بسم الله الرحمن الرحيم



تحدثت شبكة صحيفة السوداني قبل أيام عن بعض ما دار في مؤتمر الحركة الإسلامية لمحلية بحري بصالة دار وزارة الخارجية مع شئ من عدم الدقة.
وإن كان هناك شئ من الصحة فيما تم ذكره، فإن أنصاف الحقائق تلقي بظلال وظلمة على الأنصاف المضيئة الأخرى. ولم أكن أنوي التعليق لولا الطلب العزيز من شيخ كريم على سدة الأمر، هو ليس ممن يرد له طلب، لأنقل لشبكة السوداني تلك الأنصاف الأخرى، وأضيف عليها ما نراه مفيدا للمسيرة القاصدة، والتي لم و لن تتوقف عن تطوير نفسها جيلا بعد جيل، كل جيل في زمانه يدلي بدلوه و يسهم بسهمه، ابتغاء تمكين أمر الله العادل، و تثبيت الأصل ومواصلة الفرع للسماء.

إن مؤتمر هذه الدورة في محلية بحري كان من أجمل المؤتمرات وأرقاها تنظيما، تشكر عليه اللجنة الفنية واللجان الإدارية الأخرى التي عملت لهذا الإخراج. وقد شرف جلسته الإفتتاحية ممثلون لأحزاب تفاجأوا بمدى الشفافية خصوصا في الشؤون المالية لعمل الحركة الإسلامية، وأنها لم تستغل علاقاتها بل استأجرت صالة كافوري من مال العضوية واشتراكاتهم و تبرعاتهم، ودفعت كل متطلبات مؤتمراتها دون عون من الولاية، ودون استدانة، ودون مبالغ غير مقيدة، وشهد ممثل المعارضة في المنصة بذلك.
وقد قام رئيس الشورى شيخنا عباس الخضر ونائبه رئيس اللجنة التحضيرية الفريق بلية، ومن خلفهم أمين الحركة المنتهية فترته الثانية بالمحلية الشيخ عثمان وجميع أركان حربه بما عليهم، وتحمل المكتب السابق الأذى باحتساب. كما لم يتدخلوا حسبما نعلم في العمل الفني لهذا المؤتمر.

وقد ذكرت شبكة السوداني شيئا عن طبخة "مجلس أمناء المناطق"، علما بأن هذا المسمى غير موجود في هياكل الحركة الإسلامية. وما حدث هو جلوس بعض أمناء القطاعات المنتخبين حديثا قبل أسابيع مع بعضهم لاختيار المصعدين دون تشاور مع العضوية التي لم تعطهم تفويضا مطلقا، مما حرم الذين أحسوا بظلم ذوي القربى و المتذمرين والمنسحبين من حقهم الشوري الذي تكفله النظم القانونية، وبكل تأكيد فإن هناك معايير يستند إليها كل أمين قطاع، ولم يكن اختيارهم للمصعدين عشوائيا ولم يكن شطبهم لبعض الأسماء عشوائيا، ولكن الجدل كان و سيكون حول ماهية هذه المعايير، ومن المخول قانونا بوضع معايير انتقاء العضوية للترقي و الصعود، وهل الأمناء الجدد أدرى بالعضوية القاعدية من الأمناء الذين أمضوا ما لا يقل عن أربع سنوات تنظيمية ؟ وغيرها من الأسئلة التنظيمية والإدارية.

معلوم بالممارسة أن هناك دائما مجموعة تظهر ومعها قائمة في المؤتمرات، فليست المفاجأة في هذا النهج المعتاد – دون خوض في شرعيته و عدمها - ، والذي يسبب خياره صداعا دائما للجان الفنية بالتوترات التي تصاحب هذا الخيار خصوصا في المناطق التي يرتفع فيها الوعي التنظيمي أو التي فيها عدم تجانس معرفي بين الحضور للتصويت.. وإن شيئا من الملاسنات التي ذكرتها شبكة السوداني هي لعدم إلمام الكثيرين بالنواحي القانونية، لدرجة أن البعض لم يقرأ بنود الدستور و اللوائح يوما، وإن شيئا من المخاشنات القانونية التي حدثت كان لرغبة الكثيرين في أن ينفض سامر المؤتمر الطويل الذي استمر لسبع ساعات ليعودوا لمنازلهم، دون أن يتكلفوا وقتا إضافيا لممارسة الشورى بعدالتها وإرضائيتها التي يفترض أن تكون هائمة في بنيويتها..
ثم تقدم أحد الحضور – عرفه من عرفه و جهله من جهله - بقائمتين للشورى المحلية وللتصعيد للولاية، مما أثار البعض و المنصة وتم إلزامه بالجند، وبعد أن انتبهت العضوية بعد تلاوة القائمة المعدة لتكرار أو عدم ظهور بعض الأسماء، بدأوا عن التساؤل و مقاطعة المنصة فيمن جهز القائمة، وهنا بدأ الجدال الساخن الذي تحدثت عنه شبكة صحيفة السوداني والذي انتهى بشئ من حكمة المنصة تهدئة للأوضاع بعد إصرار المتنورين تنظيميا، بإعطاء فرصة واسعة لتعديل القائمة وفرصة ضيقة لآخرين لم تسعفهم خمس دقائق لكتابة و تقديم قوائم أخرى، لمئة عضو أو يزيد.. فتمت الإعادة وفازت القائمة بالأغلبية لعامل الزمن، حيث إن إعداد القوائم يحتاج جهدا كبيرا (ومسبقا) ممن يعملون عليها، وكانت المنصة قد ذكرت أن هناك خيار الكليات الشورية وأنه سيأخذ من الحضور ساعة أو ساعتين، ولم تذكر خيار الإختيار الفردي وهو (الأعدل) بين الصيغ المحدودة التي لدينا (حتى الآن)، ولكنه الأقل منطقية إن وضعنا في الحسبان العدد الكبير الذي يستوجب تصعيده لكل قائمة.

أما ما ذكرته شبكة السوداني عن انسحاب المحتجين، فهذا من حقهم مثلما كان من حق البعض الإمتناع عن التصويت، أو حتى الإمتناع عن الإمتناع مثلما فعل البعض! وهي كلها صور احتجاجية سلمية في دائرة العملية الشورية، ولم تخرج عنها.

و عودة لما تحدثت عنه الصحف، فإن الذي حدث ليس خطأ بشريا يختص ببعض العضوية وبعض المسؤولين بقدر ما هو خلل في النظم التي تسمح بالتوسع في الخطأ البشري، وهو خطأ اللوائح والقانون الذي يترك مجالا أرحب مما يجب للممارسة الديمقراطية، دون وضع الضوابط التي تمنع النفس البشرية من اتباع الهوى، واستغلال الثغرات و جهل العامة.
وإن الممارسة الشورية غير المضبوطة في المجتمعات التي تعاني من القبلية و من التصنيفات والإستقطابات الحادة، وتعاني من الضعف المعرفي وقلة العلم بالعمل التنظيمي والقوانين، إنما تؤدي إلى الفوضى، وإلى التجاوزات غير القانونية بإسم الشورى و الديمقراطية.

لذا يتوجب على المسؤولين التنظيميين المختصين أن يقوموا بمراجعة كاملة للنظام الشوري لدينا، ونظم التصعيد، والمعايير التي تضبط الإختيار، والحدود التي تمنع تقديم غير الأكفاء في دوائرهم الجغرافية وإن ساندهم انفعال القبيلة، ولا مناص من تطوير التجربية الشورية لدينا كي تكون نبراسا للحركات الأخرى و الأحزاب التي لا زالت تتلمس طريق الديمقراطية الحقة رغم بلوغها من الكبر عتيا.
ويتوجب عقد ورش العمل مع المختصين داخليا و خارجيا لتطوير آليات الممارسة الشورية و نظام الكليات الشورية ومعايير التصعيد و الترقي في شأن الإستخلاف هذا، فهو كله لله.
ويجب أخذ هذا المؤتمر و غيره كنماذج تطلق شرارة التقويم لمسيرتنا القاصدة، والتي لا يمكن أن تقف بعد النشوء دون تطور و ارتقاء.

و إن الهدف الذي نرمي به في مرمى شبكة السوداني آخر المباراة، وما رمينا إذ رمينا، هو أن أجمل ما في هذه المؤتمرات، هو إبراز الصورة الشورية الوضيئة داخل مؤسسات الحركة الإسلامية التي تميزها، وإن احتاجت للتشذيب و التهذيب مثل أي شجرة تنمو بجذعها و أفرعها وأوراقها وأزهارها، فالأشجار التي لا تحتاج تشذيبا وتهذيبا، هي الأشجار المتوقفة عن النمو و الصعود.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.