بسم الله الرحمن الرحيم


في ظل خمول لمنظمة التعاون الإسلامي، وفي ظل تأرجح ما بين نوم ويقظة لجامعة الدول العربية، وفي ظل ظلم مجلس الأمن الدولي لدول العالم الثالث، برز ونضج مجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الإفريقي (المولود أواخر 2003) في شهر رمضان هذا وكأن ملائكة الرحمة تنزلت عليه، وتخلص من التأثير الغربي عليه، في إعادة لهيبة الدول الأفريقية واتحادها، واستقلالية القرار الأفريقي عن توجهات الدول البيضاء الكبرى ذات المصالح والنزعات الإستعمارية والإستعبادية.
وقد تنزلت بركات مجلس السلم والأمن الأفريقي على كل من السودان ومصر في شهر رمضان الذي تصفد فيه المردة من الشياطين!

ففي جنوب الوادي، قام مجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الأفريقي بإصدار تقرير بعد مراقبته للأوضاع في دارفور عن كثب بتاريخ 19 يوليو 2013، وألقى باللائمة بخصوص تدهور الأوضاع الأمنية في دارفور على الحركات المسلحة التي لم توقع على وثيقة الدوحة، والتي قامت بجريمة قتل واغتيال قادة الحركات التي وقعت على وثيقة السلام في الدوحة، وحرب العصابات التي تمارسها مع حكومة السودان، إضافة للسبب الإبتدائي في أزمة دارفور والمتمثل في الإشتباكات القبلية، مما يدلل أن المجلس بدأ يخطو في الإتجاه الصحيح نحو رؤية الأسباب الحقيقية في اشتعال الصراعات واستمرارها.
كما طالب الحركات المسلحة التي اغتالت زملاء الأمس لأنهم اختاروا نهج السلام، بالإنضمام لعملية السلام غير المشروط تغليبا لمصلحة أهل دارفور، المكتوين بنار الحرب هناك، وبنار الأوضاع المعيشية الصعبة.
وأدان المجلس الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها قوات حفظ السلام في دارفور، وطالب حكومة السودان بتعجيل اعتقال الجناة الذين قاموا بعمليات القتل تلك وتقديمهم للمحاكمة. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن حكومة السودان ليست طرفا في هذه الجرائم الإرهابية، مما يعني بالبديهة أن بعض خصومها هم من يقومون بذلك.
كما قام المجلس بدوره الأخلاقي كذلك تجاه الجهات الدولية والمانحين حين حثهم على الإيفاء بالتزاماتهم، وعلى تخفيف الضغوط الإقتصادية على السودان ومنها الديون، كي ينمو اقتصاديا وتستمر التنمية في دارفور وباقي ولايات السودان.
ومن الغريب أن يقوم فصيل من حركة العدل والمساواة برفض كل ذلك، وتوجيه اتهامات للإتحاد الأفريقي بأنه يتعاطف تعاطفا زائفا مع أهل دارفور، كما اعتبر بيان حركة العدل والمساواة (الجناح غير الموقع على وثيقة السلام بالدوحة) أن مجلس السلم والأمن الأفريقي يهتم بمشكلة دارفور فقط ! وأن هذا يعتبر حلا جزئيا لمشاكل السودان، وأنه بذلك يكون المجلس غير محايد وغير جاد في حل مشاكل السودان ! كما أوضح بيان العدل والمساواة (الجناح غير الموقع) أنه يرفض بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي لأنه يدعم وثيقة سلام الدوحة، حيث زعم أن الأوضاع تدهورت بصورة مريعة بعد توقيع الوثيقة تحديدا !! وهذا ما جاء من ضمن اتهامات أخرى للإتحاد الأفريقي بالتناقض والسباحة عكس التيار والتماهي مع موقف الحكومة السودانية، وجاء كل ذلك ضمن بيان كبير مفاوضي الحركة. حيث كان الأجدر بعد بيان الأستاذ أحمد تقد أن يكون أمينا للحرب وشؤون المقاطعة، لا أمينا للسلام وشؤون التفاوض !
إن بيان حركة العدل والمساواة (غير الموقعة) يوضح أن أي وثيقة للسلام لا تكون إقصائية للآخر هي غير مقبولة لدى هذه المجموعة من القيادات النافذة فيها، وأن أي استقرار وسلام في دارفور هو أمر غير مرحب به طالما أنهم لم يوقعوا على وثيقة الدوحة، بل يتضح أنهم سيسعون لعدم استقرار دارفور والسودان لإثبات تدهور الأوضاع لمجلس السلم والأمن الأفريقي، ولما يسمى بالمجتمع الدولي. حتى تصدر بيانات تصب في مصلحتهم الخاصة!
ولذلك يبدو من هذا البيان، والذي لا يمكن أن يكون معبرا عن القيادات الوطنية الواعية في هذا الجناح من حركة العدل والمساوة، أن الحركة ستعمل على المزيد من إشعال الأراضي السودانية، وإثارة الرعب هنا وهناك، كما تريد الحركة الحديث بإسم ولايات أخرى في الشمال والشرق رغم أن الإحصاء القبلي بالحركة واضح للجميع، وهي بذلك تريد أن تكسب الوقت لتستفيد من استمرار التوتر في دارفور. هذا إضافة لوضوح توجهها المستقبلي للخروج من العباءة الأفريقية (باستثناء دولتين) للإستنجاد بجهات دولية أخرى خارج نطاق القارة، مما سيفقدها البعد الأفريقاني وأي تعاطف أفريقي بعد معاداتها السافرة هذه للإتحاد الأفريقي، وستضطر لترهن نفسها بمصالح الجهات الإستعمارية خارج أفريقيا وخارج نطاق الدول الإسلامية.

ومن جانب آخر في شمال الوادي، فقد أصدر مجلس السلم والأمن الأفريقي بيانا في 6 يوليو 2013 رافضا فيه الإنقلاب على الشرعية مهما كانت المبررات التي ساقها الإعلام الذي أغرق الشعب بمعلومات في اتجاه واحد، وأغلق القنوات والصحف التي تظهر وجهة نظر الجزء الآخر من الشعب المصري، لدرجة إخفائه خبر وأدلة القبض على منتسبي فتح الذين قاموا باستهداف مواقع الجيش بسيناء. وقد طالب البيان بفترة انتقالية تؤدي لاستعادة مبكرة للنظام الدستوري دون تحديد لمعنى التبكير، وحث مفوضية الإتحاد الأفريقي على إقامة منتدى تشاوري دولي يدعم العملية الإنتقالية التي تعيد النظام الدستوري والديمقراطية إلى مصر، ثم استند إلى إعلان لومي 2000، والميثاق الأفريقي للديمقراطية 2007، فقام المجلس برفض الإستيلاء غير القانوني على السلطة في مصر، ورفض التغيير غير الدستوري فيها بعزل الرئيس المنتخب دكتور محمد مرسي.
وعلى إثر ذلك قرر تعليق مشاركة مصر في أنشطة الإتحاد الأفريقي.
وعلى نهج حركة العدل والمساواة، قامت الخارجية المصرية بإرسال خطاب (بدلا عن بيان الحركة) إلى مفوضية الإتحاد الأفريقي تؤكد فيه شديد أسفها لعجز المجلس عن إدراك ما أسمته بحقيقة الثورة الشعبية والتي وصفتها بعشرات الملايين، رغم التقارير الأوروبية والأمريكية عن أن هذه التقديرات لا تناسب بأي حال من الأحوال المساحة التي احتشد فيها من خسروا آخر انتخابات رئاسية وبرلمانية في مصر. وذكرت الخارجية الجديدة أن الذين خرجوا إلى الشارع هم يطالبون بحقوقهم المشروعة في إجراء انتخابات رئاسية أخرى مبكرة. وفي هذا فتحت الباب لتكرار نزول الشارع مع كل حكومة مصرية جديدة منتخبة أو معينة، لتنادي الجماهير بما تسميه حقوقها المشروعة.
بل إن الخارجية استعدت عليها المجلس الأفريقي حين ذكرت بأنه قام بتفسير خاطئ لإعلان لومي وميثاق الديمقراطية ! وقال الناطق باسم الخارجية المصرية إنه يرفض القرار شكلا وموضوعا - في نفس نهج حركة العدل والمساواة بالإبتعاد عن الإطار الأفريقي، والجنوح للغربي- رغم رفض خارجية مصر لفكرة المنتدى التشاوري الدولي حول شؤونها، ولكنها في نفس الوقت قامت باتصالات مع منظمات دولية أخرى لتبرر لها الإنقلاب الذي أعقب خروج الجماهير إلى أحد ميادين مصر.

ومع ذلك فإن المخابرات والدبلوماسية المصرية المجتهدة والقوية دائما في كل العهود، انتبهت لخطورة الأمر بعد أن فوجئت بصدمة الإتحاد الأفريقي لها بالتجميد، فظلت تعمل تحت الطاولة وفوق الطاولة لتعود للأحضان الأفريقية ولو بالقوة، ولإقناع مجلس السلم والأمن الأفريقي بإلغاء قراره، فهي تعلم أن هناك حرب مياه قادمة، ويتضح فيها أن أفريقيا ستقف إلى جانب الحكومة السودانية التي استقل قرارها كذلك فيما يتعلق بمياه النيل. كما أن من الخطورة على مصر استعداء الإتحاد الأفريقي خصوصا أن مقره في إثيوبيا – مقر سد النهضة – فلذلك )ستدفع مصر دم قلبها( وعصارة فكرها وشيئا من المنحة المليارية لتقنع الأفارقة بإعادتها لبيت الطاعة! وستجتهد مقدمة التنازلات خلف الكواليس لألفا كوناري و زوما وغيرهم، لمسك العصا من الوسط، ما بين رفض قرار تعليق نشاطها بسبب الإنقلاب على الشرعية، وما بين إرضاء الدول الأفريقية القريبة إلى أثيوبيا، حيث ينبع نهر النيل.

ويتضح من هذه المواقف أن هذه الجهات لا ترضى بحكم القانون الدولي إلا إن كان يوافق هواها، وحينها تتمسك به. أما حينما تتم إدانتها بنفس القانون الدولي، فهي تصفه بأنه خاطئ ومغرض وتقوم برفضه، مما أضعف مصداقيتها أمام العالم، وأمام الشعوب.
وفي كل الأحوال، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة تاريخية جديدة، فبمثل ما انعتقت شعوب المنطقة من حكم القيادات التي ترعاها دول الإستكبار ودول الفيتو، فها هي المنظمات الإقليمية الدولية تنعتق من وصاية دول الإستعمار، بل وتوصي مجلس الأمن الدولي بما عليه فعله.
فهل تعاود مردة الشياطين عملها بعد رمضان؟ أم يظل مجلس السلم والأمن الأفريقي صائما قائما معتكفا في  شمال وجنوب الوادي، فيمنع المشروع الذي يريد أن يمتد من الفرات إلى النيل ؟

م. أ ُبي عزالدين عوض   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.