صحيفة الأخبار – 17 يناير 2018

تنازع البعض حول أصل مصطلح الحكم الراشد أو الرشيد Good governance، ودار جدال حول أيهما يوصل للآخر: الحكم الرشيد أم المجتمع الراشد ؟!
ثم أظهر البعض ارتباط الحكم الرشيد بالشرع الإسلامي وأنه ليس مفهوما مستوردا من الغرب، وإنما هو تنظير من أسس الحكم في الإسلام. فوضع له الباحث الدكتور عبدالمجيد محمد الغيلي في كتابه "نحو حكم رشيد" أربع ركائز تلخصه، وسماها الركيزة الهدائية والركيزة الصلاحية والركيزة الخيرية والركيزة النفعية. ثم أوضح أنه من ذلك تنبع واجبات الدولة الرشيدة الخمسة في حراسة الأمن الداخلي والسيادي والاجتماعي والتنموي والخارجي، معتبرا أن الأمن التزام متبادل، ولا يمكن أن يتحقق من طرف واحد، حيث كتب في صفحة 55 من كتابه: "على الحكومة تأمين المواطنين، وعلى المواطنين رعاية هذا الأمان، فإن أخل أحد الطرفين بالالتزام كان الآخر في حِل منه"..

وقد كتب آخرون عن أن الأحزاب المعارضة نفسها عليها مسؤوليات تجاه ترسيخ الحكم الرشيد، تبدأ بنبذها للعنف، وانتهاجها لنهج الحوار والمقاومة السلمية، ونشر ثقافة الممارسة الراشدة والمتحضرة وسط عضويتها من المعارضين، بل والتعاون مع الحاكم فيما فيه صلاح البلاد والعباد.

ودون خوض في مفهوم الحكم الرشيد، فإن ما حدث ظهر الأمس بين طرف الحزب الشيوعي السوداني والطرف الحكومي وأجهزته، هو تقدم ملفت للنظر بين الجانبين، ونحسب أن هذا توجه منهما نحو الحكم الرشيد، ونحو المعارضة الراشدة كذلك !
فلأول مرة يتقدم الحزب الشيوعي المسجل رسميا بحسب قانون الأحزاب 2007 بالطلب القانوني للتظاهر بأسلوب غير مستفز، وبتحديد واضح لمسار المسيرة وأهدافها في تسليم مذكرة لحكومة ولاية الخرطوم التي يرأسها الفريق أول عبدالرحيم وينوب عنه الأستاذ محمد حاتم، ويرأس مجلسها التشريعي الباشمهندس صديق علي الشيخ ويرأس اللجنة الاقتصادية الأستاذ عبدالله سيد أحمد، ويدير ماليتها واقتصادها وشؤون المستهلك فيها الأستاذ عادل محمد عثمان، بينما يرأس قطاعها الاقتصادي المخطط الأستاذ الماحي خلف الله.

وكنا نتوقع ونتمنى أن يسمح الجهاز باستخراج التصديق للمسيرة.
ومع ذلك قامت في موعدها بكل احترام وتهذيب، وبدأت بشعارات مشروعة ومطالبات منطقية، مثل: لا لا للغلاء..و لمتين لمتين عايشين بالدين.. وضد الفقر وضد الجوع.
وكل هذه هي سياسات تنادي بها الحكومة نفسها، مما دعا الشرطة للتعامل بأسلوب حضاري في حماية المسيرة نفسها، وعدم التدخل، باستثناء حالات لاحقة للتعامل مع قلة مثيرة للشغب أرادت استغلال المسيرة الرائعة وتخريب أهدافها في التعبير عن رفض موازنة ولاية الخرطوم للعام 2018، وهو ما جاء كذلك في خطابهم الموجه لوالي الولاية.

ثم حدثت بعض الاعتقالات التحفظية التي لا علاقة للشرطة بها، عندما اقتربت المسيرة من مبنى حاكم الولاية، ولتقديرات تخص الأجهزة الأمنية.
إن ما حدث من جميع الأطراف هو تقدم وتحسن في التعامل بأسلوب حضاري، وإن شابته بعض الشوائب، ولكنه انتقال محترم من مربعات العنف القديمة بين الطرفين، وتحول عن حالة ابتدار العداء وكأننا لسنا أبناء بلد واحد، نحو مجتمع راشد ينتج لنا حكومة رشيدة ومعارضة رشيدة كذلك. ويبدو أن الأجيال الجديدة تريد ابتدار ممارسات أكثر رقيا ورشدا، وحفظا لأمن البلاد والعباد.

ربما لانشغال الناس بالموازنة العامة، انصرفوا عما هي أفظع منها في ولاية الخرطوم ! رغم أن فيها بعض الإيجابيات كما ذكروا وكما اجتهدوا. وهي موازنة سماها وزير المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك في ولاية الخرطوم بالميزانية الرديفة إلى جانب الموازنة العامة التي أجازها البرلمان الذي طالب باستدعاء القطاع الاقتصادي بعد الإجازة.

موازنة ولايتنا الخرطوم تفرض رسوما شهرية على الكارو والدراجات والتكتك ! وهي موازنة فيها رسوم إضافية على التعليم والصحة في ولاية الخرطوم، بدل زيادة الصرف على هذين البندين الأهم ! بل إن حكومة ولاية الخرطوم تدخلت في فرض الرسوم على الأكاديميات الصحية وزيادة رسوم التدريب العملي لكليات الطب !! وزيادة رسوم بحوث الطلاب في الجامعات والكليات والمؤسسات الصحية بدل أن يتم دعم البحث العلمي وتشجيع الطلاب في هذا المجال. وقامت حكومة الولاية بزيادة رسوم علاجية، بل وصل الأمر لفرض رسوم على كل المناشط الرياضية والشبابية بالولاية، كما ورد !! وكأن ذلك توجيه لشبابها بالبحث عن الترفيه والتنفيس في الأماكن التي لا يعلم عنها أحد، في ظل عدم وجود أي متنفسات لشباب وعائلات ولاية الخرطوم.

وزادت مواعين الولاية الإيرادية، لتفرض رسوما على الخدمات الصناعية والاستثمار، ناهيك عن مستوى الرسوم المحلية التي جاءت في 19 جدولا. ومن الغريب أن يصرح البعض مضللا للقيادة أعلاه، بأنها موازنة مبشرة وتولي اهتماما خاصا بتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل مواطني الولاية !!
ولا ننسى بأي حال أن المكتب القيادي للحزب الحاكم في ولاية الخرطوم قد أجاز في اجتماعه بتاريخ 15 أغسطس 2017 موازنة خالية من أي زيادة في الرسوم أو الضرائب !!! وقام بتبشير عضوية الحزب وعموم المواطنين بذلك في وسائل الإعلام، ذاكرين أنهم سيضاعفون الإيرادات بطرق أخرى منها زيادة الدعم الاتحادي لهم !! ثم جاؤوا بعد ذلك قبل أسابيع بأكثر من ألف رسم ما بين جديد وتجديد، فالمواعين الإيرادية جاءت في كتاب التعديلات المتنوعة في أكثر من 220 صفحة !! هذا إضافة إلى إجازة (رسوم إيرادية غير محددة القيمة !)، ونترك الحكم للحاكم الأعلى بعد أن عرف شيئا مما يخفى عليه من تفاصيل، ليقرر في شأن مثل هذه الإدارة غير الراشدة لشؤون عباد الله، مذكرين بحديث نبينا ودعائه لربه: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشقق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به.

جاء خطاب الحزب الشيوعي بولاية الخرطوم لحكومة الولاية مطالبا بإسقاط موازنة الولاية للعام 2018، هو خطاب مشروع، ليس عليه غبار سوى عدم تمييز اقتصاديي الحزب الشيوعي في بيانهم بين الميزانية balance sheet والموازنة budget، وأما غير ذلك فكلنا نطالب بإسقاط موازنة ولاية الخرطوم لتعديلها، وتعديل الموازنة العامة وإسقاط مدرسة القطاع الاقتصادي الذي خطط لها.
وأما إسقاط حالة الأمن، وإسقاط السلامة والنظام والطمأنينة العامة في البلد، فسنقف ضده ونسقط من يحاول ذلك.

إن الخط الجديد الذي اختطه الحزب الشيوعي السوداني هو خط ذكي يقترب من الناس لأول مرة، فكل شعاراتهم السابقة أثناء التظاهر كانت مليئة بالعنف اللفظي، وبمطالبات بإسقاط الحكومة التي لها أنصارها من المواطنين الذين قاموا بالتصويت لها، مما أدى لزيادة الفجوة بين الشيوعيين وعموم المواطنين من ناحية، وزيادة التوتر بينهم وبين حفظة الأمن من ناحية.

ولكن في هذه المرة، تطابقت شعاراتهم مع مطالبات المواطنين، بل ومطالبات عموم عضوية المؤتمر الوطني كذلك، باللحاق الجذري لإنقاذ اقتصاد البلاد، الذي صار التخطيط له والتقرير في شأنه رهينا بأيدي قلة معدودة تفرض رؤيتها، وأصبح وأمسى حبيسا لعقول محدودة ومصفدة، سيطال طبلتها مطرقة وسيف الرئيس قريبا، بإذن الله.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.