الثلاثاء, 15 تشرين2/نوفمبر

قبل عدة أشهر في منتصف يونيو 2010 فرحنا لتأخر إعلان التشكيل الوزاري، ظنا منا أن عبقرية أهل الحل و العقد في عالم السياسة السودانية سوف تخرج طبخة جديدة ليست كالتي نأكلها كل يوم، وخاب ظن البعض، فأكلوا نفس الوجبة بملاعق مختلفة في أطباق مختلفة. والآن تغيرت المعطيات مرة أخرى، وهبطت جل المؤشرات منذ اختيار آخر تشكيل حكومي مترهل في 2010، وحدثت متغيرات جذرية (كبرى) في البيئتين الداخلية و الخارجية، فرأت حكمة الرئاسة ومعها حنكة أهل الحل و العقد أن الأمر يستحق فعلا إعادة النظر في هياكل وشخوص الحكومة لمواكبة العالم الحديث، ومرة أخرى تتأخر إعادة الهيكلة ويتأخر التشكيل الإتحادي و كذلك الولائي، ونفرح مرة أخرى لتأخره وللتأني فيه.
وقد وعد السيد الرئيس بعد لقائه طلاب و وخريجي (وكذلك) شباب المؤتمر الوطني في هذا العام 2011 بالتغيير الحقيقي وأنه سيبدأ بنفسه، وذلك حتى لا يظن أي مسؤول أدنى منه أنه سيخلد في الوظائف الحكومية حتى موته، وتضايق بذلك كل قيادي تاريخي ممن كانوا يضربون تحت الأحزمة وخلف الستار كي يدخلوا زمرة المرشحين لرئاسة الحزب ورئاسة الحكومة. وقام حينذاك الكثير من الكوادر الجديدة التي تربت خلال ربع القرن الماضي بالتنفيس الصريح عما يدور في الكواليس من ضجر، وعلى رأسهم الأخ محمد عبدالله شيخ إدريس (وهو ممن اجتاحه الوعي بأن هناك قوى شر ماسونية تريد قصر هموم وطموح شباب السودان على التوظيف و الزواج)، والذي أخذته غضبة مضرية (مؤسسية) عبر فيها عن أشواق مشروعة لمئات الآلاف من شباب الحزب المتململ )و كهوله)، وعشرات آلاف من شباب الأحزاب الأخرى، ومئات آلاف أخرى من أهل الوطن، فكان الوعد الصادق من السيد الرئيس عمر البشير بأنه لن يخيب ظن كل من يعقد الأمل عليه في التغيير الإيجابي، بعد استماتة كثير من الموجودين على الساحة في الحفاظ على كراسيهم أكثر من حفاظهم على إنجازاتهم، وبعد أن رأى المخلصون الخائفون على المستقبل المنظور للوطن أن سوق الساسة والقادة تم احتكار واجهات العرض فيه.

ولا نشك في أن السيد القائد البشير سيقوم بإزاحة من يعيق تطور الوطن و الحزب في (جمهوريته الثانية)، حتى من الذين بنوا الوطن والحزب على أنقاض 89، فليس هناك أوصياء على الحزب أو الحكومة أو الشعب، وليس هناك أوصياء عليك سيدي الرئيس. وربما يكون اللواء حسب الله عمر من الذين أشاروا برسائله غير المكتملة إلى بعض المطوِفين من حاملي صكوك الغفران في زفراته الحرى تلك للرئيس، ورغم أن البعض يعد الجنرال نفسه من الصقور (الجارحين) المكنكشين تحت الظل ردحا ثم تحت الشمس ردحا، إلا أنه يجدر الإنتباه – سيدي الرئيس- إلى ما قال وما يريد أن يقول، وقد قالها هذه المرة صادقة النية قوية، (رأفة بالوطن)، وإن جاءت منه متأخرة (جدا)، لكنها شجاعة موضوعية يوثقها تاريخ الوطن، فوثقها لديك سيدي الرئيس.

و جاء مستشار الرئيس دكتور مصطفى عثمان والذي أضحى أكثر التصاقا بالقواعد وهو يشق منتصف الخمسينات من عمره (غير بعيد من الحاج آدم) مؤكدا أن التغيير لابد قادم في التشكيل الجديد لإعادة الحيوية للحكومة وللحزب الحاكم ولكامل عناصر الدولة، وعضده الوالي عبدالرحمن الخضر مؤخرا بعد اقتناعه بقوة وكفاءة الموج الحديث، ثم قام الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر رئيس البرلمان بتأكيد عدم بقاء من تجاوزوا الستين في أي مقعد تنفيذي، وعدم التجديد لمن قضى دورتين (8 سنوات) أو أكثر في مقاعد الحكم، وهذا ما قام بتأكيده الأمين السياسي المتفائل د. الحاج آدم يوسف في ختام المؤتمرات التنشيطية للحزب الحاكم، ودعا المصلح الزاهد دكتور غازي العتباني لهذا النهج منذ ما قبل الإنتخابات العامة و ما بعد التشكيل الماضي، وكانت كل إشارات الصادق الأمين شيخ علي عثمان تصب في هذا الإتجاه، كما لم نسمع أو نقرأ رفضا للقوي الأمين د.نافع لهذا الإتجاه، وحتى بروفسور إبراهيم أحمد عمر و د.ربيع عبدالعاطي غيرا موقفيهما ورؤيتهما لنهج الكنكشة التي كانا يعتبرانها خبرة لا يجب إعطاء الفرصة للغير ليكتسبها وإلا ذهبت ! أما الزاهد القوي د. محمد المهدي مندور فقد كان رائدا استباقيا في الإصلاح و التغيير الإيجابي على طريقة slowly but sure  دون انتظار صك سماح من العقول المتحجرة التي ترى فيه مهددا لتحجرها !

و قد ذكر ذات مرة محافظ بنك السودان الأسبق دكتور صابر محمد الحسن في أكتوبر أو نوفمبر 2010 قبل نكسة الإنفصال أنهم كاقتصاديين قدموا كل ما لديهم ومايعرفونه من نظريات و علم و أفكار لمعالجة تداعيات الإنفصال على اقتصاد السودان، ولكن الرد المبهر كان لأحد الحضور من الريف السوداني أن النظريات الإقتصادية التي كانت تدرس في الجامعات بالسبعينات (وهو لا يعلم أن د. صابر متخرج من أواخر الستينات) هي غير النظريات التي تدرس الآن بعد أربعين عاما وأن التقنيات و التطبيقات قد استحدثت، (علما بأن الدكتوراة كانت عن التصدير في الدول النامية، وبنيت على نموذج سوداني انتهى منذ ثلاثين عاما بالتمام). وأشار لنا الأخ الريفي الكريم بذلك أنه منذ عشرين عاما أو يزيد، لم يطلع كثير من المسؤولين على كتاب أو مرجع حديث، فمن أين لهم الوقت للقراءة والتطور مع تطور العالم كله إن لم تكن هناك (استراحة محارب) كافية لكل مسؤول ؟ إنما هي ساعة بساعة كما قال نبينا، وليس احتكار كل السويعات والعقود.
إن قدرة السودان على إدارة الصراع في ربع القرنية المقبلة وعلى تنفيذ إستراتيجياته محكومة بتغيير و تطوير و تحديث فكر من يقومون بذلك في الحقبة المقبلة، وإلا سنفشل في كل معاركنا، ولا يمكن لخالد بن الوليد أن يدور خلف الجبل في كل معركة، علينا تغيير خالد بن الوليد كي نأتي بفكر جديد وحتى لا يفطن أعداؤنا لكل ما يدور في ذهن الدولة السودانية، إن الجنود قد خبروا كيف يفكر ابن الوليد، وإن كل عامل تحت كل وزير ومسؤول، قد حفظ الطريق عن ظهر قلب وعلم كيف يخبئ الفساد عن المسؤولين، وعرف كل متكاسل أين هي المنايم في ثكنته المدنية!

وإن قياداتنا التي حكمت وأطالت –رغم براعتها وكفاءتها-  قد حفظها العالم الذي يكيد علينا ما يقارب ربع قرن من التاريخ، وتمت دراستهم جملة و تفصيلا، وصار التنبؤ بقراراتهم و تصريحاتهم والتوقع لأفعالهم أمرا يسيرا هينا لكل دول الإقليم والمجتمع الدولي، مما يجعلنا صيدا سهلا لكل الخطط الإستراتيجية المضادة والمناروات التكتيكية في كل المجالات.

إن من ذادوا عن حياض هذه الدولة لما يقارب ربع القرن من الزمان وكانوا في الثلاثينات من عمرهم عند تسلم الحكم، هم الآن في الستينات من عمرهم، ومن كان في الأربعينات هو الآن إما ستيني أو سبعيني، وآن لهم أن يرتاحوا ويكرموا أنفسهم بالإستقالة إن لم يكرمهم أحد، حتى يتجهوا اتجاها فكريا آخر ينفعوا به البلاد.
إن هؤلاء الكرام يمكن لهم إثراء أماسي السودان بخبرتهم وعلمهم وتجربتهم الصعبة، حتى لا تموت و تدفن معهم فتصبح خبرة فردية بلا جدوى، واجب عليهم تحويلها لخبرة تراكمية متوارثة، فليس على من يأتي بعدهم أن يبدأ مثلهم من الصفر متعلما على مقاعد مدرسة الحكومة بالتجربة و الخطأ trial and error، وليس على الوطن أن يقطع ربع قرن جديد حتى يصل لبعض الحقيقة وهو على مشارف المعاش.
نحن نحتاج لخبرة السيد الرئيس لتوريثها لمن نرى فيهم بذورا نعدها لاحتمال ترؤس السودان، ولكن كيف يأتي الرئيس الآن بالوقت للقيام بهذا العمل الجليل وهو يرأس الوطن المترامي و الحزب الضخم معا ؟ نحتاجك سيدي الرئيس لتعلمنا كيف الصمود في ترؤس بلاد مثل هذه، ونحتاجك لتعلمنا القيادة في أجل معانيها ليس للسودان فقط، ولكن لأشواق الملايين في ما بين المحيط و المحيط، ونحتاج لخبرة غازي صلاح الدين وأمين حسن عمر و سيد الخطيب في تأهيل أطقم كاملة للمفاوضات وفي العلاقات الخارجية، فهي مما لا يتم تعلم تكتيكاته وأسراره في مقاعد الكتب، ورحم الله مجذوب الخليفة الذي كان يمكن أن يشكل معهم المربع الذهبي لتعليم فن المفاوضات، ونحتاج لشيخ علي في إذكاء روح الحركة الإسلامية متفرغا لها في عهد ازدهار الحركات الإسلامية الإقليمية الذي بدأ هذا العام، كما نود أن يقوم شيخ علي بتحويل د.تاج السر إلى مدرس يقوم بتأهيل آخرين للتخطيط الإستراتيجي، فالمجلس الأعلى يحتاج فكرا إداريا و استراتيجيا جديدا تماما، ونحتاج أن نريح عوض الجاز إكراما له وتكريما فبإمكانه تعليم أمة كاملة في كيف يكونوا وزراء أكفاء! والزبير بشير طه وكمال عبيد تحتاجهما قاعات العلم ليعودا إليها قبل فوات الأوان، وجلال الدقير يكفيه (ما نال من تعب) كذلك ونرجوه أن يصبح معلما في الصناعات أو مستشارا للوزارة، و الأعمدة الكرام بكري حسن صالح و عبدالرحيم محمد حسين والطيب إبراهيم يمكنهم إنشاء مدرسة شؤون الرئاسة والدفاع، و حافظ أمننا صلاح قوش تحتاجه مدارس الأمن ليعلمنا كيف نحفظ أمن الوطن والمواطن وكيف نخطط للمستقبل بعد أن يأخذ فرصة البرسترويكا التي تم حرمانه منها مرة ومرتين، وهو المدرك أن (رجالا حول قورباتشوف) قد ذكروا على لسان قوربا نفسه في كتابه (تفكير جديد لبلادنا و للعالم): "..إن العالم لم يعد على نفس الحالة التي كان عليها، ولا يمكن حل مشاكله الجديدة على أساس التفكير الذي وصل إلينا..." . أما دكتور نافع فيحتاجه البسطاء من أهل السودان قبل أهل الخاصة! وتحتاجه كليات الزراعة التي نراها عقمت أن تلد الملهمين من الله ليفكوا سحرنا لنصبح سلة غذاء العالم العربي (والتي أطلق شعارها المرحوم بروفسور محمد هاشم عوض في سبعينات القرن الماضي)، وتحتاجه أراضي السودان التي لا تنتج بقدر ما سمح الله لها أن تنتج، وتحتاج إلى دكتور نافع كذلك هذه الأجيال الجديدة كي يجالسها و يعلمها من غزير ما لديه (مثلما علمه الشيخ وإخوان الشيخ)، لا أن يلقي عليها خطابا و يذهب، دون امتصاص ما لديه من خبرة و رحيق! وغيرهم و غيرهم.. بل إن (كل) قيادات المؤتمر الوطني التي تم امتصاص طاقاتها لصالح الوطن طيلة هذه السنين (مهما كانت النوايا الغيبية لكل فرد)، يمكن لهم التوجه (رافعي الرأس والعقل) كل مساء إلى مراكز الأبحاث والدراسات التي تفوق الستين في العاصمة وحدها، لصنع الفكر، ولصنع القيادات، وللإسهام العلمي في صنع السياسات، وللكتابة و نشر الإنتاج الفكري لهذه القيادات وللبشرية، توثيقا لأعظم تجربة سياسية ثرة وفريدة مرت على السودان في جمهوريته الأولى، تمهيدا للجمهورية الثانية كي تشق طريق الصراع الجديد في عالم شرس متغير لا يرحم.

إن التغيير الإيجابي المرجو ليس شرطا على الحزب الرائد وحده، ولكن حتى الأحزاب المعارضة التي أماتتها شيخوخة قادتها فكريا، والتي ذكر الأستاذ محمدالحسن الأمين قبل أيام أن شيخوخة قياداتها تمنعها من مواكبة المستجدات في واقع السودان و العالم، على هذه الأحزاب كذلك أن تعلم أن الكنكشة ظلم في حق الوطن وفي حق ما تبقى من مناصريها وفي حق أجيالهم الجديدة المحرومة من فرصة الإسهام الفكري و السياسي، والتنظير لمصلحة حزبها ووطنها.
وإن الأحزاب التي صعب عليها استمالة أصوات المواطنين في العهد الحديث وفي الإنتخابات الأخيرة التي تهربت منها عندما قرأت الرأي العام و رأت مسارات الإندفاع الشعبي نحو ندوات ومؤتمرات وحشود حزب المؤتمر الوطني، فلا غضاضة أبدا في التكرم عليهم بالوزارات والمناصب الحكومية كنوع من الإستعانة الوطنية بهم (وليس لإرضائهم)، أما ترك الإختيار لهم مفتوحا (دون ضوابط جديدة) لتقديم مرشحيهم، فهذا لن يجدي إن كانوا بنفس التقليدية القديمة، ولا فائدة من الحكومة إن قام المؤتمر الوطني بالتجديد وبقيت بقية الأحزاب المشاركة على كوادرها البالية، فنحن نطالب هذه الأحزاب القديمة بالتجديد الإيجابي و التحرر الحداثي وبالثورة على موروثاتها البالية كي تواكب العالم، وكي يكون كوادرها سندا حقيقيا لأي حكومة قادمة، وكي لا يكون المسؤولون الذين ترشحهم أحزابهم المعارضة للدخول في الحكومة الجديدة، مجرد عبء على الحكومة والوطن..
ورغم كل الصراعات، وكل التباين في نوعية كوادر الوطن و شخصياتهم وقدراتهم وأعمارهم وأساليبهم ونواياهم، فإن الوطن يحتاج للجميع، و لصقوره و حمائمه معا، مادام تحليقها و صراعها ومكوثها يصب في مصلحة الوطن! ويا فرحة الوطن لو اتجهوا جميعا إلى مراكز الدراسات والأبحاث وقاعات العلم! ولو نثروا درر خبرتهم وجواهر علمهم على فراش الوطن، إن للمكنكشين وللمغبونين كذلك القدرة على إعادة وهج (الخرطوم بالليل) عبر الندوات والكتابات، وعبر التأليف والطبع و النشر، فثورة الإنقاذ هي ثورة فكرية كذلك وإن كنا ننتظر من أمين الفكر بروفسور إبراهيم المزيد في قيادة هذا القطاع الميت إن كان لا يزال على رأسه.. حتى إذا جاءت الدورة الإنتخابية المقبلة نستطيع أن نفتتح معرضا كاملا لكتب رجالات الإنقاذ يوثق فيه امتزاج العلم بالخبرة، والفكر بالمهارة، نباهي به في السودان من يقولون أننا كنا نقرأ، وصرنا لا نقرأ ولا نكتب.

إن نموذج الإنقاذ الثر يجب تدريسه بإيجابياته و سلبياته، وإن كل من تولى منصبا فيه صغر أم كبر، هو معلم جدير بالتوجه إلى ثكنات الفكر في ليالي الخرطوم و ولايات السودان، فنحن نحتاج للإنتاج الفكري والعلمي لكل من خبروا ربع قرن في جميع مجالات الحكم والحياة و المجتمع، كي تكون ركيزة معرفية للوطن يرتكز عليها ربع قرن آخر دون أن يبدأ الوطن من صفر جديد.
إن تجربة أمريكا اللامركزية في صنع السياسات، تعطي الدور الأعظم لمراكز الفكر و الدراسات في تشكيل حاضرها ومستقبلها، و قد تعاظم دور هذه المراكز خصوصا بعد الفشل السياسي و الإعلامي و العسكري في حرب فييتنام، لتقوم بالإسناد اللازم للسياسيين لصنع القرارات، حتى وصل شأن هذه المراكز إلى الإسهام الحقيقي في صياغة السياسات بما فيها الخارجية، ووضع استراتيجية أمن أمريكا ابتداءا من عام 1992 لوضع استراتيجية 94. وتقوم أمريكا الكبرى الآن بمبادلة الأدوار بين التكنوقراط والباحثين الأكاديميين في مباني مراكز الفكر و الدراسات، وما بين السياسيين في مباني الحكم. وعند ذهاب الحكومة بالإنتخابات، يغادر غالب الموظفين الحكوميين أصحاب خبرة السنوات الأربعة أو الثمانية إلى إفادة مراكز الدراسات (التي فاقت ال 3000 مركز في أمريكا)، وتأتي الحكومة الجديدة بمستشارين من هذه المراكز إلى سدة المجالس الإستشارية، في دورة متجددة الدماء، يتبنى فيها أهل الخبرة كل القيادات الجديدة وتبقى أمريكا مهابة فوق الجميع. والجميع في هذه الدورة التبادلية المتجددة الوجوه يدرك أن لمراكز الدراسات واجب تنويري تجاه المجتمع، وواجب استشاري تجاه الحكومات، وواجب أكاديمي بربط المعرفة بالسلطة.
وهذا ما نريده في جمهوريتنا الثانية، حتى لا تضيع خبرة الأمة السودانية تحت التراب في فترة ما بين الستين و السبعين، وحتى يحيا المشروع الحضاري و المدني للسودان المنشود.

خاتمة: دار حوار بين الفيلسوف كونفوشيوس وحواره (تلميذه) عن الحكومة الصالحة، التي توفر الغذاء لحياة مواطنيها، والجنود لحمايتهم، وتجعل الشعب يثق فيها، فرأى حواره أن هذه عملية صعبة جدا وشروط قاسية من المعلم، فطلب من كونفوشيوس أن يتنازل عن أحد الأركان، فاختار الجنود لأن الوضع الخارجي قد لا يحتاج لوجودهم، وقد يكون الأمان هو سيد الموقفين الداخلي و الخارجي.. ثم تنازل عن الغذاء لأن الوضع الداخلي قد يكون مكتوبا عليه الفقر من الله والجوع، أو قد يكون الغذاء متوفر أمام كل بيت من مزرعة و زريبة، دون حاجة لتدخل الحكومة في توفير الغذاء، ولكن كونفوشيوس لم يتنازل أبدا عن شرط ثقة الشعب في الحاكم.

فبمثل ما وثق غالب الشعب في أن الحاكمين هم أفضل الخيارات الوطنية الموجودة وأكفؤهم لإدارة شأن البلاد في ظل الحصار والمقاطعة المستمرة والحروب ومآسي البلاد المتنوعة منذ ما قبل الإستقلال، فإن الشعب كله والحزب يثقان الآن في أن السيد الرئيس عمر البشير سيفي بوعده، وينقل جل أصحاب الخبرة –طوعا أو كرها- إلى مراكز الدراسات و الأبحاث و الفكر ليقودوا ثورة الإنقاذ الثانية وليقودوا تأصيلا أكاديميا للسياسات، ويحيلهم إلى مجالس الشورى واللجان الإستشارية. كما يثق الشعب الآن أن أهل الحل والعقد سيؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وسيتم تشكيل حكومة جديدة تستطيع تغيير الواقع إلى أفضل بعون الله. ويبقى الود والتقدير العظيم لمن حملوا الهموم منذ الإستقلال، ومن حملوا الراية طيلة هذه السنين الصعبة منذ انطلاقة ثورة الإنقاذ العظيمة والتغيير الأول، وتحملوا كل الكيد و الأذى، لأجل عيني الدين و هذا الوطن.

م. أبي عزالدين عوض
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.