بسم الله الرحمن الرحيم


ظهرت علينا صحيفة الحرة اليومية بمقال في عددها رقم 1180 بتاريخ الإثنين 29 يوليو 2013، بمقال للكاتب الأخ حسن شايب دنقس، تحت عنوان (التفكير الإستراتيجي في الإسلام).
خلط فيه الكاتب من ناحية بين التفكير thinking والتخطيط planning ، ثم خلط بين التخطيط العادي والتخطيط الإستراتيجي، ثم خلط بين التنفيذ ومستوى صنع القرارات مع التخطيط !! ثم قام بخلط كثير من المفاهيم الإستراتيجية والمعلومات الخاطئة عن الحكومة والدولة رغم أنه تحدث بإسم قسم مقارنة الأديان والدراسات الإستراتيجية التابع لكلية الدعوة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية، ولكن كان عليه أن يركن إلى نهل العلم بداية من معهد الدراسات الإستراتيجية بجامعة أم درمان الإسلامية نفسها، قبل أن يكتب المقال الذي اختلطت فيه كل المفاهيم والرؤى على الكاتب،  فقام بالتخليط على القارئ، لذا وجب الرد على المقال، والذي كان عنوانه نفسه مضللا، وغير دال على مضمون المقال بأي حال من الأحوال.

بداية هناك فارق كبير بين التفكير والتخطيط الإستراتيجي، فأبسط الفروقات التي يمكن اختصارا ذكرها أن التفكير هو عملية ذهنية يقوم بها الفرد الواحد، وإن كان يمكن أحيانا ممارسته بصورة جماعية (في المستويات الإدارية الوسطى أو الأدنى) ولكن يبقى الأساس فرديا إبداعيا، ويرسم فيه الرؤى والأحلام و إطارا عاما للمستقبل دون حساب كل تفصيل. وتختلط في عملية التفكير، النظر في تشكيل وتنفيذ المستقبل دون حدود فاصلة بين ما يمكن تخيله وما يمكن تنفيذه (بعكس التخطيط)، ولعملية التفكير أدواتها المستقلة عن أدوات التخطيط، بل حتى يدخل فيها أنواع التفكير  العاطفي والتفاؤلي والتشاؤمي، في حين يغلب على عملية التخطيط  أنواع أخرى من طرائق التفكير مثل التفكيرالتأملي الناقد والتحليلي والتفكير فوق المعرفي.

والتخطيط هو مجموعة عمليات منطقية تقوم بها منظمة من عدة أفراد ومجموعات، بادئة من تحليل وضعها الراهن منتهية بكيفية ملء الفراغ بالموارد والعمليات التنفيذية للوصول للغايات والأهداف الإستراتيجية الموضوعة، ويغلب عليها الجانب التحليلي للمعلومات المرفوعة من الجهات التي قامت بالتفكير، كما يغلب على عملية التخطيط  جانب التقسيم إلى مراحل منفصلة واضحة محددة، وتكون الخطة الإستراتيجية ووضعها وتنفيذها هو الهدف الأخير لمجموعة التخطيط.
وللتخطيط الإستراتيجي كذلك أدواته التي تختلف كليا عن أدوات التفكير الإستراتيجي.

وقد ذكر الكاتب أن (تنفيذ الإستراتيجيات يشمل تخطيطها وإدارتها وتحليلها). وهذا خطأ كبير منه، فإدارة الإستراتيجيات هي التي تشمل تخطيطها المبني على التحليل، ثم العمليات الأخرى التنفيذية والرقابية، وليست المعادلة الخاطئة والمربكة التي أتى بها الكاتب.
وعلى الكاتب كذلك أن يفرق بين ما تم التخطيط له وما تم تنفيذه، فعدم تنفيذ جزء من المشاريع أو البرامج لا يعني عدم التخطيط لها ! فمثال ذلك أنه تم وضع 3899 مشروعا ونشاطا للتنفيذ في الخمسية الأولى (2007-2011) و تم تنفيذ 1748 مشروعا منها، وهذا لا يعني أنه لم يتم وضع خطة استراتيجية، بل هي مراحل يتم تنفيذ ما شاء الله فيها أن ينفذ بالموارد المتاحة.

وقد ذكر الكاتب أن (نموذج التفكير الإستراتيجي في الإسلام هو المبادئ التي اتكأت عليها حكومة الإنقاذ وهي كثرة الشعارات المستمدة من الإسلام). ويتضح من الخلط العلمي المغرض و ركاكة الفكر في هذه الجملة أن غرض الكاتب هو مجرد المكايدة دون تفكير.
سأل الكاتب: (هل السودان دولة استراتيجية ؟! ويجيب: لا. ثم يبرر بأننا لا نملك أدنى مستويات الإستراتيجية) . وواضح أن الكاتب في عدة فقرات بالمقال يخلط بين الحكومة والدولة، كما أن الدولة لا تسمى استراتيجية، ولكن يمكن مثلا وصف موقعها بموارده بأنه استراتيجي. ولا شئ يسمى عدم امتلاك مستويات الإستراتيجية.

وإن كان يقصد الكاتب نهج الحكومة وليس الدولة، فمن غير حكومة الإنقاذ انتبه لأهمية التخطيط الإستراتيجي، ومن غيرها أصدر مرسوما جمهوريا بإنشاء مركز الدراسات الإستراتيجية في يونيو 1990 ؟ ومن غيرها أصدر مرسوما بإنشاء المجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي عام 2001 ؟ ووالي الخرطوم الذي قرر إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط الإستراتيجي بولاية الخرطوم عام 2009. ومن غيرها من الحكومات أصدر مرسوما في سبتمبر 2009 بإنشاء مستشارية الأمن القومي لوضع استراتيجية الأمن القومي، والتخطيط لإسناد التنفيذيين بالمعرفة الإستراتيجية ؟ ومن غير هذه الحكومة قد نشر الفكر  الإستراتيجي ونشر الوعي وسط الشعب بأهمية التخطيط الإستراتيجي ؟ ومتى كان لدينا مركز دعم القرار بوزارة رئاسة مجلس الوزراء في غير هذا العهد الحديث؟ لذا يخطئ كذلك الكاتب حينما ذكر أن الحكومة تفتقد لمركز دراسات صنع القرار. بل هي لديها أكثر من مركز، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أما قول الكاتب: (..والدليل أنا وضعنا خطة ربع قرنية ومن ثم تحولت إلى خطة عشرية، ومن ثم تحولت إلى خطة خمسية، وبعد الإنفصال تحولت إلى ثلاثية، وبعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر تحولت إلى خطة إسعافية). فهذا يعني عدم اطلاع الكاتب على تاريخ العمل الإستراتيجي في السودان، ليفهم ماهي هذه الخطط التي ذكرها بالترتيب غير الصحيح وبمعاني مسمياتها ! أو إما أنه يقصد التضليل على القراء والجمهور. حيث إنه لم يتفهم أن الحكومة صاغت الخطة ربع القرنية (2007-2031)، وهي مقسمة إلى مراحل تسهل من عملية الرقابة والقياس والتقييم والتقويم، وهي الخمسيات  الأولى (2007-2011) والثانية التي نحن فيها (2012 – 2016)، وتستمر الخمسيات إلى نهاية الفترة الزمنية للخطة ربع القرنية.
كما أنه لا توجد plan (خطة) إسمها الثلاثية، والتي تحولت إلى الخطة الإسعافية بحسب زعم الكاتب، إنما هذا program  (برنامج) اقتصادي إسعافي من ثلاث سنوات، و لا دخل له بالخطة ربع القرنية الشاملة.
أما العشرية التي تحدث عنها الكاتب ويظنها جزءا من ربع القرنية، فإنما فهي خطة قديمة سبقت ربع القرنية!! وكان إسمها الإستراتيجية القومية الشاملة (1992 – 2002) أو ما دعاها البعض بالعشرية، فالعشرية سابقة لربع القرنية وليس العكس كما ذكر الكاتب.

يذكر الكاتب أن (هناك عدم تنسيق بين الوزارات)، فنقول أن هناك تنسيق إلى حد كبير وليس كما يتصور الكاتب، فمجلس الوزراء قام بتقسيم عمله إلى ثلاثة قطاعات، وكل الوزارات تجدها مندرجة تحت هذه القطاعات الثلاثة فقط، للتنسيق فيما بينها ضمن القطاع الواحد. وهي قطاع الحكم والإدارة، وقطاع التنمية الإقتصادية، وقطاع التنمية الإجتماعية والثقافية.
هذا إضافة لقرار تشكيل وحدات وإدارات التخطيط بالوزارت القومية، والذي تم تنفيذه بإنشائها في كل الوزارات لتكون هي الأداة التنسيقية بين الوزارات القومية والأمانة العامة للتخطيط الإستراتيجي.

أما ذكر الكاتب: (ما حدث في المفاوضات مع الجنوب عن عدم التفاوض قبل حلحلة القضايا الأمنية، ثم تم قتح ملف النفط وتدفق البترول). فيجب على الكاتب عدم الخلط بين التخطيط الإستراتيجي بعيد المدى، وبين تكتيكات التفاوض، وبين اتخاذ القرارات التي يجب اتخاذها في المواقف ترجيحا للمصالح على المفاسد، بحسب حسابات ودراسات وتقديرات الموقف من صناع ومتخذي القرار.
فهذا ليس دليل (غياب الخطة الإستراتيجية) كما يدلل الكاتب، إنما ما كتبه يدل على غياب المعلومات عنده، وعدم قدرته على تحليل الأحداث والسياسات وشؤون الإدارة العامة، وعدم معرفته بما يدور، بل هو متابع لما يرشح في الإعلام دون تعمق في بواطن الأمور.
ثم يذكر الكاتب: (كيف تكون دولتنا استراتيجية وكثيرا من القرارات تصدر على الهواء). وهنا يختلط على الكاتب فهم الفرق بين عملية صنع القرار decision making  وعملية اتخاذ القرار  decision taking ، فالأولى قد تأخذ أسابيع وشهور وسنينا من التفكير والتحليل والتخطيط، أما عملية اتخاذ القرار فهي المرحلة الأخيرة الظاهرة لجماعة الناس، وقد لا تحتاج سوى لثواني يتم فيها إعلام الجمهور بالقرار، وهو القرار المسنود بدراسات معمقة سابقة لا يعلم عنها كاتب المقال شيئا.
وقد ختم الكاتب الكريم ذاكرا أنه لتكون دولتنا استراتيجية فعلينا بالتخطيط والتنظيم والتوظيف والتوجيه والرقابة. وهو هنا قد قام بتكرار (جزء) من وظائف الإدارة السبعة وليست الإدارة الإستراتيجية بكل تأكيد، وظن أن الخمسة المذكورة هي أساس ما سماه التخطيط أو التفكير الإستراتيجي (في الإسلام). علما بأنه ليس في كل المقال شئ من التأصيل لتتم نسبته للإسلام، إنما هو تفكير و تخطيط يمكن أن يكون في أي دين أو دولة بلا دين.
أخيرا، فلا نظن أن المعلومات الخاطئة المضللة، والآراء المرتبكة والإنفعالية للكاتب، تدل على الجهة العلمية التي قام الكاتب بالتوقيع بإسمها في نهاية المقال. إنما هو مجرد مقال كيدي ضد الحكومة بدون أسانيد علمية ومشحون بالمعلومات الخاطئة المضللة، لذا وجب الرد توضيحا للقراء الكرام وللكاتب الكريم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.