(21)

صحيفة الأخبار - ١٨ يناير ٢٠١٨

تشير بعض الدراسات إلى أن أكثر من 12 مليون شخص يعانون من التشخيص الخاطئ في أمريكا (سنويا) ! وذلك في كل من المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات الخاصة ! وتشير التقارير البريطانية إلى وفاة أكثر من 10 آلاف شخص سنويا في بريطانيا بسبب تقديم علاجات ناتجة عن اخطاء في التشخيص ! وكعادة دول العالم الثالث، يدخل السياسيون مع التكنوقراط في مغالطات إعلامية، فتصرح مديرة السياسة البريطانية العامة في العام الماضي 2017 بأن هناك تحسنا طرأ في إنقاذ أرواح مرضى السرطان كمثال، في الوقت الذي يصر فيه البروفسور عميد كلية الطب في برمنغهام أن بريطانيا هي رجل أوروبا المريض ! ويشير إلى أن بلاده هي المريضة فعليا في تشخيص وعلاج السرطان، داعيا من يفوز في الانتخابات المقبلة إلى وضع الصحة على قائمة الأولويات !!

لا مجال للمقارنة بيننا وبين هذه الدول التي لديها دوما بدائل تعويضية، كما أن مواطنيها لا ترهقهم ميزانية العلاج والدواء، مثلما تفعل بنا في بلادنا.
بل إن لدى هذه الدول إحصائيات سليمة، في حين لا توجد لدينا للقيام بمقارنات سليمة.

يركز الكثيرون على مسألة توطين العلاج في السودان، ولكن قبل الوصول لمرحلة توطين العلاج therapy or treatment، فالأهم والأخطر هو ترقية التشخيص diagnosis في الداخل ! فأطباء السودان لا يعانون أي نوع من الضعف في الأداء أو في الكفاءة وبشهادة العالم أجمع، وتكفي شهادة بريطانيا باحتضانها لما يقارب الأربعة آلاف طبيب سوداني فيها ! وتكفي شهادات دول الخليج التي لم تشكو يوما من طبيب سوداني فيها منذ السبعينات !
ففي حال توفر معينات العمل، وفي حال توفر التشخيص السليم للعلل والأمراض، فإن الطبيب والطبيبة السودانية يكونان في الموعد بكفاءة يحسدون عليها.

ولكن ما نعاني منه في بلادنا هو أخطاء التشخيص، والتي قد يكون من أبرز أسبابها هو الإمكانيات المادية والتقنية، خصوصا قبل رفع الحصار الأمريكي الجائر على السودان، والذي كانت له آثار مدمرة على القطاع الصحي، وقامت وزارة الصحة الاتحادية بتبيان ذلك في مؤتمرات مهمة في جنيف ونيويورك ضمن مساهمتها في مسيرة رفع الحظر عن السودان. ومعلوم أنه لم يكن من الممكن استيراد المعدات المتطورة بسبب عدم إمكانية تحويل العملات إلى الشركات الكبرى.

وبعد أن تم رفع الحصار الأمريكي، تنتفي أي حجج متعلقة بالتحويلات المالية، أو بامتناع الشركات والمصانع الكبرى من توفير ما يلزم للقطاع الصحي في السودان.
وطالما أن لدينا عددا ضخما من الأطباء الأكفاء ومن الخريجين المتقدمين في كل عام، بهذا الحجم، فلا شئ بعدها يمنع من أن يكون السودان مركزا علاجيا سياحيا، خصوصا في ظل وجود ولايات في غرب وجنوب دولة السودان لها طبيعة خلابة وهواء نقي يجعلها صالحة لقضاء فترات النقاهة كذلك، ضمن السياحة العلاجية هنا.

إن مسألة الأخطاء التشخيصية والجراحية هي قضية عالمية دون شك، وتعاني منها بعض الدول العظمى كذلك ! ولكن تختلف الأسباب بين دولة وأخرى، ولذلك لا مجال للمقارنة الإحصائية بيننا وبين أي دولة أخرى، إلا إذا كانت هي نفس الأسباب.

ما يلفت هنا هو أثر التكوين النفسي المتساهل في المجتمع، وهو ما يجعل عدم التدقيق والتشدد سمة قد تصيب الكثيرين ما لم يقوموا بتربية أنفسهم بصورة انضباطية مخالفة لطبيعة المجتمع المتسامح. بعض المرضى يضلل الأطباء عن غير عمد في مرحلة التشخيص، عبر إخفاء أنواع أدوية يتناولها اجتهادا منه ومن نصائح المجتمع ! وبعض المرضى يخطئ حتى في الإحجام عن توضيح كل ما يحس به، ووصف كل ما مر به من تاريخ معاناته، خوفا من نتيجة التشخيص !! فيجعل من نفسه حقل تجارب في يد الأطباء الذين يمر عليهم سواء داخل أو خارج السودان.
عموما، فإن التراخي إذا أصاب المخطئ فلا يجب أن يكون شيمة للمظلوم كذلك، فالطبيب المتراخي أو مدير المستشفى المتهاون في التدقيق بالنظر في كل شاردة وواردة، وفي حالة رقابة مستمرة في الليل والنهار، لا ينبغي معاملته من طرف المرضى والضحايا بنفس التساهل والاستخفاف الذي يغري بالمزيد من الأخطاء الطبية.
تجنح كثير من العائلات إلى العفو عن المتسببين في الأخطاء الطبية، بل وفي عدم فتح ملف المحاسبة أساسا أو الشكوى للمجلس الطبي، بذريعة (أنانية) وهي أنه لا يمكن إعادة ميتنا للحياة ! دون تفكير في أن تكريس هذا النهج، يؤدي لتكراره مع غيرك أو معك أنت كذلك أو مع أطفالك وأحبابك مستقبلا.

ينبغي على الجهات المعنية نشر الوعي والثقافة اللازمة بين المواطنين لمحاسبة المخطئين في القطاع الصحي كاملا، فكثير من المواطنين يجهلون حقوقهم، ويجهلون الإجراءات procedures المفترض بهم اتباعها، ومكان تقديمها.

وربما تحتاج حكومتنا لتغيير الموازنة العامة واستقطاع جزء من بنود الأمن والدفاع لصالح تشييد مستشفيات (ومراكز تشخيص ضخمة) بمواصفات دولية، و ((مدعومة للمواطنين))، وجاذبة لأموال الأشقاء في افريقيا والسياح من آسيا !

إن التشخيص (عموما) هو منهج تحليلي لتحديد العلاقات وربط النتائج بالأسباب، واستعراض البدائل كلها دون ارتكان لأول مجموعة بدائل وخيارات تخطر على البال بعد أول نظرات في الأمر !
وبعيدا عن مسألة الإمكانيات، لو كانت طبيعتنا هي القفز دوما ومباشرة لحل المشكلات قبل استكمال التشخيص السليم، فسيظل الجميع في دوامات المشاكل التي لا تنتهي، إلا وتبدأ غيرها أو تكرر نفسها !
بعض الدول أنشأت هيئة أو مجمعا باسم مجلس (تشخيص) مصلحة النظام، قد لا يكون المسمى كما المعنى.
ولكننا ربما نحتاج هنا لتوطين التشخيص في عقولنا وأنفسنا، ثم بعدها في بلادنا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.