيدة كل البعد عن التأصيل الرياضي والبناء التربوي.


ناهيك عن عدم وجود المؤشرات الكيفية والوصفية في مثل هذا القطاع المهم. وكان الأجدر ربط طريقة حساب وإنتاج المؤشرات بالفاعلية وبالغايات والأثر مما يؤدي لاصطفاف وزارات الرياضة نحو الغايات الإستراتيجية (الكلية) للدولة.. هذا إضافة لضرورة مراعاة العمل التكاملي في هذا المستوى التخطيطي من حيث قياس أثر الرياضة على الصحة والسياحة والتربية والتزكية والبناء النفسي والعقلي لممارسيها في المجتمع السوداني،  ودورها في التنمية الإجتماعية والاقتصادية.


فعدم الربط في طريقة إنتاج بعض مؤشرات القياس للأداء يؤدي إلى تخطيط تجزيئي ضحل وإن كان في ظاهره بعيد المدى وهو يشبه عملية الترقيع الذي سيقود إلى الفشل عند إحكام النظرة الكلية للتخطيط في البلاد، بعيدا عن الشكليات المظهرية في التقارير.


وكمثال على الولاية العاصمة، فقد كان متوجبا على المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي حين تم وضع مؤشرات القياس لهذا القطاع أو الوزارة مؤخرا في دليل مارس 2015 أن يراعي اختصاصات ومهام وزارة الشباب والرياضة بحسب القرار الجمهوري لسنة 2001 و المرسوم الولائي لسنة 2006 و 2012 ، أو اختصاصات الوزارة بحسب قانون الشباب والرياضة لولاية الخرطوم لسنة 2007، بحيث تكون مستويات التخطيط والتنفيذ والرقابة والقياس تسير في مسارات موحدة أو متوازية دون عشوائية أو تجاهل للمراسيم الجمهورية والولائية.

(4) عودة تأصيلية للرياضة.
إن مفهوم الرياضة يجب أن يخرج من الدائرة الرقمية لأعداد ملاعب الأندية واللاعبين، ومن دائرة الفوز بكأس وميدالية، إلى دوائر أوسع و أهداف أسمى مثل تعريف العالم بدولتنا وثقافتنا و ديننا و فكرنا وشعبنا، ولكن بصورة إيجابية جاذبة، وأن نضع في حسباننا أننا قد نهدي رجلا أو مشجعة لفريقنا للإسلام عبر حبهم لنجاحنا في الرياضة، واهتمامهم بهذه الدولة التي يشجعون أبطالها ! وقد نجذب استثمارا لبلادنا عبر إعجاب بنتاج إدارتنا للشأن الرياضي فيها ! وقد نشغل ناشئينا في المدارس عن اتباع نهج السوء، بالتنافس خارج السودان لصقل تفكيرهم وتلقيحه ورفع معايير نظرهم للأمور من سن مبكرة.. وغيرها من أهداف سامية في كل اتجاه دون حصر.

وقد قال الإمام، باختصار عنه : "تستطيع أن تقول ولا حرج عليك إننا دعوة سلفية و طريقة سنية و حقيقة صوفية وهيئة سياسية و (جماعة رياضية) ورابطة علمية ثقافية و شراكة اقتصادية و فكرة اجتماعية."


كانت هذه المقولة المختصرة منهلا أساسيا للتوجه الحضاري (المنشود) في بلادنا. وقد قال الإمام في مناسبة أخرى توضح المفهوم العام للرياضة لدى جماعات المسلمين: "لسنا فرقا رياضية ، وإن كانت الرياضة البدنية و الروحية من أهم وسائلنا.." ، وتجسد ذلك في الشعار الذي تناسيناه حتى نسيناه: هي لله ، هي لله.. بل حتى قد نسينا آية الخالق الكريم : "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".


والرياضة تدخل في إطار حديث حنظلة ، حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "... لو تدومون على الحال الذي تقومون بها من عندي ، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم و في طرقكم وعلى فرشكم ، ولكن يا حنظلة ساعة و ساعة" . وكررها له ثلاث مرات.
ولكن (ساعة وساعة) هذه للترويح عن نفوس الأفراد والجماعات، قد تخرج من أجر النية الخيرية ولكل امرئ ما نوى، إذا اتبع أهل الترويح أهل الفساد دون مراقبة ومحاسبة ومعاقبة لمن يعيثون في أرض الرياضة فسادا.


(5) محاربة الفساد الرياضي.
فالفساد الإداري وكذلك المالي صار يضرب بعضا من زقاقات الرياضة في السودان خصوصا بعد تطبيق أهلية الرياضة في انتخاباتها، وبعد تغول أهل المال للسيطرة على الأندية والإتحادات والصحف الرياضية، بدل أن يكون أهل المال هم السند لأهل الإدارة فيها. وصار بعض الإعلام الرياضي هو معول هدم للمنافسين من أبناء الوطن، في تعصب ضيق واضح دون أي ضوابط أخلاقية أو شرعية في ممارسة الصحافة الرياضية، في تدمير واضح لممسكات الولاء الوطني، وكأنه لا شرف لمهنة الصحافة، ولا أخلاق أو وطنية لمجتمع الرياضة.


فصرنا نحتاج لنهج المحاسبة في القطاع الرياضي كله ، للإداريين وللفنيين وللاعبين واللاعبات ولقبيلة الصحافة الرياضية. استجابة لدعوة السيد الرئيس البشير لوثبة الإصلاح والتطوير بما فيه الإصلاح الرياضي الإجتماعي ، وتنفيذا لمطلب نائب الرئيس بكري حسن صالح كي نبتر الفساد في كل قطاع ويشمل ذلك سوح الرياضة، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.


والمحاسبة تكون لكل من يفشل في شؤون الرياضة إدارة أو أداءا أو نتيجة، ولكل من استبعد المعاني الرسالية من الرياضة في ممارسته لأي جانب منها ، ومن قاموا بإلغاء الغايات العظيمة من وراء وسيلة الرياضة ، و محاسبة كل من قام بإيذاء سمعة البلاد و صورتها لدى شعوب العالم ، التي تقف ساعات تتفرج على نتيجة تخطيطنا في منتخبات الرياضة ، باللغة الرياضية الجميلة التي يفهمها كل العالم مثل لغة الفنون الجميلة ، ولا تقف إلا دقائق أو ثواني معدودة لسماع خطبة سياسية ، قد تكون بلغة أخرى غير التي يفهمونها.
فإن اختلفت العقول والنفوس البشرية في تقبل الأيديولوجيا، فهي لا تختلف كثيرا في تذوق وتقبل الجمال في شتى ضروب الرياضة.


أخيرا، يجب عدم ظلم أهل الرياضات كلها دون استثناء، فكل شريحة من المواطنين تهوى ما تهوى، بل لا يجب كذلك أن نظلم أنفسنا ووطننا بنتائج رياضية وأداء مهين لنا، وذلك حتى لا يتم إفراغ هتافنا في الملاعب من محتواه ومعناه، ويبقى الهتاف المعتاد في الميادين حقيقيا ولو بعد حين : فوق فوق سوداننا فوق.. وبالطول بالعرض: سوداننا يهز الأرض.


ولتحقيق ذلك، فعلينا الإستهداء بمطالبة السيد الرئيس البشير للأحزاب السياسية كلها بما فيها الحزب الحاكم، للخروج من التنافس الحزبي الضيق إلى التجمع لتحقيق المصالح الوطنية المشتركة... فنقوم في الرياضة كذلك بالخروج من التنافس الداخلي الضيق بين الأفراد والأندية، إلى رحابة التنافس الخارجي الذي يحقق المصالح الوطنية المشتركة للجميع، بل يصل أحيانا لتحقيق المصالح العربية والإسلامية والإنسانية المشتركة !


 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
24 أغسطس 2009 - تعديل 16 مايو 2015