بسم الله الرحمن الرحيم





قام حزب المؤتمر الوطني بتفعيل كوادره و خبرائه منذ شهر يوليو 2013 للقيام بالتناقش والتشاور حول المتغيرات والتحديات الجديدة التي تواجه السودان والحزب الحاكم، فاختار عشرة محاور رئيسية للحوار الداخلي، منها 6 متعلقة بعموم الدولة و 4 متعلقة بخصوص الحزب. وقد شارك أكثر من 600 شخص في أكثر من 100 اجتماع لكتابة ما يربو على 400 صفحة متعلقة بالعمليات الإصلاحية والتطويرية المرجوة لأداء الحزب وأداء الحكومة في الفترة المقبلة من عمر السودان.
وقد توصل جميع المشاركين إلى ضرورة إشراك الجميع في بناء الوطن في المرحلة المقبلة، خصوصا أن الإستهداف الخارجي ليس موجها لحزب بعينه، بقدر ما هو موجه للسودان كله، شعبا و ثروة وأرضا وحكومة ومعارضة، ما يستدعي تمتين البناء الداخلي للسودان بكل مكوناته دون استثناء.

وقد رأى الحزب أن ما يتعلق بإصلاح وتطوير نفسه ضروري ليس من أجل الحزب وحده، بل من أجل أنه الحزب الحاكم حاليا، وأنه الحزب المشارك مستقبلا في عملية الإصلاح الوطني الشامل، دون الإنفراد بالرأي والقرار. وبالتالي فإن في إصلاح وصلاح الحزب الحاكم كل الخير للبلاد، ونفس الأمر ينطبق إن صلح حال الأحزاب المشاركة مع المؤتمر الوطني، وكذلك إن صلح حال المعارضة.
لذلك انتهت الجلسات التاريخية لتصحيح المسار الوطني والحزبي، إلى ضرورة مخاطبة السيد رئيس الحزب ورئيس الجمهورية لكل مكونات الشعب السوداني، ليسهم في المسيرة المقبلة، إنقاذا جديدا ومتجددا لمركب السودان.

وعندما علم بعض من لا يزال في حالة إدمان للمكايدات السياسية، أن الحزب الحاكم بصدد الإعلان عن هذه الخطوة الكبيرة في مسيرة البلاد، قام مستعجلا بالضغط الإعلامي المكثف لتهيئة الشارع السوداني لعدم الإستجابة النفسية مع هذه الدعوة الوطنية، وذلك برفع سقف المطالب بصورة خيالية وغير منطقية، مكايدة سياسية ضد الحزب الحاكم والأحزاب المشاركة معه في الحكم.
ولكن الحزب الحاكم الذي حزم أمره على أن يبدأ بنفسه ومهيئا الآخرين لذلك، يدعو في مرحلته المقبلة إلى التوحد الوطني، والترفع عن محاولات إحراز نقاط سياسية حزبية ضيقة لصالح أجندة هذا الحزب أو ذاك، والإرتفاع إلى مستوى المصالح الوطنية المشتركة. داعيا إلى التحاور بالحسنى دون استثناء أو عزل لأحد أو لأي قوى سياسية، بما فيها القوى التي حملت السلاح، طالما أنها ستلقي سلاحها، تغليبا لمنهج الحوار الجدي بين جميع المكونات الوطنية.
وقد كان من المطالب الخيالية لبعض من أسكرتهم أهواء أنفسهم ومطالبهم الحزبية الضيقة، هو أن يتخاذل الحزب الحاكم عن مؤيديه وجماهيره من عضويته وممن قاموا بالتصويت له في 2010، ليقوم بتسليم الحكومة إلى القوى المعارضة التي خسرت الإنتخابات إما بالمشاركة أو بالخوف من المشاركة، فيما يسمى بالحكومة الإنتقالية، ولكن الحكومة متضمنة أحزابها المشاركة فيها الآن، وبعد التشاور معها، فإن بإمكانها إن رأت التنازل لتشكيل حكومة أكثر قومية من الحالية تشمل الخاسرين في الإنتخابات الماضية أو المنسحبين لعدم جاهزيتهم وقتئذ...

كما كانت من المطالب (الحزبية) الضيقة لمن لم يبدأ استعداده لانتخابات أبريل 2015 حتى الآن هو أن يتم تأجيل الإنتخابات في مخاطرة وضع البلاد في فراغ دستوري ووضع غير قانوني لفترة يستعد فيها البعض لزيادة فرص فوزه على منافسه!! وكان أن نشط الإعلام الورقي والإلكتروني لبعض هذه القوى في إيهام الناس فترة بما يمكن أن يرشح عنه الخطاب، ليظن الناس أن أحلام حزب ما من هذه الأحزاب هي أحلام المواطنين أنفسهم !
بل تواصل المد الإعلامي غير الواقعي، ظانا أن الحزب الحاكم وجماهيره في حالة وهن، يمكن أن تدفع رئيس البلاد ليستقيل مبكرا قبل عام وشهرين من إكمال دورته، وأن يحل الحزب الحاكم بجماهيره وعضويته !!
وقد ابتدر الحزب الحاكم هذا الحوار في هذا العام 2014، وهو في وضع أقوى منه في العام 2013، وأكثر تماسكا في العام الجديد، بعد أن أخرج من جوفه ما كان يعييه وبعد أن استقر الأمن، طالبا أن يتمدد هذا التماسك الحزبي إلى جميع المكونات الوطنية، وأن تتوحد منها ما استطاعت أن تتوحد، كيلا تكثر التشاكسات والخلافات التي تضيع الوقت على الشعب والوطن.

فكان خطاب السيد رئيس حزب المؤتمر الوطني الذي – ورغم تعقيد لغته - قد لامس كثيرا من التحديات التي تواجه عموم الأمة السودانية والوطن، لا الحزب وعضويته الكبيرة فقط. وقد حاول فيه فتح الباب أمام تناسي المرارات بين الأحزاب كلها، والإبتعاد عن النهج الإقصائي سواءا من الحاكم أو المعارض، هذا النهج الذي أثبت أنه لم ولن يستأصل جمهور حزب ما.. وكان التأكيد في خطاب الرئيس على دعوة الجميع بما فيهم عضوية حزب المؤتمر الوطني لتناسي الخلافات والبدء في الحوار حول الأوراق الإصلاحية والتطويرية، فيما يتعلق بالمصالح الإستراتيجية المشتركة للشعب والوطن، ومقدما ما أسماه بالولاء الوطني المستنير على الولاء الحزبي الضيق وكل الولاءات الجزئية الأخرى، وداعيا الجميع إلى وقف الهزء بالخصوم السياسيين والذي شوه صورة الشخصية السودانية السياسية أمام العالم أجمع.

وبكل أسف لم يتنبه (بعض) الإعلاميين لوجوب استلهام روح خطاب الرئيس في كل ما ينشر حول العلاقات بين القوى السياسية في البلاد، فقد حاول الإعلام المغرض تشتيت مضامين الخطاب، رغم تجاوب كثير من القوى المعارضة لفكرة ومبدأ تغيير النهج الوطني لكل القوى الحاكمة والمعارضة، وقد قام بعض من نحتاج وقتا لصهرهم في البوتقة الوطنية بالتركيز على شكل الخطاب وإبعاد الآخرين عن التفكر في مضامينه، بل وفي مغزى حضور القوى السياسية لذاك اللقاء التاريخي، ذي النكهة التصالحية الوطنية.

ونشير في خطابنا إلى عدم تفريقنا بين القوى السياسية الإنتخابية صاحبة الجماهير الكبيرة، والقوى السياسية غير الإنتخابية التي لا تقوى على التنافس معها إلا بالتحالف غير المتناسق أو بالسلاح أو بالضغط المتواصل أو بتكسير المصالحات الوطنية. فلكل جهة و حزب وشخص ما يمكنه تقديمه للوطن، دون شرط أن يكون ممسكا بنواصي الحكم، أوجالسا على كراسيه، وهذا كممارسة معارضة رشيدة وجديدة علينا تعين فيها الحاكم على تحسين أوضاع البلاد وشعبها.
لذا نفرد حيزا لإلقاء بعض الضوء على مضامين خطاب السيد الرئيس بمرتكزاته الأربعة، و بعض الإشارات المتعلقة بالورقات الإصلاحية التي تمت دعوة القوى السياسية كلها للتشاور حولها، والبدء في تنفيذها، بمصفوفة زمنية واضحة، كيلا يضيع المزيد من الوقت على الوطن، تحاربا في من يجلس على كرسي حكمه، وفي من يحالف من، ومن يعارض من.

(1)
قام السيد الرئيس في خطابه –التوطئة- بالمجادلة الحسنى، ذاكرا أن الحزب يرتقي بمصالح الوطن على مصالح الحزب وداعيا الآخرين لعونه في هذا النهج باتباعه.
ومذكرا بالإحتقان السياسي الذي نعاني منه تعصبا سياسيا أو جهويا أو قبليا، والذي يجب تفكيكه لمصلحة البلاد، ومعترفا ببعض القصور والخطأ البشري في ممارسة الحكم أو في عدم الوصول إلى كل نتائج السياسات المرسومة.
وقد أشار إلى أبرز ما تعاني منه البلاد، مثل الإحتراب والإقتتال، والتعصب القبلي والحزبي، والفقر، وضعف الولاء الوطني.  ذاكرا أن هناك تحديا كبيرا على الأحزاب وعلى رأسها المؤتمر الوطني ليضع السلام موضعه الذي لا يعلى عليه في منظومة القيم.

كما ابتدر الخطاب تهيئة البيئة السياسية والأجواء الوطنية لاستعادة الأحزاب الأضداد ثقتهم في بعضهم، وذاكرا أنه من مطلوبات المرحلة توسيع الحريات بقدر المسؤوليات، ووجوب زيادة مساحة الحرية للتسابق للمقعد الدستوري إعدادا للإنتخابات المقبلة التي ستقوم في أبريل 2015 بإذن المولى، وتوافقا نفسيا للجميع للإسهام في وضع الدستور الجديد للسودان. وقد دعا الخطاب للإرتفاع بالمسؤولية الوطنية وتقدير حدود الأمن القومي، حتى يعين ذلك على زيادة بسط الحريات في السياسة والحكم والإعلام.
وقد نبه خطاب الرئيس عدة مرات لعدم إمكانية استكمال النهضة الإقتصادية إلا بإرساء ركيزة السلام، وفي هذا تجدر الإشارة إلى تصريحات اليوناميد المؤيدة للنقلة النوعية في خطاب الحزب وبعض دول ما يسمى بالمجتمع الدولي وتصريح سفير الإتحاد الأوروبي بأن خطاب السيد الرئيس قد ألقى بالكرة في ملعب القوى السياسية المعارضة، وهنا يزداد عبء المسؤولية عليها، علما بأن كثيرا من الدول الأوروبية تنشد استقرار السودان لا لشئ إلا لكي تستطيع المشاركة بالإستثمار في السودان خروجا من الأزمات الإقتصادية التي تضرب العالم، مما يعجل لنا بخطوات استكمال النهضة بدخول القوى الإستثمارية والتمويلية الخارجية، وهو ما أشار إليه الخطاب، وكذلك أوراق الإصلاح والتطوير فيما يتعلق بالإصلاح الإقتصادي.

(2)
ومواصلة في التطواف على هذه الأوراق الإصلاحية التي استقى خطاب الرئيس بعض إشاراته منها، نذكر في الإطار السياسي والعدلي أنه جرى التأكيد على ضبط السلطات التقديرية للأجهزة الشرطية والأمنية وإتاحة الفرص الحقيقية للمتضررين للطعن والتظلم، كمت أشارت الوثائق إلى تفعيل محكمة الصحافة والنشر كبديل للتدخلات الإدارية والأمنية، مع التأكيد على الرقابة القضائية على الإعتقال التحفظي، فلا يلجأ إليه إلا للضرورة مع تحديد المدة القصوى. وتمت الإشارة كذلك إلى مقترح بحث السودان في المصادقة على الإتفاقية الدولية لمنع التعذيب فيما لا يتعارض من بنودها مع الشريعة. وأن تتاح الفرصة كاملة لمفوضية حقوق الإنسان للرصد ونشر تقاريرها عن الحالة الوطنية لحقوق الإنسان.
وتمت الإشارة والتوصية بمراجعة القوانين المنظمة للمفوضية القومية للخدمة القضائية والنيابة العامة وقانون ديوان المظالم العامة وقانون المحكمة الدستورية، ومراجعة التشريعات الأساسية المتعلقة بالتقاضي مثل القانون الجنائي والإجراءات الجنائية، وضمان المحاكمات العاجلة والعادلة. كما أوصت اللجنة المختصة بفصل النيابة العامة عن وزارة العدل، ومنع خضوع النيابات العامة المتخصصة للوزارات والمصالح التي تتولى أعمالها. وأوصت اللجنة بأن يقتصر التعيين والترقية في الخدمة القضائية على المفوضية القومية للخدمة القضائية، وإعادة لجان الرقابة القضائية لضبط الأداء القضائي، وتخفيض رسوم التقاضي، إضافة لتضييق الحصانات، وتسهيل رفعها وتسريع مقاضاة أصحاب الحصانة من الدستوريين.

(3)
أما في جانب النزاهة وآليات مكافحة الفساد، فقد تمت الإشارة إلى ضرورة الأخذ بالتدابير الوقائية قبل العلاجية، وتشجيع منظمات المجتمع المدني للإطلاع بدور بارز في مكافحة الفساد ودفعها لإصدار تقرير سنوي عن حالة النزاهة في البلاد. إضافة إلى تعزيز دور أجهزة الإعلام في مكافحة الفساد، مع دراسة أمر المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وفي نفس المحور، تمت الإشارة إلى تجنب الترضيات الإجتماعية والقبلية والسياسية بما يحول دون التردي في وحل الفساد الإداري ولتجنب إضعاف الحكم اللامركزي، وإعلاء مبدأ المحاسبة العاجلة في القضايا المتعلقة بالفساد وتقديم المفسدين للجهات العدلية، واختتمت بمراجعة قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، بحيث تتيح نصوصه التصدي لكل أنواع الفساد..

(4)
أما في جانب الدفاع والأمن، فكان الحديث حول كيفية تماسك الجبهة الداخلية وجمعها على المصالح الوطنية المشتركة، وكيفية تزكية الروح الوطنية وروح الفخر بالإنتماء للسودان ومكافحة التعصب الجهوي والقبلي، إضافة لتفعيل دور مجلس الأمن القومي ورصد الظواهر المستحدثة وسبل الإستجابة لها، مع إيجاد آليات تدخل سريع لفض النزاعات وإدارة الأزمات والتصدي السريع للمتغيرات والكوارث عند حدوثها. مع الإهتمام بالتنسيق بين أجهزة ووكالات الأمن والدفاع. هذا إضافة للتدريب المستمر في شأن صيانة حقوق الإنسان وبخاصة لمنسوبي النيابة والأجهزة الشريطة والأمنية وسلطات الحجز والسجون.

(5)
وفي مجال العلاقات الخارجية، تمت الإشارة لرصد المتغيرات المتسارعة في الساحة الإقليمية والدولية، وزيادة القدرة على مواكبتها بما يمكن من اعتماد السياسات واتخاد القرارات التي تخدم مصلحة السودان، تفاديا للإنزلاق نحو التمحور والتشدد، تأكيدا على احترام خيارات الشعوب والنأي عن التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.
وأشارت فقرة إلى أهمية العمل المتواصل لجلب الدعم التنموي وتعزيز الشراكات الإقتصادية وجذب الإستثمار الأجنبي، وصلا للمصالح الإستراتيجية للسودان بتلبية الإحتياجات الإقليمية والعالمية من خلال الترتيبات المناسبة.
وقد تم تكرار ضرورة ضبط الخطاب السياسي والإعلامي، حفظا للعلاقات الخارجية والداخلية على حد سواء، وتمت الإشارة إلى إحكام التنسيق في ذلك بين الحزب والجهاز التنفيذي والبرلمان والقوى الشعبية. وإيجاد آليات مناسبة لإسناد السياسات الخارجية وبخاصة عبر مراكز المعلومات والرصد والبحوث والدراسات.

(6)
أما في الجانب الإقتصادي والنقدي والمالي، فقد تم التوجيه بتوحيد اختصاصات وزارات الإقتصاد والمالية في الولايات مع التزام كل الجهات والوزارات بالسياسات الإقتصادية الكلية المقررة، وتأسيس وكالة للتخطيط الإقتصادي تتبع لوزارة المالية، إضافة إلى تأسيس جهاز قومي للإيرادات مستقل عن كل الجهات في تحصيل الإيرادات القومية والولائية والمحلية.
كما تمت الإشارة إلى معالجة مشاكل ملكية الأرض، وفتح المجال أمام مؤسسات التمويل الخارجي، وتقليص منافسة الدولة للقطاع الخاص، ومراجعة تنفيذ متطلبات عضوية السودان في بعض التجمعات والإتفاقات الإقتصادية مثل الكوميسا والمنطقة العربية الحرة لحماية الإنتاج المحلي.

وفي مجال الصرف والإنفاق العام، تم التوجيه بمراجعة أولويات الإنفاق الحكومي بتقليص النظام الإداري الفدرالي، وإعادة جدولة القروض الخارجية لتخفيف الطلب على العملات الأجنبية، والتأكيد على تطبيق سياسة تحرير سعر الصرف بما يمكن من تقوية وتطوير مؤسسات تمويل و تأمين الصادرات القائمة.
وفي الجانب المتعلق بتيسير سبل العيش، تم إيلاء مساحة مقدرة للبحث في التصدي لظاهرة الغلاء، وتفعيل دور الحكومة الرقابي دون عودة لتحديد الأسعار، وربما اقتصر التحديد على بعض السلع الأساسية في أزمان محددة.

(7)
أما في الشأن الزراعي والحيواني، فقد وجهت اللجنة المختصة باستكمال سياسات خروج الدولة من القطاع الزراعي بتقليص الدور الحكومي وتوسيع دور القطاع الخاص، واستخدام التقنية في الزراعة وتحسين سلالات الحيوان، وبناء قدرات المورد البشري العامل في القطاع الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي، مع استكمال البنى التحتية ذات الصلة بالقطاع الزراعي.
إضافة لاستغلال حصة السودان من مياه الري، وإدخال الزراعة المختلطة بتكامل أنشطتها الزراعية والحيوانية والسمكية.
أما في القطاع الصناعي، فتم التوجيه بزيادة الإنتاج ببناء السدود لزيادة التوليد المائي، وتأسيس علاقات شراكة بين القطاعين العام والخاص وتطويرها، بمبادرة من الدولة مع الخروج المتدرج من المشروع، لاستخدام موارده في مشروع آخر.. مع رعاية مؤسسات البحث والتعليم والتأهيل ذات الصلة بالقطاع الصناعي. وتشجيع الإستثمارات في مجال مواد البناء المستجدة قليلة التكاليف. إضافة لربط المخططات السكنية بمنطق الإنتاج، وإعطائها مزايا نسبية في الأسعار والخدمات.

(8)
أما في التنمية الإجتماعية، فقد دعت اللجنة المختصة للإصلاح التشريعي والمؤسسي لأجهزة الضمان الإجتماعي، وتقوية ديوان الزكاة ونشر موازنته السنوية في وسائل الإعلام، وتقوية مؤسسات العمل الطوعي، وتسهيل اشتراك الأفراد والمجموعات في خدمات التأمين الصحي، واستمرار مجانية العلاج بالحوادث والطوارئ مع تحسين هذه الخدمات خصوصا في المناطق الريفية.

(9)
أما في محور التعليم، فقد تم التوجيه بالإستمرار في مجانية التعليم العام، وبمراجعة مناهج التعليم العام والعالي، ومناهج التربية الوطنية، وربطها بسوق العمل المحلي والخارجي، والعودة للسلم التعليمي 6-3-3 مع الإلتزام بسن الدخول للتعليم وهو 6 سنوات، مع بناء آليات تواصل مع العاملين بالخارج لتبادل الأفكار معهم في تطوير وترقية الوطن. كما تمت التوصية بإنشاء مجلس قومي للتعليم يعنى بالسياسات الكلية التعليمية، وزيادة الدعم المقدر للبحث العلمي من ميزانية الدولة، وتقوية مراكز البحوث وربطها بالجهاز التنفيذي. وتأسيس أقسام للتخطيط الإستراتيجي بالجامعات والمعاهد العليا، مع تدريب قيادات الدولة في مجال الإستراتيجية والأمن القومي، إضافة للمضي في تنفيذ توصيات مؤتمر التعليم 2012.
وأشارت الأوراق إلى تطوير أساليب التدريب المهني لتهيئة ناقصي الكفاءة المهنية للسوق المحلي والخارجي.

(10)
وفي محور الموارد البشرية، أوصت اللجنة بتركيز الإهتمام بالتدريب ورفع القدرات على جميع المستويات، وأقرت بمنهج تداول المسؤوليات وتغيير القيادات لضمان الفاعلية والكفاءة والقدرة على التجديد والإبتكار، إضافة لتقييد فترة عمل القيادات بفترة زمنية محدودة متفق عليها.

(11)
أما المحور الإعلامي، فقد خلصت التوصيات إلى قيام مؤتمر قومي لقضايا تطوير الإعلام، ونبهت لدور الإعلام في تحقيق الإستقرار السياسي، وتهيئة الظروف للإستثمار والنهضة الإقتصادية، وتحقيق السلم الإجتماعي، ورفع الولاء الوطني. وتمت الإشارة لضرورة رفع القدرات الفنية للعاملين بالإعلام ومعالجة بطء التجديد في القيادات الإعلامية، ومعالجة غياب الرؤية الإعلامية المتكاملة وانعدام معايير القياس للأداء الإعلامي.
وتمت التوصية بإنشاء مجلس لرصد المحتوى ومراجعته في الإعلام الرسمي والقطاع الخاص، ومكافحة الصورة الإعلامية السلبية للبلاد خارج السودان، وضبط الإعلام الرسمي والولائي في إطار رؤية موحدة.
هذا إضافة لإجازة قانون الصحافة والمطبوعات لتطوير المهنة الصحفية.

(12)
أما أكبر الإصلاحات في الأوراق التطويرية فقد كانت في محور الخدمة المدنية، وأقتطف مختصرا منه عن التوصية بضرورة مراجعة الخدمة المدنية لرفع كفاءتها وتقليل كلفتها الإدارية، وإيقاف التداخل بين الوحدات في الخدمة المدنية، والتأكيد على أهمية وجود قضاء إداري مستقل، ومراجعة سياسات التعيين المباشر إعلاءا للمهنية والكفاءة، مع إعداد رؤية لزيادة الساعة الإنتاجية للفرد السوداني. وتطوير أسس الترقي والتدرج الوظيفي، والنظر في قانون الخدمة المدنية للعام 2007، مع مقترح إنشاء مجلس للخدمة المدنية.
أخيرا، فإن كل هذه الجهود والتي تمت الإشارة الموجزة لها في تطوير الدولة والحزب، تحتاج لتغيير نمط التفكير والفعل السياسي لجميع المكونات الوطنية، استشعارا لأهمية عدم إضاعة الوقت على الوطن، وعدم بذل الجهود في غير اتجاه البناء الوطني المشترك.

(13)
وسوف يقوم حزب المؤتمر الوطني بالجلوس مع (كل) القوى الوطنية التي تستشعر أهمية تغيير النهج لرفعة الوطن وسلامة شعبه، على أن تخلص اللقاءات إلى وضع مصفوفة واضحة للعمل، يقوم كل حزب وجهة بتنفيذ ما يليها فيها، نحو تحقيق المصالح السودانية الوطنية المشتركة.

هذه مقتطفات من خطاب الرئيس والأجواء التي أحاطت به وقبله وبعده، ومختارات مختصرة جدا عن وثائق الإصلاح والتطوير والتي فاقت الأربعمائة صفحة، وما كانت روح خطاب السيد الرئيس، إلا لتهيئة البيئة للحوار وتغيير لغة الصدام والإقصاء التي أدمنتها كل القوى السياسية دون استثناء، ويعلم الحزب الحاكم أن بعض الأحزاب ستستجيب مباشرة بل واستجابت، لأنها أصلا كانت داعية للحوار، وبعضها سيتمنع مترددا ومتشككا في نوايا الحزب الحاكم الذي بدأ التغيير من داخله كضربة بداية، وبعضها الآخر سيرفض ليس لعدم وطنية منه ولكن لأنه اعتاد المعارضة بنمط معين لفترة طويلة جدا أقعدته عن التطور الفكري والسياسي.. ولهذا فقد تم توجيه العضوية الواسعة والكبيرة للحزب الحاكم بعدم الوقوع في استدراجات الإستفزاز، وعدم الإنجراف وراء الأحاديث العاطفية الإنفعالية ردا على أي استفزازات متوقعة من البعض، مع التزام الصبر والمجادلة بالحسنى حتى يكتب الله لهذا الوطن أن يعبر إلى بر الأمان، استشرافا لمرحلة جديدة ومغايرة تماما لما مضى من تاريخ الوطن، في ممارسة العمل السياسي الرشيد من طرفي الحكومة أيا كانت أحزابها، والمعارضة أيا كانت تحالفاتها، وينتظر كل حزب فرصته الإنتخابية كل خمس سنوات، دون إعاقة منه لمسيرة العمل الوطني أثناء فترة معارضته، ليبدأ الطرفان: تحالف الحكومة وتحالف المعارضة، تلمس طريق العمل المشترك باتجاه تنفيذ الأهداف لخدمة مصالح الوطن داخليا وخارجيا، كل بحسب قدرته واستطاعته.

يـجـدر بالـذكـر الإشـارة لأهـمـيـة دور الإعـلام الـواعـي الـراشـد في تـعـزيـز فرص الـعـبـور بـالـوطـن لـبـر الأمـان، وعـدم الـتـركـيـز على المينشيتات المـثـيـرة لتصريحات مبتورة قد تصب الزيت على النار، ولا تفيد الوطن في شئ، بل تفيد زيادة مبيعات صحيفة معينة دون النظر للأثر السلبي لما تجذب به أعين القراء وأموالهم !
خصوصا في ظل وجود بعض من سيحاولون (جاهدين) الفتنة بين القوى السياسية الوطنية في المرحلة المقبلة من عمر الوطن المنهك، إما لغيرة وتحاسد أو لتسابق في نيل الفضل أو لعمالة لأجنبي أو لجهل قبلي أو لوطنية ناقصة الأركان، أو لأهواء النفس وأدوائها...

ويعول المواطنون كثيرا على مساهمة الإعلام في تهيئة الرأي العام لتقبل بيئة الحوار الوطني، ونشر الأجواء التصالحية بما يفيد من تصريحات المسؤولين من جميع القوى الوطنية الراشدة والناضجة، والتي يتواصل نضوجها على نار هادئة. وبث (روح) خطاب الرئيس فيما يتم نشره بوطنية واعية حفظا لأمن البلاد...

وأختم  بنقل حرفي لما جاء في آخر فقرات خطاب السيد الرئيس، والذي أسماه البعض بخطاب الوثبة، في روحه المختلفة تماما عما سبق، وختم به اللقاء الوطني الجامع :

".... ولا يستثني الحوار حتى الجماعات المسلحة إذا هي أقبلت عليه مولية ظهرها العنف والإعتساف، وبغير أن تتنازل عما تطرح من رؤى...
فالحوار السوداني هو منهج مرتضى للحزب حول كليات رؤيته وجزئياتها وما تستتبعه من إقرار أو تصحيح.
والمؤتمر مستعد أن ينافح عن رؤيته وسلامتها بدون أن يصادر حق أحد في نقدها أو تقويمها كليا أو جزئيا، طالما أقبل برأيه محاورا... والمؤتمر أيضا عازم أن يقبل كل رأي ٍ مسؤول يتضمن سبيلا إلى النهضة وصلة الرحم وتوثيق العروة الوطنية.
ويأخذ على عاتقه أن يُقبِل على الحوار بمسؤولية وجدية، ولذلك فهو يدعو غيره إلى التحلي بهاتين الصفتين، حتى يخصب الحوار تجربتنا السودانية ويسددها...
وليكن تنافسنا بالحوار تحفيزا لا تعجيزا، حجاجا لا مراءا، وأريحية تقدم جبر ضرر الوطن على جلب النفع الشخصي أو الخاص..." .

والله ولي التوفيق.



م. أُبي عزالدين عوض
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.