بسم الله الرحمن الرحيم



فاز أغلب نواب الشعب بالإنتخاب الذي لا شك فيه، وكانت صفوف عضوية المؤتمر الوطني و الموالين طويلة بما أقلق الأحزاب المعارضة أيام الإنتخابات، حتى صارت تفتش عن شماعة التزوير لتطمئن نفسها، رغم أن الحشود واضحة أمامها، وتشهد خيام المؤتمر الوطني العامرة دوما والتي لم تخل نهارا أو ليلا، على اتجاهات الفوز.
ورغم اعتراض كثيرين من عضوية الحزب الحاكم على معايير تقديم المرشحين، خصوصا أن كثيرين منهم جلبتهم أصوات قبائلهم و عشائرهم، وبعضهم تم فرضه على مناطق لا دخل لهم بها، وفازوا بظل الشجرة الوارفة، وبعضهم وزراء في الجهاز التنفيذي وبنفس الوقت المضحك هم أعضاء في الجهاز التشريعي و الرقابي، ولكن تجاوزنا كل ذلك فرحين بالفوز الذي لا غبار عليه، آملين في أن يوفقهم الله في مراقبة و محاسبة الجهاز التنفيذي والوزارات المتعددة، وإن كان وزراؤها أعضاء برلمانيين !
مرت الشهور التي علمنا فيها أحد سلبيات الديمقراطية، وأحد سلبيات الفوز الكاسح، فالرأي الآخر لبعض برلمانيي الحزب المنتخب ليس له كثير مؤيدين، مما يسقطه بالأغلبية وإن كان صحيحا، دون أن يجد سندا كبيرا من آراء لمعارضين كان يمكن لهم إثراء الحوار بالرأي الآخر..
ولازلنا نرى –رغم وعود التجديد و التغيير الإيجابي- أن نفس من يخطط للإقتصاد هم من يفاوضون الجنوب في الإقتصاد! وهم من يرأسون لجان الحزب الحاكم الإقتصادية، وهم من يرأسون لجان برلمانكم الإقتصادية! وهم أعضاء اللجان المؤقتة و الدائمة!! فكيف يستقيم الأمر، وكيف تنبسط الشورى ؟ ومن أين تأتي الأفكار الجديدة و النظريات الحديثة و الحلول المبتكرة و الإبداعات البحثية العلمية ، طالما كانت الوجوه هي الوجوه، والإجتماعات بنفس الرؤوس ؟

الحزب الحاكم فيه من الكفاءات ما تنوء عن حمله الجبال، وفي المعارضة شئ من ذلك، ولدى الشعب – الذي يرفض الدخول في صراع الحكومة و المعارضة - مثل ذلك، ولكن الغرور في المقدرات الفردية هو مرض سوداني متجذر، فكل أغانينا الوطنية: نحن الذين و نحن الذين ونحن ونحن !

لا غبار في أن حال اقتصاد السودان الآن هو من نتاج عمل أمريكي و ضعف تفاوضي، ومؤامرة تقسيم تستمر وإغراق في دماء فوضى غير خلاقة، ونتاج غزو جنوبي وعدم إنتاج شمالي، ونتاج احتكار صنع القرار الإقتصادي وحصره على ثلة معينة وإن كان الشعب قد انتخبها، ونتاج إعلام يحتاج لعداد يحسب عدد المشاهدين، ونتاج إعلام وخطاب خارجي لا يهيئ الأجواء لوزارة الخارجية لتصنع تحالفات حقيقية تقف مع الحكومة و شعبها في مثل هذه الأزمات، وهو نتاج عدم التجديد وعدم وجود استراتيجية منذ ربع قرن لصنع كوادر جديدة تقود الإقتصاد في المستقبل، وها هو المستقبل صار هو الحاضر.
إخوة البرلمان، رأينا يوما بعض النائمين، ورأينا يوما أستاذنا أحمد إبراهيم الطاهر يغادر مغاضبا لتراخي بعض البرلمانيين عن الحضور، خصوصا شاغلي المناصب الكثيرة، مثلما كان يغاضب دكتور الترابي عندما كان يرأس البرلمان و يداهم البرلمانيين في الكافتريا بعد بدء موعد الجلسة!!
ثم رأينا صحوة أفرحتنا و أفرحت الشعب في عدة مواضيع تتعلق بمحاسبة عدة جهات معينة غير منتخبة مثل بعض الوزراء غير المنتخبين في الزراعة و الدفاع وغيرهم، رغم التغافل عن أخطاء وزراء المعارضة منذ حكومة الوحدة الوطنية الأولى، حتى حكومة السيدين، حتى لا تفض الشراكة بيننا و بينهم!
والآن ننتظر منكم صحوة أخرى وموقفا تاريخيا، وقبل أن تتم الإقالة أو الإستقالة الجماعية للوزراء، فهناك وزراء يجب سحب الثقة عنهم، فهناك من لا يطيقهم الشعب رغم كفاءتهم المشهودة، وهناك من أطال حتى زهق الكرسي نفسه، هناك من يستخف بممثلي الشعب فكيف له أن يجلس على رأس قوت الشعب! وهناك أولو أمر ينسون توجيهات الله تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، و يخالفون أوامر حديث الرسول محمد صلى الله عليه و سلم: (من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت) ! أو ليصمت !
إن كان في الصمت خير واحترام ومنهج شرعي في التعامل مع الآخر، أما صمت البرلمان فهو الشر عينه، وهو النفاق، وهو الخوف على الكرسي و المخصصات التي تم إنقاصها، أكثر من الخوف من نازع الملك عمن يشاء، فليست وظيفة البرلمان هي الصمت أو التمرير دون حساب.
على البرلمان أن يعكس الرؤية الحقيقية لجماهير حزب المؤتمر الوطني، دون استغلال للمنصب العام في التصريح بالآراء الشخصية.
قلصوا الهياكل، قلصوا نواب الرئيس و مساعديه، قلصوا ما أردتم ومن أردتم، فلا تهم الأسماء، و لكن وسعوا الشورى، وسعوا عقولكم وقلوبكم، وسعوا الدعاء ليفتح الله بركات من السماء و الأرض، واقطعوا دابر الفتنة و الفوضى التي تهدد مجتمع السودان، واحقنوا الدماء التي إن سالت، فلا نعرف منتهاها.

أيها البرلمان، أنتم ممثلو الشعب الذي انتخبكم، فكونوا أهلا لتقديمنا إياكم، وقولوا قولتكم، وأريحوا المحاربين شكرا لهم، وأبرئوا ذمتكم، وقوموا إلى صلاتكم.


O I A [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]