لاشك أن خلاصة العملية المرهقة لاختيار نواب البرلمان (مجلس الشعب) أو (مجلس أهل الحل والعقد) هو أن يتم الإهتداء برأي الشعب وبرأي المختصين وأهل الخبرة والمشورة في شؤون البلاد و العباد، دون تفريط في الآراء المتنوعة لجميع قطاعات الشعب، وتوسيعا للشورى، وضبطا للجهاز التنفيذي ومحاسبة له، وامتثالا لأمر الله أن نجعل أمرنا شورى بيننا.
وإن فئة مقدرة من هذا الشعب أجبرتها الظروف على الهجرة خارج السودان، ولكن ولاءها للسودان قد يفوق ولاء بعض القاطنين فيه ممن يلعنون أوطانهم وأقدارهم ليل نهار، ومن الذين أسلموا رقابهم عمالة للغرب وتنفيذا لأجندة أعداء السودان رغم سكناهم على أرض الوطن.


كما أن المغتربين هم داعمون بصورة متواصلة لاقتصاد الوطن، طوعا أو كرها، طيلة عقود من الإغتراب، بل أغلبهم يدافع عن الوطن في الخارج – إن استثنينا القلة المعلومة – فضريبة الوطن قد تم أداؤها بالمال وباللسان وبالفكر وبالإعلام وبكل أنواع الجهاد.
ليس من الحكمة أن تضيع الخبرات التي اكتسبها المغتربون من احتكاكهم بمئات الجنسيات و العقليات في العالم، والتلقيح الفكري والإداري الذي زادهم خصوبة فكرية، وليس من العدل أن يتم تجاهل آرائهم ومقترحاتهم التي يمكن أن تسهم في تقويم المسار وفي تطوير الأداء، بل إنه من الظلم البين ألا يكون هناك ممثلون لفئة المغتربين في المجلس الوطني. ناهيك عن أن الوضع الحالي لا يسمح لهم سوى بانتخاب رئيس البلاد وهو شخص واحد، في حين أن انتخاب عضوية البرلمان هو أهم من ذلك. كما لا يتم السماح للعاملين بالخارج بالتصويت إذا كانوا في زيارة داخل السودان.
ومن ميزات إجازة المفوضية لإنشاء دوائر جغرافية خارج السودان overseas electoral districts لاختيار ممثلين عنها، هو أن القبلية البغيضة لا تؤثر على نوعية المرشح، حيث تكون الدائرة الجغرافية الخارجية في دولة المهجر مكونة من شتى القبائل ولا تطغى عليها واحدة، بل وربما تتغير تركيبتها الإثنية بصورة دورية، مما يجعل معايير اختيار المرشح أكثر عدالة في هذا الجانب، حيث تؤثر القبلية في السودان في ترجيح فرص فوز المرشح عبر أهله وعشيرته، في ظل المعايير الخمسة (البسيطة) المذكورة في الدستور كشرط لعضوية الهيئة التشريعية (القومية).
ومن الطبيعي عند إضافة ممثلين عن المغتربين أن تكون هناك شروط إضافية للترشح، مثل ألا يكون قد تعاون مع أي جهة في بلد المهجر ضد السودان مسبقا بالمعلومات أو بغيرها، ومثل ضوابط الجنسية، ومثل دفع الضرائب المستحقة على المغترب قبل ترشحه، وجدير بالذكر أن كثيرا من الدول لا تسمح للمواطن بممارسة حقة في التصويت للإنتخابات إن لم يكن دافعا لجميع الضرائب المتعددة عليه في بلاده.

إن ممثلي الشعب السوداني في الهيئة التشريعية القومية يختلفون عن ممثليه في المجالس التشريعية الولائية، في أنهم يناقشون المسائل (القومية) والقضايا العامة، دون اعتبار لقضايا الدائرة الجغرافية الضيقة التي رشحتهم، لذا فلا شئ يمنع أن يكون ممثلو الشعب في البرلمان هم من المقيمين خارج الدوائر الجغرافية للأراضي السودانية.
وهناك دول كثيرة تسبقنا، ومواطنوها أكفأ من مغتربيها، ومع ذلك قامت عدلا وإنصافا وحكمة بحفظ مقاعد في البرلمان لفئة المواطنين غير المقيمين على أرض أوطانهم The expatriates. ومثل ذلك تجربة إيطاليا والبرتغال والجزائر وأنغولا وفرنسا وغيرهم الكثير من الدول، فلفرنسا مثلا مليوني مغترب خارج أراضيها يتم تمثيلهم بأحد عشر مقعدا من مجموع 577 مقعدا رغم الإنتقادات لضعف التمثيل، ومصر التي في لها عشرة ملايين مغترب في طريقها لاحترام متأخر لهذه الفئة من المواطنين، ولبنان كذلك في طريق متأخر لإعطاء مغتربيها فرصة عشرة مقاعد من مجموع 128 مقعدا في البرلمان اللبناني هذا العام. أما التجربة السويسرية وهي فاشلة حتى الآن وتعرضت لانتقادات من عدة زوايا، فهي تجعل من حق المغتربين الترشح ولكن بحملات انتخابية داخل أراضي سويسرا. أما تونس فلها مليون مغترب قامت بتمثيلهم ب 18 عضوا في البرلمان الأخير لعام 2011، بنسبة تقارب الممثل الواحد لكل 55 ألف مغترب، علما أن عدد مقاعد البرلمان التونسي 217 مقعدا، بما يعني تواجد المغتربين بنسبة 8 % من مقاعد البرلمان.
إن فئة المغتربين فيها من جميع المهن والكفاءات والخبرات التي تختلف عن الخبرات المكتسبة داخل الوطن، وفي هذه الفئة من لهم معايير مختلفة لتقييم الأمور ولتقييم أداء الوزارات والمؤسسات والهيئات ! وربما يكون ارتفاع المعايير المرجعية التي يتم بها النظر للأمور هو خير داعم لآرائهم إن كانوا أعضاءا في البرلمان القادم. فعندما يرى أحد المسؤولين أن ولايته نظيفة بنظافة الإيمان، فهو يقيسها بالبيت أو البيئة التي أتى منها أو عاش فيها، وإذا رأى مسؤول أن المياه التي بلون التبلدي وطعم التراب هي تقدم و تطور عن الحال قبل الإنقاذ، ويرى أن هيئته أحرزت إنجازا بذلك، فذلك لأنه عاش في بيئة مياهها بلون البن وطعم الطين !
يجب الإستفادة من الطريقة المغايرة التي ينظر بها المغترب للأمور، ومن معاييره المرتفعة أو القياسية، من واقع ما عايشه في العالم، ومن عمله في مؤسسات خارجية وبيئات دولية تمارس الإدارة بأحدث ما يكون، وبصورة مغايرة عما نمارسه في بلادنا العزيزة.
والدولة تحاول اجتذاب بعض الكفاءات المهاجرة للعودة النهائية للسودان مع أسرهم، للإستفادة منها ومن تجاربها، ويصعب ذلك لأسباب معلومة. ولكن أيسر وأوفر من ذلك هو استجلابهم لفترات قصيرة في البرلمان، واستكتابهم وهم في بلاد المهجر بأية آلية مناسبة، تطويرا للعمل البرلماني في السودان، ويمكن إلزام الخطوط الجوية السودانية بتوصيل العضو البرلماني للسودان دون دفع أي مبلغ لتذكرته، وإلزام العضو البرلماني بإنشاء ما يشابه برلمان الدائرة في بلد المهجر، يقوم فيه بالجلوس مع "جميع" أعضاء الجالية السودانية التي انتخبته بصورة ربع سنوية، للإستماع لآرائهم ونقلها للمجلس الوطني في السودان شفاهة أو كتابة. ويحتاج العمل البرلماني لتطوير جذري كبير، وهو الذي يعاني ما يعاني، منذ الإستقلال، مرورا باليوم الذي قال فيه وزير الخارجية السابق الراحل الشريف الهندي في البرلمان عام 1987 في عهد ما يسمى بالديمقراطية: (.. الرجال الذين دفعوا أغلى الأثمان في عودة هذه الديمقراطية، أؤكد ليكم تاني كان شالها كلب ما يقولوا ليهو جر ! على الإطلاق) ! وانتهاءا بالبرلمان الحالي الذي أصابه الخمول البدني و الكسل الذهني، حتى وصل الأمر برئيس المجلس الوطني لإعلان تذمره من تأخر وتغيب بعض النواب عن الجلسات (رغم إقامتهم داخل ولاية الخرطوم وولايات السودان الأخرى) ، وهذا لعدم وجود تحديات محفزة لهم، ولرغبة كثير من البرلمانيين في تعديل لوائح البرلمان، وزيادة صلاحياتهم على حساب صلاحيات رئيسه، وأهم من كل ذلك لعدم وجود المعارضة في البرلمان إلا بتمثيل ضعيف مكافئ للأصوات البسيطة التي نالتها.

ولقد عانى الحزب الحاكم في السودان من فوزه الساحق في آخر انتخابات عامة حرة، حيث قام أغلب المصوتين بالتصويت لممثلي حزب المؤتمر الوطني في الدوائر الجغرافية، الولائية منها والقومية. فصار الحزب يحتاج للرأي الآخر داخل البرلمان، ولو كان من داخل كتلته البرلمانية نفسها ! فخسر الوطن ُ الرأيَ الآخر، وخسر المؤتمرُ الوطني – حزب الأغلبية بلا شك- كذلك فرصة َ الإستماع لرأي الأقلية في البرلمان. حتى بدأت تطل أصوات مغردة من داخل الحزب الحاكم، تنادي بالبحث عن آلية (تضمن) مشاركة المعارضة في البرلمان بصورة أكبر، حتى ولو فشلت الأحزاب (كل على حدة) في تنظيم نفسها مرة أخرى، ولو قام الشعب كله بالتصويت للمؤتمر الوطني بنسبة 100 %.

البرلمان الحالي مكون من 354 عضوا بعد أن كان 450 عضوا قبل انفصال الجزء الجنوبي من السودان، وتم انتخاب أعضائه الكرام عندما كان تعداد الشعب يقارب الأربعين مليونا، وذلك بنسبة عضو برلماني واحد لكل 90 ألف من المواطنين تقريبا. ويمكن بنفس هذه النسبة التقريبية أن يتم انتخاب عضو برلماني واحد عن كل مائة ألف مغترب. بالإضافة لإدخال قائمة نسبية للمغتربين، تشمل الكفاءات العالية في التخصصات التي تمس عمل الوزارات، ويتم ضمهم للجان المتخصصة في البرلمان، بواقع عضو واحد أو إثنين لكل لجنة متخصصة من اللجان العشرة، كما يمكن التركيز على الكفاءات من الدول التي ليس لها تمثيل في البرلمان بسبب عدم إكمال الجالية للنصاب القانوني لاختيار ممثل برلماني لها. ولن يتجاوز عدد المغتربين في البرلمان بذلك في أي حال من الأحوال عدد 45 عضو، كما لا يمكن أن يقل عن 19 عضو، وهذا لأن تعداد الجالية السودانية المغتربة هو حوالي 3,500,000 ، منهم حوالي 900,000 عامل بالخارج. وهذا بحسبان أن يتم أخذ ممثل واحد عن كل 100 ألف، إضافة لعشرة ممثلين في قائمة نسبية يغطون عدد اللجان المتخصصة في البرلمان وهي عشرة لجان إضافة إلى لجنة شؤون المجلس والعضوية.
ويمكن إخلاء مقاعد الوزراء في البرلمان، حيث لا يجوز شرعا ولا منطقا أن يكون الوزير عضو الجهاز التنفيذي، صاحب مقعد في البرلمان وهو الجهاز التشريعي والرقابي. وفي ذلك يقول المودودي في كتابه "تدوين الدستور الإسلامي" الذي ترجمه الحداد، عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء من بعده: ( ... فكان أهل الحل والعقد في ذاك الزمان، رجالا تدبر بمشورتهم شؤون البلاد الإدارية ويقضى في المسائل التشريعية، وكان القائمون بالحكم والإدارة أمراء آخرين لم يكونوا منهم، وما كان لهم من تدخل في التشريع... ).

ولتكن الدعوة من المقيمين في السودان قبل جميع المغتربين لتعديل الباب الرابع في الدستور الإنتقالي الحالي لسنة 2005، رغم أن الدستور لا يمنع ترشح المغتربين، ولكن ذلك لضمان وتثبيت حقهم مثلما هو في عدة دساتير مثل الدستور الفرنسي.. كما يمكن في حالة عدم الرغبة في الإنتظار إلى حين الإتفاق على الدستور الجديد، أن يتم بصورة مباشرة طرح مسألة تغيير قانون الإنتخابات القومية لسنة 2008 في البرلمان الآن، وخصوصا الفصل الخامس المرتبط بإعلان نتائج الإحصاء السكاني، والمتعلق بتحديد حدود الدوائروعدد السكان في كل دائرة، علما بأن قانون المفوضية يجب تغييره لأنه يشمل ولايات دولة جنوب السودان، كما يجب تبعا لذلك إصدار قرار لاحق بديل للقرار رقم (30) بتاريخ 10 سبتمبر 2009 الذي أصدرته المفوضية القومية للإنتخابات برئاسة الأستاذ أبيل ألير وقتها، المتعلق بتحديد الدوائر الجغرافية ومقاعد الأحزاب السياسية ومقاعد المرأة. 

أخيرا، فإن أي حاكم يتجاوز الكم الهائل من الخبرات السودانية في دول المهجر، هو حاكم يحتاج أن توصيه بطانته بأهمية تفعيل وتقوية البرلمان، ومن وسائل ذلك الإستعانة بسودانيي المهجر. ولا يستقيم أن يتمتع أي مرشح فائز بأصوات كتلة كبيرة من الجماهير دون أن يعطيها فرصة أن يكون لها ممثل في البرلمان ليوصل صوتها، فالكتلة الشعبية للمغتربين في دولة المهجر overseas constituency لا تختلف ولاءا وفكرا عن الكتلة الشعبية للدائرة الجغرافية الإنتخابية في السودان.
وليكن تمثيل المغتربين بما فيهم طلاب الجامعات والعاملين والعاملات بالخارج هو حق من حقوقهم على الوطن، رجالا ونساءا، مثلما عليهم واجب الإدلاء بآرائهم والإسهام بسهمهم داخل الأجهزة التشريعية والرقابية لوطننا الذي لابد أن يسعنا جميعا، فائزين أو خاسرين في الإنتخابات.

م. أُبي عزالدين عوض
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يناير 2013